تونس.. مسيرة 17 أكتوبر..هل هي بداية خريف الغضب؟

كان لافتا أخذ الاتحاد العام التونسي للشغل زمام المبادرة في الدعوة وتأطير هذه المسيرة الحاشدة، بتنسيق مع المنظمات الوطنية والمجتمع المدني.
في مشهد قد ينذر بتحول نوعي في المشهد السياسي التونسي، تصاعدت مواقف قوى المجتمع المدني والقوى السياسية تجاه الوضع العام في البلاد، وضد نظام قيس سعيد بشكل غير مسبوق لا سيما لجهة الفشل الاقتصادي والاجتماعي والتدهور المتسارع في أوضاع الحريات. ومثّلت المسيرة الشعبية الحاشدة في 17 من الشهر الجاري أكتوبر، عنوانا ومؤشرا على هذا التحول النوعي الذي تشهده تونس.

أولا ـ مثّل في التقاطع غير المسبوق بين منظمات المجتمع المدني والقوى الاجتماعية من جهة والقوى السياسية من جهة أخرى، تطورا مهما في تونس لم يحصل منذ قيام الثورة في تونس بين العامين 2010 و2011، لذلك هو تطور أعطي لمسيرة منتصف أكتوبر دلالات مهمة، وجعلها تبعث برسائل واضحة، بشأن بداية التقارب، أو على الالتقاء الواضح بين المنظمات الوطنية من جهة والأحزاب السياسية من جهة أخرى. ويبدو أن هذا التطور ذا أهمية بالغة، لأنه وفي التجربة السياسية التونسية، كلما حصل نوع من التقارب والالتقاء بين القوى السياسية من جهة والمنظمات الوطنية من جهة أخرى، خاصة الاتحاد العام التونسي للشغل، كلما تشكّلت معادلة لتوازن القوة بين هذه الأطراف ونظام الحكم وفي مواجهته. وكلما حصل هذا التوازن، تكون المآلات عادة إما اضطرار السلطة للحوار والتفاوض، أو حصول تصادم بين الطرفين بأشكال مختلفة.

مثلت مسيرة 17 أكتوبر عنوان التحام الشارع السياسي والشارع المدني، بما يشبه التوافق الوطني على الحد الأدنى بين هذه القوى المختلفة من أجل التحرك في الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والسياسة للتونسيين ورفضا لسياسات السلطة.
ثانيا ـ كان لافتا أخذ الاتحاد العام التونسي للشغل زمام المبادرة في الدعوة وتأطير هذه المسيرة الحاشدة، بتنسيق مع المنظمات الوطنية والمجتمع المدني. فهذه الخطوة التي أقدمها عليها الاتحاد، دفاعا عن حق التونسيين في العيش الكريم ورفضا لتدهور الأوضاع المعيشية، ومطالبة السلطة بضرورة الجلوس لطاولة الحوار مع القوى السياسية والمدنية، وعدم انفرادها برسم الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، ودعوتها أيضا لاحترام الحريات العامة وإطلاق سراح المعتقلين.

وبهذا الموقف وما عقبه من تحرك يكون الاتحاد قد حسم موقفه، الرافض لتزكية خيارات السلطة أو تأييد مساراتها، وبالتالي مراجعة موقفه المعروف بتأييد وتفهّم مسار 25 يوليو 2021، الذي أعلنه قيس سعيد. وهو الموقف نفسه الذي تبنته أيضا جل المنظمات الوطنية آنذاك، قبل تراجعه تباعا خلال المرحلة الماضية وتنضم لمبادرة الاتحاد. لا شك أن هذا التحول في موقف المنظمات الوطنية لا سيما الاتحاد العام التونسي للشغل سيكون له ما بعده. فالاتحاد كان قد لعب دورا متقدما ورياديا في إنهاء نظام زين العابدين بن علي، عندما نظم مسيرته الحاشدة في محافظة صفاقس في 13 جانفي 2011، ثم مسيرته الحاسمة في العاصمة تونس في 14 جانفي 2011 والتي اضطر خلاله ابن علي لمغادرة تونس، لتدخل البلاد مرحلة جديدة في تاريخها.

ثالثا ـ مثلت مسيرة 17 أكتوبر عنوان التحام الشارع السياسي والشارع المدني، بما يشبه التوافق الوطني على الحد الأدنى بين هذه القوى المختلفة من أجل التحرك في الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والسياسة للتونسيين ورفضا لسياسات السلطة. ففي ساحة وطنية اكتوت بنيران الانقسام والتجاذبات والفرقة على مدى سنوات، كانت حتى قبل سنوات حكم قيس سعيد، بدا وجود المنظمات الوطنية والاجتماعية والأحزاب السياسية في ساحة احتجاج واحدة، وبشعارات جامعة، وتحت مظلة وطنية مثّلها الاتحاد العام التونسي للشغل، بدا هذا المشهد علامة على تحول حقيقي في المشهد السياسي التونسي، استبدل الانقسام بالتقارب، والتفرق بالتنسيق، والتجاذبات بالتنازلات، والاتهامات بالتفاهمات.

صحيح أنها تقاربات وتقاطعات البدايات، وهي توافقات الحد الأدنى الذي كان معدوما، غير أنها من شأنها تطلق ديناميكية تعزيز وتوسيع قد تجعلها استحقاقات الواقع ومتطلباته، والشعور بالمسؤولية الوطنية والحاجة للإنقاذ الوطني، ديناميكية غير ارتجاعية، حظوظ تطورها ونموها غالبة على مخاطر انتكاسها وتراجعها.     

رابعا ـ حمل الخطاب الذي ألقاه الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين السالمي في شارع الحبيب بورقية (شارع الثورة)، تتويجا لمسيرة منتصف أكتوبر رسائل قوية وواضحة تجاه السلطة من جهة وتجاه القوى الوطنية المعارضة لها من جهة أخرى. فقد كان الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل واضحا عندما قال مخاطبا الآلاف من الحاضرين، "نلتقي اليوم في هذه المسيرة الوطنية لأنّ الصمت لم يعد مقبولا، ولأنّ الترهيب لا يمكن أن يكون سياسة حكم، ولأنّ الوطن لا يُدار بالإقصاء، ولأنّ الدولة لا تُبنى بتجميع السلطاتِ في يدِ فردٍ واحدٍ، ولأنّ السيادة لا تصان بإغلاق الأبواب أمام الشعب وقواه الحيّة، وبإلغاء حقّه في المشاركة والتقييم والمساءلة".

واعتبر السالمي أنّ أزمة تونس اليوم هي بالأساس "أزمة التفرّد بكلّ السلط، هي أزمة خيارات سياسية خاطئة وشعبوية رعناء ومتعالية، أنتجت أسوأ ما فيها، بأن قسّمت الشعب بخطاب الحقد والكراهية والتشويه والتشكيك في كلّ شيء، وانتزعت الوطنيةَ والنزاهة والشرف بتوظيف وسائل الدولة، ممّن عبّر عن حقّه في الاختلاف"، وهو موقف يعكس حجم رفض كبرى المنظمات الوطنية ومن ورائها بقية القوى المدنية والسياسية لطبيعة وسياسات وخيارات منظومة الحكم القائمة. وكان لافتا في خطاب الاتحاد التشخيص السلبي والنقدي لأداء السلطة الحالية على جميع الأصعدة السياسية (تجريف الحياة السياسية) والاقتصادية والاجتماعية (غلاء المعيشة وفشل تنموي) وخارجيا (انكفاء دبلوماسيا واتفاقيات سرية مهدرة للسيادة ولمصالح تونس). ثم يعلن الاتحاد بأن الازمة الاقتصادية والاجتماعية لا تنفصل مطلقا عن الأزمة السياسية، بل هي أحد تداعياتها ونتائجها الواضحة.

وهو تشخيص وخلاصات تؤشر على العزم الواضح للاتحاد العام التونسي للشغل المساهمة في إيجاد مخرج لما يراه من أزمة سياسية مستفحلة، مستعيدا خبراته وتجاربه السابقة في هذا الصدد، لا سيما في مراحل الأزمات، وأنه يرفض بناء على مسيرته التاريخية أن يُختزل دوره في الملف النقابي حصرا، بينما تواجه البلاد أزمة شاملة، جوهرها الأساسي سياسي.

لا شك أن المشهد السياسي في تونس من منظور مسيرة منتصف أكتوبر، قد دخل حقبة جديدة مختلفة. حقبة تُجمع المعارضة السياسية والمنظمات الوطنية فيها على أنها أمام حصاد سلطة مطلقة برئاسة قيس سعيد، عنوانه خيبة أمل، وأمام مسؤولية وطنية مقتضاها الحاجة لخوض معركة الإنقاذ والخروج الجماعي بالبلاد من حالة التردي على جميع الأصعدة.
خامسا ـ إذا كانت مسيرة منتصف أكتوبر تأتي في سياق تراكمي لتحركات ومبادرات شهدتها تونس منذ اليوم الأول للسيطرة الكاملة لقيس سعيد على الحكم قبل خمس سنوات، وعبرت عن نفسها من خلال عناوين متعددة كان أبرزها "مواطنون ضد الانقلاب" و"جبهة الخلاص الوطني" و"تنسيقية القوى الوطنية" و"شبكة الحقوق والحريات"، فإنها كتتويج لما سبقها من تحركات تبدو مسيرة منتصف أكتوبر كإعلان انطلاق ديناميكية مختلفة للتجميع والتوافق الوطني في مواجهة السلطة.

وهو تحول عبّر عنه الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل في خطابه عندما اعتبر أن مسيرة 17 أكتوبر "تعبير عن حقيقة أساسية وهي أنّ القوى الوطنية المختلفة تستطيع أن تلتقي حين تكون مصلحة تونس فوق كلّ الحسابات الضيّقة، وحين يصبح إنقاذ البلاد مسؤولية لا يمكن لأيّ طرف أن ينهض بها منفردا. وأن الإطار التنسيقي..لن يكون إطارا ظرفيّا ينتهي بانتهاء هذه المسيرة، بل "إنّنا نؤكّد عزمنا على توسيعه وتطويره، بالانفتاح على القوى الوطنية الحيّة، التي تؤمن بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية"، وهي رسالة واضحة بأن مسيرة منتصف أكتوبر تدشن لمرحلة جديدة في المشهد السياسي التونسي، لجهة طبيعة العلاقة بين القوى الوطنية المختلفة في البلاد، وأيضا لجهة ومواقف هذه القوى الوطنية من السلطة القائمة.

لا شك أن المشهد السياسي في تونس من منظور مسيرة منتصف أكتوبر، قد دخل حقبة جديدة مختلفة. حقبة تُجمع المعارضة السياسية والمنظمات الوطنية فيها على أنها أمام حصاد سلطة مطلقة برئاسة قيس سعيد، عنوانه خيبة أمل، وأمام مسؤولية وطنية مقتضاها الحاجة لخوض معركة الإنقاذ والخروج الجماعي بالبلاد من حالة التردي على جميع الأصعدة. وبقدر ما يعكس خطاب الاتحاد عزما على مراكمة التحركات من أجل الإصلاح والتغيير، بقدر ما سيختبر هذا الموقف ويُمتحن عبر سلطة لا تؤمن بالحوار، وأمام منظومة حكم لا تعترف بالوسائط بين الدولة والمجتمع.

كثيرا ما تشهد تونس مع مفتتح كل سنة سياسة واجتماعية جديدة، حراكا اجتماعيا وسياسيا، يكتسي زخما استثنائيا، وتتصاعد فيه الاحتجاجات الشعبية والحراك السياسي، ويستحيل في الكثير من الأحيان إلى ما يشبه "خريف الغضب". إذ تواجه فيه السلطة بمطالب اجتماعية ملحة وتحسينا للمقدرة الشرائية، تواكبها دعوات للإصلاح السياسي. فهل يمكن القول إن مسيرة 17 من أكتوبر الجاري، مثّلت نقطة انطلاق خريف الغضب التونسي، أم ستراهن السلطة على احتواء زخم التحرك، والالتفاف على مطالبه؟ وهل تبدو منظومة الحكم التي تتراجع شعبيتها بشكل متسارع قادرة على سياسة الاحتواء الضبط؟ الأسابيع القادمة ستكون كفيلة بالإجابة على هذه التساؤلات، في ظل وضع إقليمي ودولي عاصف، باتت القدرة على استشراف تطوراته وتوقع مآلاته أشبه بالمهمة المستحيلة.  

*مدير المركز المغاربي للبحوث والتنمية