قضايا وآراء

الدروز والهُوية السياسية.. مقاربات حالية وتاريخية

حسين عبد العزيز
 الدروز إما أن يكونوا عامل قوة فعال جدا في الوحدة السورية، وإما أن يكونوا عامل تفرقة فعال بالمقابل.. الأناضول
الدروز إما أن يكونوا عامل قوة فعال جدا في الوحدة السورية، وإما أن يكونوا عامل تفرقة فعال بالمقابل.. الأناضول
تاريخيا، منقسمون سياسيا، لكنه انقسام يبقى على مستوى المواقف، ولا يتحول أبدا إلى مضاربات عسكرية، بل يتوقف على صخرة الوحدة الاجتماعية، فتوحدهم الهوية الاجتماعية التاريخية والعقيدية الدينية، وأهمها حفظ الذات الجمعية.

إنه المبدأ الثاني من مبادئ الدروز السبعة: مبدأ حفظ الإخوان الذي يشير إلى ضرورة تماسك الطائفة كآلية دفاعية ضد التهديد الخارجي وقت الأزمات، فيُسمح بالاختلاف السياسي، لكن لا مكان هنا للاقتتال الداخلي ـ الداخلي، وإذا ما توحدوا سياسيا في مواجهة عدو واحدا، يتحول إلى قوة عسكرية ضاربة.

شذرات تاريخية

حارب الدروز بقيادة زهر الدولة كرامة التنوخي إلى جانب نور الدين الزنكي ضد الصليبيين، وكانوا أيضا قوة مهمة في معركة حطين عام 1187 إلى جانب صلاح الدين الأيوبي.

وقبيل توجه صلاح الدين إلى بيت المقدس أراد تحرير مدن الساحل من الصليبيين، وعلى مدخل بيروت لاقاه الأمير الدرزي جمال الدين حجي التنوخي لتحرير المدينة.

وفي مواجهة المغول، شارك الدروز ضمن جيوش المماليك في بعض المواجهات، وخاصة في الشام ولبنان، وأظهروا صمودا في وجه الحملات المغولية، وقاد أميرهم زين الدين التنوخي المحاربين الدروز في معركة عين جالوت، وانتهت بهزيمة مدوية للمغول.

يُحيل دور دروز فلسطين وانخراطهم في المشروع الإسرائيلي إلى العامل الذاتي للهُوية الدرزية المضطربة، فبخلاف مسلمين ومسيحيي فلسطين، خط الدروز خطا مختلفا عنهم.
مرة أخرى، اصطف الدروز كوحدة قتالية، حين واجهوا بقيادة إبراهيم الهجري قوات إبراهيم باشا من مصر الذي حاول تجنيدهم وسحب سلاحهم ما بين عامي 1836 ـ 1838، وانتهى الأمر بهزيمة القوات المصرية.

هذه الشذرات التاريخية، دفعت المستعمرين إلى ملاطفة الدروز ومحاولة ضمهم إليهم:

ـ حدث هذا مع نابليون بونابرت بداية القرن التاسع عشر، فيذكر على الصغير في كتابه "نابليون بونابرت والدروز" إنه حاول استمالة الدروز، فراسل الأمير بشير الشهابي الثاني، طالبا منه مساعدة الدروز في احتلال عكا، لكن الأمير رفض طلبه.

ـ وقف وادي التيم والإقليم وحوران جنوبي سورية إلى جانب حكومة الأمير فيصل بن الحسين العربية، ودعموها بقوة، رافضين تقسيم سورية، لكن عوامل عديدة غيرت من موقفهم السياسي هذا، منها اتفاق فيصل مع رئيس الحكومة الفرنسية جورج كليمنصو ونصيحة المعتمد البريطاني للدروز بقبول الانتداب الفرنسي للحصول على استقلال ذاتي، وإلا ضموا إلى لبنان.

ـ في عام 1920، كان الدروز منقسمين إلى قسمين: الأول بزعامة الأمير سليم الأطرش ومصطفى بك نجم الأطرش، وهو تيار يطالب بحكم ذاتي للدروز تحت إشراف فرنسي، في حين طالب التيار الثاني بزعامة طلال باشا عامر باستعمار فرنسي مباشر، لا الاكتفاء بالإشراف، لكن التيار الأخير لم يلق قبولا عند الأغلبية الدرزية التي فضلت استقلالا ذاتيا، وهو ما تم فعلا، فعند دخول الفرنسيين سورية، رحب بهم الدروز فنالوا استقلالهم عام 1921، ولكن تحت إشراف فرنسي.

ـ خلال عام 1925 جرت اشتباكات بين الدروز والجيش الفرنسي، سرعان ما تحولت إلى معركة بين الجانبين، قادها من الجانب الدرزي سلطان باشا الأطرش، وكانت هزيمة الجيش الفرنسي في في قرية الكفر والمقرن الغربي من نجران وعاهرة وقرى أخرى التي نجح رجال الكرامة بالانقضاض على مؤخرة الجيش الفرنسي وقتلهم.

كان أحد أهم عناوين ثورة عام 1925، أن جزءا من الدروز رفضوا الدويلة الدرزية والدويلات الأخرى، وأصروا على وحدة الجغرافية السورية، وكانت بقيادة سلطان باشا الأطرش الذي أنزل مناصروه علم الدويلة الدرزية ورفعوا العلم السوري.

ـ في عام 1936، عندما ذهب وفد من الكتلة الوطنية إلى باريس للتفاوض على مستقبل البلاد، أصر رئيس الجمهورية السورية هاشم الأتاسي على وحدة الأراضي السورية، فعارضه مجموعة من العلويين، وقلة صغيرة من الدروز، بسبب موقف سلطان باشا الأطرش الداعم لاستقلال سورية ووحدتها الجغرافية.

لكن الأتاسي ورئيس الحكومة جميل مردم بك قرروا تعيين الدمشقي السني نسيب البكري، محافظا على السويداء، وهو ما رفضه دروز المحافظة، ومع إصرار مردم بك على موقفه، تحول الموقف الدرزي إلى معاضرة لحكومة مردم بك وحكم الأتاسي، وهو ما تكرر مجددا بداية العام الجاري، عند قرر الشرع وضع شخص سني محافظا للسويداء، وما تسبب ذلك من توتر بين الجانبين.

ـ بعد نكسة عام 1967، حاولت إسرائيل التواصل مع الأقليات على أمل استجرارهم وضمهم إلى إسرائيل، فأرسلت إيغال ألون الذي التقى الشيخ سليمان كنج، وكمال كنج، وأحمد طاهر أبو صالح، ومحمد كنج أبو صالح، لاقناع دروز سورية ولبنان بإقامة دولة درزية تمتد من السويداء إلى الشوف اللبناني، لكن المخطط الإسرائيلي أفشله دروز سورية ولبنان.

مرحلة الثورة

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، حدث انقسام في الوسط الدرزي بين المؤيد للثورة وضرورة المشاركة فيها، وبين من دعا إلى النأي بالنفس، ومع مرور الوقت وظهر بشاعة جرائم النظام بحق الثوار من جهة، وتوجه الثورة نحو الأسلمة، انتصر الرأي الثاني الداعي إلى الحياد.

على السلطة في سورية تغيير طبيعة تعاملها مع الأقليات، ولا يكون ذلك بالاستئثار بالسلطة تحت عنوان المظلومية الُسنية، وإنما بالعمل على إقامة دولة ديمقراطية ـ ليبرالية أساسها المواطنة الكاملة.
نتيجة ظهور مؤشرات على انهيار الوضع الأمني في سورية، وظهور "داعش" كقوة عسكرية وازنة، اتخذ الدروز قرارا بتشكيل قوات دفاع ذاتي، لمواجهة أي تهديدات ممكنة من "داعش"، التي أصبحت قريبة منهم.

لقي هذا الحياد ترحيبا من نظام الأسد، لكن بعيد رفض الدروز تجنيد أبناءهم في جيش النظام، بدأت مرحلة من التوترات تظهر بين الجانبين بدءا من عام 2015، ومع سيطرة النظام على معظم الجنوب السوري عقب معارك درعا عام 2018، حاول فرض سيطرته على كامل الجنوب، لكن السويداء حافظت على استقلاليتها الفعلية من خلال قواتها.

ونتيجة تردي الوضع الاقتصادي، وغياب أي أفق لتحسين الوضع المعيشي، شهدت السويداء عام 2023 مظاهرات واسعة، ومع الوقت وصلت إلى حد المطالبة بإسقاط نظام الأسد.

الوضع الحالي

منذ بداية العام الجاري انقسم دروز سورية إلى ثلاثة تيارات رئيسية: تيار حكمت الهجري الراديكالي، المطالب بالانفصال عن سورية، إما بتشكيل حكم ذاتي، أو دولة ذات سيادة، أو الانضمام إلى إسرائيل، وهو موقف يعتبر نشازا مقارنة بتاريخ المواقف السياسية الدرزية المعتدلة.

يقابل هذا الموقف، موقف مضاد يمثله تيار ليث البلعوس ـ الامتداد الفكري والسياسي لوالده وحيد البلعوس ـ الذي يصر على وحدة الجغرافية السورية والتقرب من حكومة دمشق، واعتماد المفاوضات الهادئة القائمة على الثقة كعنوان للحل.

بين هذا وذاك، برز تيار ثالث مثله شيخا العقل يوسف جربوع المسؤول عن مقام عين الزمان، وحمود الحناوي، المسؤول عن سهوة البلاطة في الريف الجنوبي للسويداء.

شكل الشيخان موقفا وسطيا، فلا هما مع توجهات الهجري الانفصالية والمتطرفة، ولا هما مع توجه البلعوس في التقرب أحادي الجانب تجاه دمشق، بل يطالبون سلطة الشرع الامتثال إلى مطالبهم كجزء من إعادة بناء سورية الجديدة ضمن وحدة جغرافية وتنوع سياسي وثقافي داخلي.

هذه التيارات الثلاثة توحدت جميعا ضد قوات الحكومة السورية في السويداء، فلم تكتف بشجب وإدانة الانتهاكات التي مُورست بحقهم فحسب، بل تعدى الأمر إلى نشوء جبهة درزية عسكرية موحدة.

خلاصة

من خلال المعطيات السريعة الذي ذكرناها أعلاه، يمكن التوصل إلى خلاصة هامة، وهي أن الدروز إما أن يكونوا عامل قوة فعال جدا في الوحدة السورية، وإما أن يكونوا عامل تفرقة فعال بالمقابل.

والأسباب الدافعة إلى اتخاذ أحد هذين الموقفين، لا تتعلق بالبيئة الداخلية للدروز فقط، بقدر ما تتعلق أكثر بالبيئة الخارجية، أي الفضاء السياسي المحيط بهم، فإذا كان هذا الفضاء عامل قوة لهم، انخرطوا فيه بقوة وشكلوا ثقلا لا يمكن الاستغناء عنه، وأما إذا كان هذا الفضاء نابذا ومهددا لمصالحهم، فسيتحولوا إلى أنداد له.

وهذا يلفت الانتباه إلى مسألة الهُوية الجمعية المضطربة، مثلهم مثل باقي الأقليات في المشرق العربي، والحقيقة إن هذا الاضطراب الهُوياتي لا يعود لعوامل ذاتية لدى الأقليات بالدرجة الأولى، بل يعود إلى طبيعة سلوك الأكثرية العربية السُنية، وهذه الأخيرة، إما أن تكون بوتقة صهر للأقليات تحت عنوان وطني جامع يحافظ على ما هو مشترك بين الجميع في وقت يحافظ أيضا على ما هو مختلف.

يُحيل دور دروز فلسطين وانخراطهم في المشروع الإسرائيلي إلى العامل الذاتي للهُوية الدرزية المضطربة، فبخلاف مسلمين ومسيحيي فلسطين، خط الدروز خطا مختلفا عنهم.

أما دروز سورية ولبنان، فهويتهم الوطنية أكثر وضوحا، وما انخراطهم في مشاريع هنا أو هناك، فتبقى استثناءا، ومرتبطة بالحاضنة المحيطة، وما حالة حكمت الهجري اليوم في السويداء، إلا استثناءا لا يكسر القاعدة.

على السلطة في سورية تغيير طبيعة تعاملها مع الأقليات، ولا يكون ذلك بالاستئثار بالسلطة تحت عنوان المظلومية الُسنية، وإنما بالعمل على إقامة دولة ديمقراطية ـ ليبرالية أساسها المواطنة الكاملة.
التعليقات (0)