كتاب عربي 21

الحفاظ على المقاومة مهمة الشعوب

ممدوح الولي
"مهمة موكولة إلى الشعوب"- جيتي
"مهمة موكولة إلى الشعوب"- جيتي
في دراستي بالمرحلة الابتدائية والتي واكبت حرب 1967، كانت فصول الدراسة وفناء المدرسة متخمة بلوحات ورقية مكتوب عليها "عدونا أمريكا وإسرائيل"، في ضوء المساندة الكبيرة للرئيس الأمريكي جونسون لإسرائيل، في عدوانها على ثلاث دول عربية: مصر وسوريا والأردن، واستمرت تلك اللوحات معلقة لعدة سنوات. ورغم المساندة الأمريكية الضخمة لإسرائيل في حرب 1973، فقد استقبل الرئيس السادات الرئيس الأمريكي نيكسون استقبالا جماهيريا حاشدا بعد تسعة أشهر فقط من الحرب.

وفي محافظة دمياط التي أنتمي إليها، وفّروا لأعضاء منظمة الشباب والاتحاد الاشتراكي، أوتوبيسات مجانية للسفر إلى مطار القاهرة لاستقبال الرئيس نيكسون، ودفعني حب الاستطلاع للمشاركة بالرحلة مما مكنني من التجول أمام المطار، لأرى مشاهد حشد مماثلة من المحافظات الأخرى على طول الطريق المؤدى للمطار، وسمعت بأذني هتافات البعض من خلال ميكروفونات "يحيا نيكسون.. عاش نيكسون". وبعدها بيوم واحد رتب السادات رحلة بالقطار من القاهرة إلى الإسكندرية، ليشاهد بنفسه ترحيب المصريين به، حيث تم ترتيب تواجدهم في المحطات الرئيسية على طول المسافة بين القاهرة والإسكندرية، وإطلاق بعضهم الحمام عند وصوله.

وتلت ذلك خطوات لتعزيز العلاقات بين مصر والولايات المتحدة، بدأت بتدفق المعونات الأمريكية لمصر، لكن أنماط تلك المعونات تركت صورا ذهنية سلبية لدى المصريين، ففي شوارع القاهرة حيث كنت أدرس في جامعتها جاءت أتوبيسات المعونة لتخفف من زحام المواصلات العامة، لكنها بعد فترة وجيزة بدأت تصدر أصواتا مزعجة وكثرت أعطالها مما جعلها مثارا للسخرية من جانب البعض، كما كان إغداق المعونة الأمريكية على برامج تنظيم الأسرة مثارا للتساؤل عن نوايا المعونة من ذلك وهدفها لتقليل السكان، بينما لم تحصل قطاعات أخرى مثل الإسكان الذي كان وما زال يعانى من مشكلة مزمنة على أية معونات.

الاستعانة بالحكام لتقليل التكلفة

ودفعت الولايات المتحدة الإدارة المصرية لعقد معاهدة سلام مع اسرائيل، لتحييد دورها من الصراع العربي مع إسرائيل مقابل معونة عسكرية واقتصادية سنوية، وكانت هناك وعود أمريكية بمنطقة تجارة حرة مع مصر لكنها لم تنفذ، وتمت الاستعاضة عنها باتفاقية الكويز عام 2004؛ لدخول السلع المصرية الولايات المتحدة بلا جمارك إذا كانت تحتوي على نسبة من المكونات الإسرائيلية، كوسيلة لربط التجارة المصرية بالتجارة الإسرائيلية.

ومع معاهدة السلام المصرية مع إسرائيل كرر الأردن نفس المسعى من خلال اتفاقية وادي عربة، كما دخلت السلطة الفلسطينية على الخط من خلال اتفاقية أوسلو، وكانت هناك محاولة مماثلة مع لبنان لكنها لم تستمر.

أسرد تلك الأحداث لأتساءل: هل حدث تغير في الموقف الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية منذ عام 1967 وتعليق لافتات "عدونا أمريكا واسرائيل" في المدارس؛ وبين موقفها الحالي تجاه سكان غزة والضفة الغربية؟ أتصور أن الإجابة بعد 58 عاما أنه لا جديد بالمرة، من حيث الدعم الأمريكي لإسرائيل بالسلاح والمال والمساندة السياسية والدبلوماسية، بل ومعاقبة من يجاهرون بانتقادها حتى ولو كانوا طلابا أجانب.

كما تشارك الولايات المتحدة الإدارة الاسرائيلية في نشاطها التوسعي والاستيطاني وتقر ما سلبته من أراض عربية، وتشاركها لتنفيذ مخططات التوسع وإبادة الفلسطينيين وتدمير بيوتهم ومرافقهم وتجويعهم والسعي لتهجيرهم من أرضهم، وتردد الرواية الإسرائيلية الكاذبة عن الأحداث، حيث تسعى الولايات المتحدة بكل جهد ألا يصمد نموذج المقاومة الإسلامية في غزة، فهناك كراهية للإسلام مهما ادعوا خلاف ذلك، ويزداد حقدها وغضبها كلما استمر صمود المقاومة وسكان غزة، فتسعى للمزيد من التنكيل بهم، وتنفيذا لمخططاتها فإنها تستعين بالنظم الحاكمة في الدول العربية والإسلامية منذ سنوات طويلة، تقليلا للتكلفة وحتى لا تضطر للتواجد العسكري الذي كلفها الكثير من المال والجنود في أفغانستان والعراق.

اختيار الحكام العرب منذ عقود

والأمر قديم وليس بحديث، حيث يذكر البعض أنه تم إدخال بعض الشباب المصريين في دفعة خاصة استثنائية بالكلية الحربية أواخر الثلاثينات من القرن الماضي، ليتبين فيما بعد أن هؤلاء الشباب هم نفس الضباط الذين قاموا بالانقلاب العسكري في مصر في تموز/ يوليو 1952، حتى أن الكاتب الصحفي محمد جلال كشك روى تلك الوقائع في كتاب خاص بعنوان "ثورة يوليو الأمريكية"، حين اتصل علي صبري أحد هؤلاء الضباط بالسفارة الأمريكية عقب الانقلاب مباشرة، وقد تدخلت بالفعل فمنعت قوات الاحتلال البريطاني من التعرض لضباط الانقلاب، رغم وجود عشرات الآلاف من جنودها بمنطقة القناة، وضغطت على الملك فاروق للتنازل عن العرش ومغادرة البلاد.

وما تم مع هؤلاء الشباب أواخر الثلاثينات من القرن الماضي، تكرر مع كثير من الحكام الذين تولوا المسؤولية في البلدان العربية والإسلامية سواء من العسكريين أو غيرهم طوال العقود السابقة.

ولعل من تلك المشاهد ما حدث في مصر عام 2013، وما حدث في لبنان بداية العام الحالي بتولية قائد الجيش رئاسة الجمهورية رغم أن الدستور اللبناني يمنع ذلك، على أن يتولى الرئيس منع وجود سلاح لدى حزب الله، رغم الضعف الواضح لقدرات الجيش اللبناني بالمقارنة بالقوة الإسرائيلية، ومنعه من التسلح بأسلحة متقدمة خلال السنوات الأخيرة.

وما حدث في مصر تكرر في باكستان وإندونيسيات وغيرهما، والاحتفاظ برأس السلطة الفلسطينية حتى الآن رغم انتهاء فترته منذ عام 2009، حتى في الكويت تولى ضابط أمن دولة، فقام في شهوره الأولى بتعطيل الدستور والبرلمان، دون أية انتقادات من قبل الدول الغربية التي تدعي المناداة بالحريات والديمقراطية.

منظمات مجتمع مدني مأجورة

وحرصت الدول الغربية بالتوازي مع عقد معاهدات السلام مع إسرائيل؛ على تكوين نخب تتبنى الأفكار الغربية حول السلام والتعاون الاقتصادي والسياسي مع إسرائيل، من خلال منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والصحف الخاصة والمراكز البحثية، والمجموعات الخاصة مثل مجموعة كوبنهاجن التي ضمت كوادر مصرية وأردنية وفلسطينية للترويج للتطبيع مع إسرائيل، وما زالت بعض كوادرها بمصر لها مقالات يومية منتظمة بصحف حكومية حتى الآن. وقامت تلك المجموعات التي تمولها وتتبناها الدول الغربية بالنيل من فكرة المقاومة سواء الفلسطينية أو اللبنانية أو الأفغانية وحتى العراقية، وشيطنتها عبر وسائل الإعلام خلال العقود الأخيرة.

كانت النتيجة لكل ما تم هو التواطؤ بين الولايات المتحدة وإسرائيل والدول الغربية والحكام العرب وتلك النخب المأجورة، للقضاء على المقاومة الفلسطينية وحصارها ومنع الغذاء والدواء والكهرباء والوقود عن سكان غزة، وتدمير مرافقها ومنشآتها الصحية والتعليمية، وتشويه صورة المقاومة

وكانت النتيجة لكل ما تم هو التواطؤ بين الولايات المتحدة وإسرائيل والدول الغربية والحكام العرب وتلك النخب المأجورة، للقضاء على المقاومة الفلسطينية وحصارها ومنع الغذاء والدواء والكهرباء والوقود عن سكان غزة، وتدمير مرافقها ومنشآتها الصحية والتعليمية، وتشويه صورة المقاومة وقادتها والضغط عليها لتسليم سلاحها، وإعلان ذلك بلا خجل من خلال مؤتمر نيويورك الأخير الذي رعته السعودية وفرنسا.

وتواصل تلك النظم والمجموعات التابعة لها الضغط على فصائل المقاومة في غزة وفي لبنان لتسليم سلاحها، رغم أن ذلك يفقدها قوتها التفاوضية ويجعلها فريسة سهلة للقوة الغاشمة الصهيونية، وهو ما تنقله لنا تجارب التاريخ في لبنان بعد خروج قوات الفلسطينيين عام 1982 وتنفيذ مجازر مخيمي صبرا وشاتيلا ضد المدنيين، وتخلي أوكرانيا عن سلاحها النووي بناء على ضمانات دولية مما أضعف موقفها أمام العدوان الروسي عليها، وما حدث للمسلمين في البوسنة من مذابح بعد قبولهم الاتفاق على تسليم سلاحهم، وهو نفس ما حدث للمسلمين في غرناطة من مذابح بعد تسليمهم لسلاحهم، وللمسلمين الأويغور في الصين، ومع حركة الماو ماو في كينيا؛ من قتل وتعذيب وسجن بعد تخليهم عن سلاحهم.

لذا تصبح مهمة الحفاظ على سلاح المقاومة سواء في غزة ولبنان واليمن وغيرها أمرا حاسما، وهي مهمة موكولة إلى الشعوب بعد ضلوع الحكام في مسلسل العمالة لإسرائيل والقوى الغربية، ومشاركتهم في حصار المقاومة وتشويه صورتها، مع نشر روح المقاومة في بلدان العالم الإسلامي من خلال نشر معاني الجهاد بالمال والنفس التي أكد عليها القرآن الكريم والسنة النبوية.

وها هو أحد الدعاة يصرح مؤخرا بأنه كان يطالب الدول الإسلامية مسبقا بالحفاظ على غزة، لكنه بعد دعاوى إسرائيل الكبرى والعدوان المتكرر على إيران ولبنان وسوريا واليمن والتواطؤ في السودان وليبيا، أصبح يطالبهم بالحفاظ على بلدانهم. وإذا كان العدو الإسرائيلي يسعى لتحقيق حلم أرض الميعاد من النيل إلى الفرات، كهدف ديني توراتي فإنه لن يفلح في التصدي لذلك سوى مقاومة متمسكة بدينها مثلما شاهدنا في غزة طوال 23 شهرا، رغم الفجوة الهائلة بين فصائل مقاومة محاصرة وجيش مدعوم بقدرات عسكرية ومعلومات استخبارية لكبرى الدول الغربية.

x.com/mamdouh_alwaly
التعليقات (0)

خبر عاجل