بعد 88 غارة.. كيف تغيرت موازين الحرب في اليمن؟

تأتي التطورات في اليمن بعد فترة من الهدوء النسبي أعقبت هدنة عام 2022- جيتي
تشهد عدة جبهات في اليمن تصعيدًا عسكريًا متسارعًا، مع اتساع رقعة المواجهات بين القوات الحكومية وجماعة أنصار الله "الحوثي" في محافظات مختلفة، بالتزامن مع تحركات ميدانية وهجمات متبادلة تعيد البلاد إلى واحدة من أعنف مراحل القتال منذ سنوات. 

وتأتي هذه التطورات بعد فترة من الهدوء النسبي أعقبت هدنة عام 2022، لتفتح الباب أمام جولة جديدة من الصراع تتجاوز حدود الجبهات اليمنية إلى الحسابات السعودية والإقليمية المرتبطة بالحرب. 

ورأى الكاتب الصحفي اليمني إبراهيم الوادعي، أن التصعيد العسكري الحالي في اليمن يأتي امتدادًا للصراع الذي بدأ عام 2015، معتبرًا أن صنعاء اختارت توقيت المواجهة الحالية قبل اكتمال الاستعدادات السعودية، وأن الرياض كانت بحاجة إلى مزيد من الوقت لترتيب قواتها في عدد من الجبهات.

وقال الوادعي لـ"عربي21" إن المشهد الحالي لا يمكن فصله عن التطورات التي أعقبت التدخل السعودي في اليمن عام 2015، وما تبعه من تشكيل التحالف العربي ثم خروج الإمارات منه، وصولًا إلى مرحلة التهدئة التي أعقبت هدنة أبريل/نيسان 2022.

وأضاف أن السنوات التي تلت الهدنة شهدت، بحسب تقديره، استمرار الضغوط الاقتصادية على صنعاء، مشيرًا إلى أن السعودية لم تلتزم ببنود الهدنة المتعلقة بمطار صنعاء، وأنها واصلت الضغط الاقتصادي بدلًا من تخفيفه.

واعتبر أن التصعيد الحالي كان متوقعًا، لكنه رأى أن صنعاء اختارت المبادرة قبل اكتمال الترتيبات السعودية، بعد أن رصدت، وفق قوله، تحركات الرياض خلال أكثر من عام لتجهيز قواتها وتسليحها.

وقال إن التصعيد بدأ بخطوات وصفها بالمدروسة، من بينها فرض حصار بحري على السعودية، بهدف دفع الرياض إلى العودة إلى طاولة المفاوضات. وأشار إلى أن المواجهة تصاعدت بعد الغارات السعودية الأخيرة، التي قال إنها بلغت، وفق ما كان متداولًا وقت المقابلة، 88 غارة، فضلًا عن استهداف مواقع ومنشآت في صنعاء.

ورأى الوادعي أن قصف مطار صنعاء شكّل عاملًا إضافيًا في زيادة التوتر، وربطه بالهجمات التي استهدفت منشآت في جيزان وأبها.

صنعاء سبقت السعودية

وقال الوادعي إن صنعاء باتت، وفق تقديره، الطرف الذي يتحكم بإيقاع التصعيد، بعدما اختارت توقيت المواجهة وكانت أكثر استعدادًا لها، بينما كانت السعودية لا تزال بحاجة إلى نحو ستة أشهر لاستكمال ترتيباتها العسكرية في بعض المناطق.

وأوضح أن الرياض أنجزت ترتيبات في جبهات مأرب وأجزاء من شبوة، إضافة إلى نشر قوات في معسكرات تابعة لما يعرف بـ"درع الوطن"، لكنها، بحسب المعلومات العسكرية التي استند إليها، لم تكن قد استكملت ترتيباتها في الجنوب والساحل الغربي.

ووصف الحديث عن خوض الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والسعودية معركة للسيطرة على صنعاء بأنه، في تقديره، أقرب إلى السجال الإعلامي منه إلى واقع عسكري مكتمل، مشيرًا إلى أن الرياض وحلفاءها يسعون إلى القضاء على جماعة أنصار الله، لكن أكثر من عشر سنوات من القتال والضغط الاقتصادي والحصار لم تحقق هذا الهدف، بحسب قوله.

وأضاف أن هذه السنوات أسهمت، من وجهة نظره، في تعزيز قدرات صنعاء، معتبرًا أن "صنعاء 2026 غير صنعاء 2015".

واستشهد الوادعي بما وصفها بالمشاهد التي أظهرت استهداف تحشيدات سعودية وقيادات ميدانية، معتبرًا أن دقة هذه العمليات تعكس تطور القدرات العسكرية لصنعاء.

وقال إن المعارك امتدت إلى أكثر من جبهة، بينها الساحل الغربي والبيضاء والجوف، معتبرًا أن العمليات التي تنفذها قوات صنعاء تعكس، بحسب تقييمه، درجة عالية من التنظيم والمرونة في إدارة العمليات العسكرية.

وأشار إلى أن الفارق بين جمع المعلومات واتخاذ القرار لدى قوات صنعاء بات، وفق تقديره، قصيرًا للغاية، فيما وصف أداء القوات التابعة للسعودية والحكومة اليمنية بأنه أقل تكاملًا.

وأضاف أن قوات صنعاء نفذت، بحسب قوله، ضربة صاروخية ومسيرة ضد تجمع لقوات موالية للسعودية في الجوف، لكنه أشار إلى أن الإعلان الرسمي عن العمليات يركز عادة على الهجمات المرتبطة بالسعودية.

العصب الاقتصادي

وفي حديثه عن استهداف منشآت شركة أرامكو السعودية، اعتبر الوادعي أن هذه العمليات تمثل إحدى أبرز مراحل التصعيد خلال السنوات الماضية، لأنها تستهدف، بحسب وصفه، "العصب الاقتصادي" للسعودية.

وقال إن الاقتصار على استهداف المنشآت الاقتصادية لن يؤدي وحده إلى حل المشكلة بين اليمن والسعودية، لكنه رأى أن ضرب مصادر القوة الاقتصادية للرياض يمكن أن يؤثر في قدرتها على مواصلة الحرب، خصوصًا في ظل اعتمادها على العائدات النفطية لتمويل مشترياتها العسكرية.

وأضاف أن استهداف أرامكو يتجاوز، من وجهة نظره، الحرب في اليمن، باعتبار أن المال السعودي حاضر، بحسب قوله، في أزمات وصراعات أخرى في المنطقة، بينها العراق وسوريا والسودان وإيران.

وتحدث الوادعي كذلك عن الدور السعودي في المنطقة، معتبرًا أن استهداف أرامكو يوجه رسالة تتجاوز السعودية إلى الإقليم، وأشار إلى ما قال إنه تراجع في أسهم أرامكو و"بترو رابغ" عقب الهجمات.

وذكر أن سهم أرامكو تراجع، وفق الأرقام التي أشار إليها خلال المقابلة، بنسبة 0.24%، فيما تراجع سهم "بترو رابغ" بنسبة 4.26%، معتبرًا أن هذه التحركات ذات أهمية بالنظر إلى حجم الشركة وقيمتها السوقية.

"فأل شؤم"

وحول التحالف الثلاثي الذي يضم تركيا وباكستان إلى جانب السعودية، قلل الوادعي من أهميته العسكرية، واعتبره "ظاهرة صوتية" لن تضيف كثيرًا إلى القدرات السعودية.

وقال إن الرياض حصلت منذ عام 2015 على مختلف أنواع الأسلحة والتكنولوجيا الغربية، متسائلًا عن الإضافة التي يمكن أن تقدمها تركيا وباكستان في هذا المجال.

وربط الوادعي التحالف الجديد بتجربة "حلف بغداد"، مشيرًا إلى أن العراق وتركيا وباكستان وإيران كانت من أبرز الدول المرتبطة بذلك الحلف الذي تأسس في خمسينيات القرن الماضي، قبل سقوط الملكية العراقية بعد فترة قصيرة.

واعتبر أن استحضار هذه التجربة يجعل التحالف الثلاثي الحالي "فأل شؤم على الرياض"، على حد تعبيره.

كما شكك في استعداد تركيا وباكستان لخوض حرب نيابة عن السعودية، مشيرًا إلى أن باكستان تواجه، بحسب وصفه، أزمة اقتصادية، وأن تركيا لديها حساباتها الخاصة.

وقال إن التصريحات التركية والباكستانية والسعودية بشأن طبيعة التحالف وأهدافه بدت، بحسب تقديره، مرتبكة، خصوصًا فيما يتعلق بتحديد العدو المشترك وأهداف التعاون العسكري.

وأضاف أن صنعاء تدرك، وفق تقديره، محدودية الإضافة التي يمكن أن يقدمها التحالف الثلاثي، معتبرًا أن التكنولوجيا الغربية والأسلحة المتطورة موجودة أصلًا لدى السعودية منذ سنوات.

الكلفة الإنسانية  

وفي الشق الإنساني، قال الوادعي إن أي تصعيد عسكري ستكون له كلفة إنسانية، لكنه رأى أن استمرار الضغوط الاقتصادية والحصار لفترة طويلة كان يمكن أن يؤدي إلى كلفة إنسانية أكبر من تلك الناجمة عن الحرب نفسها.

وأوضح أن الحروب تؤدي إلى سقوط قتلى وجرحى، لكن آثار الحصار، بحسب قوله، قد تمتد لعقود، بسبب ما يترتب عليه من أمراض ومشكلات صحية وانتشار الأوبئة والتشوهات.

وقال إن صنعاء، خلال السنوات الماضية، أظهرت قدرًا من الصبر، وفق وصفه، رغم وجود مطالب داخلية بالذهاب إلى الحرب في مراحل مختلفة، مشيرًا إلى أنها أخرت التصعيد لفترة إضافية بسبب انخراطها في دعم غزة.

ورأى أن التطورات الأخيرة أظهرت أن جميع الحلول أمام صنعاء والرياض وصلت إلى طريق مسدود، معتبرًا أن السعودية لا تزال تراهن على التطورات الدولية والإقليمية لكسر صنعاء وإبقائها ضمن نفوذها.

تراجع الدور الأمريكي

وانتقل الوادعي إلى الحديث عن التحولات الإقليمية والدولية، معتبرًا أن التطورات التي أعقبت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة تكشف، من وجهة نظره، عن تراجع تدريجي للدور الأمريكي في الشرق الأوسط.

وأشار إلى ما قال إنها تقارير لـ"رويترز" عن دراسة مشرعين أمريكيين تقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، كما تحدث عن تراجع حضور القيادة المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط.

واعتبر أن السعودية كان يمكن أن تستفيد من نتائج المواجهة في البحر الأحمر، التي قال إن القوات المسلحة اليمنية خاضتها ضد البحرية الأمريكية، باعتبارها مؤشرًا على تغير موازين القوة في المنطقة.

وقال إن عددًا من الدول باتت، بحسب وصفه، أكثر اهتمامًا بالحصول على ضمانات تتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، بدلًا من التعامل مع السعودية بوصفها القوة الإقليمية التي تستطيع فرض شروطها كما كان الحال سابقًا.

ورأى أن المنطقة تشهد تحولات كبيرة في موازين القوى، معتبرًا أن النفوذ الأمريكي والإسرائيلي يواجه تحديات متزايدة.

وأضاف أن إسرائيل، بحسب تقديره، أصبحت أضعف في مواجهة التحولات الإقليمية، وأن المشهد الحالي يتجه نحو مواجهة إقليمية مترابطة تمتد، وفق رؤيته، من اليمن إلى إيران وسوريا ولبنان وغزة والضفة الغربية.

قدرات صنعاء العسكرية

وفي تقييمه للقدرات العسكرية لجماعة أنصار الله، قال الوادعي إن الجماعة لا تزال تمتلك قدرات عسكرية كبيرة، معتبرًا أن الطرف الذي يقرر افتتاح حرب واسعة يكون قد أعد استعداداته مسبقًا.

ورأى أن السعودية لم تكن جاهزة بالكامل للمواجهة الحالية، رغم اكتمال استعداداتها في بعض المناطق، مشيرًا مجددًا إلى أنها كانت بحاجة إلى نحو ستة أشهر لاستكمال ترتيباتها في الجنوب والساحل الغربي، وفق تقديرات عسكرية قال إنه يستند إليها.

وفي المقابل، قال إن صنعاء اختارت توقيت المواجهة بعد إعداد مخزونها العسكري، مؤكدًا أن خوض حرب بهذا المستوى يتطلب امتلاك الذخائر والقدرات اللازمة مسبقًا.

وأضاف أن السنوات الأخيرة شهدت، بحسب قوله، توطينًا واسعًا للصناعة العسكرية في مناطق سيطرة صنعاء، إلى جانب تطوير القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة.

واستشهد بالعمليات التي استهدفت قيادات ميدانية، معتبرًا أنها تعكس تطورًا نوعيًا في القدرات العسكرية، كما تحدث عن امتلاك قوات صنعاء قدرة على تنفيذ هجمات صاروخية كبيرة من حيث الحجم والزخم.

وقال إن صنعاء تدرك أن الحرب الحالية ستكون حرب استنزاف، وليست مواجهة قصيرة تمتد لأيام أو أسابيع، متوقعًا أن تتطور وتتوسع في ظل التحالفات الإقليمية التي تسعى السعودية إلى بنائها.

 واعتبر الوادعي أن أداء قوات صنعاء في العمليات الأخيرة امتداد لتجارب عسكرية سابقة منذ عام 2019، مشيرًا إلى عمليات قال إنها غيرت المعادلة الميدانية في اليمن.

وقال إن تلك العمليات أظهرت قدرة على إدارة المعركة بصورة أكثر تكاملًا، من خلال التنسيق بين مختلف الأفرع العسكرية، بما في ذلك القوات الميدانية والقوات الصاروخية والقوات الخاصة.

ووصف هذا التنسيق بأنه يعمل بصورة متجانسة، معتبرًا أنه يسمح بتوفير الوقت والجهد وتحقيق نتائج أكبر مما هو متوقع في بعض الأحيان.

وأضاف أن الإمارات كانت تمتلك، بحسب تقديره، جزءًا من هذه القدرة على إدارة العمليات بصورة متكاملة، لكن خروجها من المشهد العسكري اليمني أدى إلى فقدان هذا العنصر لدى القوات المناوئة لصنعاء.

مواجهة إقليمية

وفي ختام حديثه، استبعد الوادعي وجود "نقطة عودة" بالمعنى التقليدي، معتبرًا أن المنطقة دخلت مرحلة انقسام أوسع بين معسكرين، وصف أحدهما بالمعسكر الأمريكي الإسرائيلي وحلفائه العرب، والآخر بمحور المقاومة.

ورأى أن المواجهة لم تعد مقتصرة على ساحات منفصلة، بل أصبحت مترابطة، بحيث تؤثر التطورات في لبنان أو الساحل الغربي أو غيرهما في مجمل المشهد الإقليمي.

وقال إن المرحلة المقبلة قد تشهد جولة جديدة من المواجهة على مستوى المنطقة، وربما حربًا متعددة الجبهات والأذرع بين المعسكرين.

وفي هذا السياق، اعتبر أن اليمن سيكون له دور مؤثر في أي مواجهة إقليمية مقبلة، مستندًا إلى موقعه على البحر الأحمر وباب المندب.

وقال إن صنعاء تستطيع التأثير في حركة الملاحة في البحر الأحمر من مواقعها البرية، حتى من دون السيطرة المباشرة على الممرات البحرية، مشيرًا إلى أن استخدام الصواريخ الباليستية ضد أهداف بحرية يمثل، في تقديره، تطورًا مهمًا في طبيعة المواجهة.

وأضاف أن التطورات في اليمن لا يمكن فصلها عن بقية ساحات الصراع في المنطقة، معتبرًا أن المنطقة تتجه إلى جولات جديدة من المواجهة، من دون استبعاد أن تكون هناك جولات واسعة وحاسمة.

ورأى في نهاية حديثه أن مسار المواجهة الإقليمية سيتجه، وفق رؤيته، إلى تغيرات كبيرة في موازين القوى، وأن اليمن سيكون أحد الأطراف المؤثرة في هذا المشهد بسبب موقعه الجغرافي وقدراته العسكرية.