مستشار البرهان لـ"عربي21": الإمارات جلبت المرتزقة.. ولا نطلب قوات أجنبية

اتهم الطيب الإمارات بإرسال وتمويل مرتزقة في السودان- إكس
قال أمجد فريد الطيب، مستشار رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية، في مقابلة حصرية ومطوّلة مع "عربي21"، إن الحكومة السودانية تفضل حلا سياسيا يوقف الحرب لأنه أقل كلفة على البلاد وأجدى في وقف النزيف.

وأضاف: "نحن نريد سلاما ينهي الحرب لا يجمدها، وينهي الابتزاز بالسلاح لا أن يضفي عليه شرعية، ويستعيد الدولة لا أن يقسمها، ويفتح الطريق أمام تحول مدني ديمقراطي شامل ومستدام. أما إذا تعذر ذلك فسيستمر الجيش السوداني والقوات الحكومية في أداء واجبهم في تحرير المواطنين وحمايتهم وبذل الغالي والرخيص من أجل استعادة الأمن والسيادة في كل بقعة من السودان".

وكشف الطيب أن "التطورات الميدانية الأخيرة، بما فيها استعادة القوات المسلحة للخرطوم وولاية الجزيرة وفتح طرق استراتيجية، إلى جانب تزايد الانشقاقات والاستسلامات داخل صفوف الدعم السريع، تعكس تغيرا في موازين القوة وتآكلا تدريجيا في قدرة المليشيا على مواصلة القتال"، لكنه شدّد في الوقت نفسه على أن ذلك لا يعني بالضرورة قرب النهاية الفورية للحرب. 

واتهم مستشار رئيس مجلس السيادة السوداني الإمارات بتوفير مقومات استمرار الحرب عبر السلاح والتمويل والمقاتلين واللوجستيات، لافتا إلى أن "الدعم الخارجي لم يعد مجرد عامل إضافي في النزاع، وإنما أصبح جزءا من بنيته وآلية إعادة إنتاجه".

وأضاف الطيب أن السودان لا يسعى إلى استئناف المسار السياسي الذي سبق الحرب، وإنما إلى تأسيس انتقال جديد يعالج الاختلالات التي كشفتها الحرب، وفي مقدمتها تعدد مراكز القوة المسلحة وعسكرة المجال السياسي. 

وفيما يتعلق بالبحر الأحمر، اعتبر أن "السودان يقف أمام تحول جيوسياسي يتجاوز أمن الملاحة إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي"، مُشدّدا على أهمية التحالف البحري متعدد الجنسيات الذي تقوده السعودية، وداعيا الدول التي دعمت الدولة السودانية إلى "الانتقال من المساندة السياسية إلى بناء منظومة إقليمية تحمي سيادة السودان وتمنع تحويل البحر الأحمر إلى ساحة نفوذ خارجي؛ فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذا الاصطفاف السياسي إلى استراتيجية فعلية تنهي الحرب وتحمي استقرار المنطقة".

ورأى أن "المجتمع الدولي بات أكثر معرفة بالدور الخارجي في الحرب، لكنه لم يترجم هذه المعرفة إلى ضغوط سياسية كافية على الدول التي تمكّن استمرار القتال"، مشيرا بصورة خاصة إلى بريطانيا، التي قال إنها تواجه تناقضا بين موقفها المعلن من فظائع الدعم السريع وعلاقاتها الاستراتيجية مع الإمارات، معتبرا أن "المعضلة لم تعد في نقص المعلومات، وإنما في غياب الإرادة السياسية لتحويلها إلى إجراءات رادعة".

وتاليا نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":

كيف تقرأون التطورات الأخيرة في مسار الحرب بالسودان؟ وهل تعكس تحولا استراتيجيا في موازين القوة يمكن أن يقرب من الحسم العسكري أم أن الطريق لا يزال مفتوحا أمام حل سياسي؟

بدايةً، يجب أن نضع السؤال في إطاره الصحيح: هذه ليست حربا اختارها السودانيون، وإنما حرب فُرضت عليهم. الخيار العسكري لم يكن قرار الدولة السودانية أو الحكومة في 15 نيسان/ أبريل 2023، وإنما كان خيار مليشيا الدعم السريع ومَن يقف وراءها من داعمين إقليميين؛ فقد بدأت الحرب بمحاولة انقلابية هدفت إلى ابتلاع الدولة السودانية وإعادة تشكيل السلطة بالقوة، ثم بعد فشل الانقلاب، اختارت المليشيا أن تنزلق بالبلاد إلى حرب شنتها على المجتمع والدولة بكل مقوماتها معا؛ إذ هاجمت المليشيا المواطنين في منازلهم، ونهبت ممتلكاتهم، وانتهكت أعراضهم، وطردتهم منها، واستباحت المدن لتتسبب في أكبر كارثة نزوح في العالم، وانتهكت سيادة البلاد عبر استجلاب المقاتلين الأجانب والاعتماد على الدعم الإماراتي الخارجي سياسيا وعسكريا وماديا. 

ولذلك، فإن ما تعرّض له السودان لم يكن مجرد صراع على السلطة بين طرفين مسلحين، كما يحاول بعض مرتزقة السياسة تصويره، بل هجوما على مقومات الدولة الثلاثة: الشعب، والأرض، ومؤسسات الحكم والسيادة.

وهنا، فإن القوات المسلحة والقوات الحكومية الأخرى والمقاومة الشعبية لا تخوض حربا من أجل فرض خيار سياسي على السودانيين، وإنما تؤدي الوظيفة الأساسية التي نشأت من أجلها الجيوش في كل بلدان: الدفاع عن الدولة وحماية مواطنيها وصيانة وحدة أراضيها.

ولهذا، فإن اختزال الحرب في ثنائية الحل العسكري والحل السياسي يحمل افتراضا مضللا؛ لأنه يوحي بأن الدولة اختارت الحرب بديلا عن السياسة، بينما الحقيقة أن الدولة وجدت نفسها أمام هجمة مسلحة عليها لابتلاعها ثم لابتزازها وإسقاط مؤسساتها وفرض واقع سياسي على البلاد يخضع فيه السودانيون لمليشيا "آل دقلو" وأطماع "أبناء زايد"، وكان عليها أن تدافع عن وجودها.

أما الحديث المتكرر عن أن "لا نهاية عسكرية ممكنة لهذا النزاع"، والذي تردده كثير من دوائر المجتمع الدولي عن الحرب في السودان، فيحتاج إلى قدر من التدقيق. التجربة القريبة في التاريخ نفسها أثبتت عدم صحته؛ فقد استعادت القوات المسلحة الخرطوم عسكريا، وطردت مليشيا الدعم السريع من ولاية الجزيرة عسكريا، كما أعادت وأمّنت فتح الطريق الاستراتيجي بين أم درمان وبارا والأبيض عسكريا.

هذه ليست تفاصيل ميدانية هامشية، وإنما مؤشرات على أن معطيات الحرب تتغير عسكريا. هذا معطى واقعي أثبتته التجربة، لكن إثبات إمكانية الحسم العسكري لا يعني أن الحسم العسكري هو بالضرورة الخيار الذي نفضله. 

السودان يدفع ثمنا هائلا لهذه الحرب: اقتصاديا، واجتماعيا، وإنسانيا، وعسكريا، ووطنيا، خصوصا أن القاتل والمقتول في هذه المعارك سوداني - ما عدا المرتزقة الأجانب الذين تستأجرهم الإمارات للقتال في صفوف المليشيا بالطبع -، هذه مأساة صنعتها أيادي الخارج ويدفع المجتمع كله ثمنها.

ولذلك، فإن الحكومة السودانية تفضل، من حيث المبدأ، حلا سياسيا يوقف الحرب لأنه أقل كلفة على البلاد وأجدى في وقف النزيف وفتح الطريق أمام إعادة بناء الدولة، ولكن هذا بدوره لا يعني الخضوع للابتزاز ولا الاستسلام للخيار الذي تفرضه المليشيا بالسلاح. نحن لا نقاتل لأننا نريد الحرب، ولكننا أيضا لا نقبل أن تتحول الرغبة في إنهائها إلى أداة لابتزاز الحكومة والشعب لاقتسام السلطة مع مجرمين ومرتزقة ومكافأة من ارتكب الفظائع ضد السودانيين أو دعم ذلك.

إلى أي مدى تعكس الانشقاقات والاستسلامات المتزايدة داخل صفوف "الدعم السريع" تآكل قدرتها العسكرية وتماسكها الداخلي؟

الانشقاقات والاستسلامات المتزايدة داخل صفوف الدعم السريع، إذا استمرت واتسعت، يمكن أن تكون مؤشرا مهما على تآكل تماسك المليشيا وقدرتها على الاستمرار، لكنها لا تكفي وحدها للقول إن الحرب دخلت نهايتها.

كل منشق عن المليشيا يضعف قوتها وقدرتها على استمرار ارتكاب الانتهاكات والجرائم ضد السودانيين، ولكن يبقى الدعم الخارجي والأجندة التي تدفع بها بعض الدول الصغيرة في المنطقة لزعزعة الاستقرار خدمة لمصالحها، هي المحرك الأكبر لاستمرار هذه الحرب.

ولهذا، فإن الحل السياسي الذي تريده الحكومة السودانية ليس تسوية تعيد إنتاج أسباب الحرب، ولا صفقة تمنح المليشيا شرعية سياسية مقابل توقف مؤقت للقتال. الحل السياسي المطلوب هو الذي يُنهي استخدام السلاح في السياسة كوسيلة لابتزاز السودانيين، ويحرر القرار السوداني من الارتهان للأجندات الخارجية، ويصون سيادة السودان وأمن المواطنين في جميع أنحاء البلاد، ويضع حدا للوجود المؤسسي والعسكري لمليشيا الدعم السريع؛ فالسلام الذي يبقي السلاح الذي أشعل الحرب قائما وموجودا داخل بنية الدولة ليس سلاما، وإنما هدنة مؤجلة لحرب أخرى.

ومن هنا، فإن تفكيك البنية العسكرية والمؤسسية للمليشيا ليس نقيضا للحل السياسي، بل هو شرط أساسي لإمكانيته. لا يمكن بناء انتقال مدني ديمقراطي مستقر مع وجود مسلح مستقل عن السلطة الحاكمة، ولا يمكن أن تنشأ ديمقراطية راسخة بينما يحتفظ فاعل مسلح مستقل بقدرته على فرض إرادته السياسية بقوة السلاح. إن الدولة الديمقراطية لا تقوم فقط على صناديق الاقتراع؛ بل تحتاج أولا إلى احتكار مشروع ومنضبط للقوة، وإلى مؤسسات وطنية تخضع للسلطة المدنية والقانون.

ولهذا، أعتقد أن الحرب تقترب من مرحلة إعادة تشكيل موازين القوة، وليس بالضرورة من نهايتها الفورية. ما نشهده من تطورات ميدانية ومن حالات انشقاق واستسلام يمكن أن يكون جزءا من مسار استنزاف وتفكك تدريجي لقدرة المليشيا، لكن إعلان الحسم يحتاج إلى مؤشرات أعمق وأكثر ثباتا. وفي المقابل، فإن الاعتقاد بأن الحرب لا يمكن أن تُحسم عسكريا يتجاهل ما حدث بالفعل على الأرض.

الخيار الذي نفضله هو السلام، لكن ليس أي سلام؛ نريد سلاما ينهي الحرب لا يجمدها، وينهي الابتزاز بالسلاح لا أن يضفي عليه شرعية، ويستعيد الدولة لا أن يقسمها، ويفتح الطريق أمام تحول مدني ديمقراطي شامل ومستدام. أما إذا تعذر الوصول إلى هذا السلام، فإن مسؤولية الدولة لا تتغير: سيستمر الجيش السوداني والقوات الحكومية في أداء واجبها في تحرير المواطنين وحمايتهم وبذل الغالي والرخيص من أجل استعادة الأمن والسيادة في كل بقعة من السودان، من نيالا والفاشر والجنينة والضعين إلى آخر مدينة وقرية في بلادنا الحبيبة.

الحكومة السودانية تتحدث عن تصاعد الدعم الخارجي لمليشيا الدعم السريع بما في ذلك تدفق السلاح والمقاتلين الأجانب.. إلى أي مدى غيّر هذا الدعم طبيعة الحرب وحوّلها إلى نزاع ذي أبعاد إقليمية؟

الحديث عن الدعم الخارجي بوصفه عاملا طارئا على هذه الحرب هو، في تقديري، خطأ في التوصيف قبل أن يكون خطأ في التقدير؛ فالدعم الخارجي ليس ما غيّر طبيعة هذه الحرب فحسب؛ بل هو أحد أسبابها وأحد عوامل تمكين وقدرة مليشيا الدعم السريع على الاستمرار فيها. ولذلك، فإن السؤال الأدق ليس: متى تحولت الحرب إلى نزاع إقليمي؟، وإنما: هل كانت الحرب قابلة للاستمرار بهذا الشكل وبهذه الكثافة لولا البنية الإقليمية التي تمدها بالسلاح والمال والمقاتلين واللوجستيات؟


دعوني أضع الأمر في صيغته الأولية. المليشيا لا تملك اقتصادا متكاملا، ولا صناعة عسكرية، ولا تنتج السلاح الذي تعتمد عليه. هي تطلق ما لا تصنع، وتستنزف موارد لا تملكها، وتعتمد في جانب مهم من قدرتها القتالية على شبكات تمويل وتسليح وتجنيد ومرتزقة تتجاوز الحدود السودانية. هذه هيكلة لبنية قوة تعتمد على مصدر خارجي وتخدم أجندته: كيان يستهلك أكثر مما ينتج، ويعتمد على موارد خارجية لإعادة إنتاج قدرته على القتال.

ولعل التاريخ السياسي يقدم لنا مثالا بالغ الدلالة. حرب الثلاثين عاما في أوروبا لم تبدأ بوصفها حربا أوروبية شاملة؛ فقد انطلقت من صراع ديني وسياسي داخل الإمبراطورية الرومانية المقدسة، لكن سرعان ما أصبحت القوى الخارجية جزءا من بنيتها: السويد وفرنسا وغيرها دخلت الحرب، ليس لأن جذورها كانت داخلية لديها، وإنما لأن موازين القوة والمصالح الأوروبية جعلت استمرار الصراع جزءا من حساباتها. وهكذا لم يعد ممكنا فهم الحرب باعتبارها مجرد نزاع بين الأطراف التي أطلقت شرارتها الأولى، والأهم أن تسوية وستفاليا (ألمانيا) لم تكن مجرد اتفاق على وقف القتال بين المتحاربين، وإنما إعادة ترتيب أوسع للعلاقات السياسية التي جعلت الحرب قابلة للاستمرار.

والدرس هنا ليس أن حرب السودان هي حرب الثلاثين عاما؛ بل إن التاريخ يوضح شيئا أكثر عمقا: عندما تصبح القوى الخارجية جزءا من آلية إعادة إنتاج الحرب، فإن التدخل الخارجي لا يعود "عاملا إضافيا" يمكن عزله عن الصراع، بل يصبح جزءا من بنية الصراع نفسه.

ومن هنا، فإن السؤال المعتاد: متى تحولت الحرب إلى نزاع إقليمي؟، يقلب التسلسل رأسا على عقب.

الحرب لم تتحول ببساطة إلى إقليمية؛ بل إن أحد أوجهها البنيوية كان إقليميا منذ البداية، ثم جرى التعامل معها طويلا باعتبارها حربا سودانية داخلية ذات امتدادات خارجية. الأبعاد الإقليمية ليست مجرد نتيجة تراكمت لاحقا؛ إنها شبكة من المصالح والممرات والتمويلات والقدرات التي أسهمت في تحديد قدرة الحرب على الاستمرار بعد اندلاعها. وعلاقة مليشيا الدعم السريع مع نظام "أولاد زايد" في الإمارات ليست جديدة ولا طارئة، بل إن المليشيا أصبحت إحدى أدواتها الاقتصادية والعسكرية في الإقليم والسودان منذ زمن بعيد.

وهنا يجب أن نكون دقيقين. هذا لا يعني أن الحرب ليست سودانية، أو أن جذورها الداخلية يمكن اختزالها في مؤامرة خارجية، لكن الجذور السودانية لا تنفي البنية الإقليمية، ولا تبرر التدخل الذي يطيل أمد الحرب ويزيد من ضراوتها، وهو التدخل الذي أعاد تشكيل الصراع ومكّن المليشيا من تعويض خسائرها المستمرة بمصادر قوة خارجية.

وبالتالي، فإن المسألة ليست مجرد "مساندة لطرف في الحرب". نحن أمام منظومة إقليمية لإعادة إنتاج القدرة على الحرب، وقد أصبحت الأدلة على هذا البعد أكثر من خطاب الحكومة السودانية الرسمي؛ فقد وثقت منظمة العفو الدولية وصول أسلحة صينية متطورة إلى الدعم السريع، وخلصت إلى وجود أدلة على إعادة تصدير بعض هذه الأسلحة عبر الإمارات إلى السودان، في انتهاك لحظر الأسلحة المفروض على دارفور.

كما وثقت هيومن رايتس ووتش وصول معدات عسكرية إلى الدعم السريع كانت قد بيعت أصلا للقوات المسلحة الإماراتية. ولم يعد الأمر مقتصرا على السلاح؛ فقد وثقت تحقيقات حديثة لمنظمات حقوقية ومؤسسات صحفية تجنيد مقاتلين أجانب، بينهم أعداد كبيرة من الكولومبيين، عبر شبكات إقليمية مرتبطة بالتدريب والنقل إلى مسارح العمليات في السودان، وتم تجنيدهم عبر شركة أمنية مرتبطة بالنظام الحاكم في الإمارات.

ومن هنا أيضا يمكن فهم لماذا لم يؤدِّ تغير ميزان القوة العسكري بالضرورة إلى نهاية الحرب؛ فالحروب تُحسم عندما يصبح أحد الأطراف غير قادر على إعادة إنتاج قدرته على القتال، وإذا كان السلاح والمقاتلون والتمويل واللوجستيات يمكن تعويضها من الخارج، فإن الاستنزاف الداخلي يفقد جزءا من قدرته على فرض النهاية. الدعم الخارجي لا يغير فقط ميزان القوة؛ بل يغير الزمن الذي تحتاجه الحرب كي تنتهي.

ما الخطوات التي تتخذها الدولة السودانية دبلوماسيا وقانونيا لوقف شبكات التسليح والتمويل والدعم الخارجي؟

مسؤولية الدولة دبلوماسيا وقانونيا ليست الاكتفاء بإدانة الدعم الخارجي، وإنما تفكيك البنية التي تنتجه، وهذا يعني الانتقال من دبلوماسية الشكوى إلى دبلوماسية الأدلة: تحديد مصدر كل شحنة، ومسار كل رحلة، والشركات والوسطاء المشاركين، وحسابات التمويل، وشبكات شراء الذهب، وممرات النقل، ومراكز التدريب والتجنيد، ثم تحويل هذه المعلومات إلى ملفات قابلة للاستخدام أمام مجلس الأمن، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، والجهات المختصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الحرب.

وقد تحرك السودان بالفعل في هذا الاتجاه؛ فقد رفع ملف الدعم الخارجي إلى مجلس الأمن، وقدم وثائق تتعلق بالدعم الإماراتي لمليشيا الدعم السريع، كما لجأ إلى محكمة العدل الدولية في آذار/ مارس 2025 ضد الإمارات بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية. ومن الضروري هنا الحفاظ على الدقة القانونية: المحكمة لم تفصل في جوهر الاتهامات المتعلقة بالدعم، وإنما رفضت طلب التدابير المؤقتة وشطبت القضية من قائمتها بسبب مسألة الاختصاص المرتبطة بتحفظ الإمارات على المادة التاسعة من الاتفاقية. أي بمعنى أدق، فإن الإمارات هربت من المواجهة القانونية ولم يتم تبرئتها.

وفي المسار نفسه، تعمل الحكومة السودانية على بناء ملف قانوني أوسع يستهدف ليس فقط الدول، وإنما الشبكات: تجار السلاح، وشركات النقل، والوسطاء الماليون، وشبكات الذهب، والمجندون، والشركات التي توفر الخدمات العسكرية واللوجستية. وهذه النقلة ضرورية، لأنها تكشف شبكة الفاعلين التي تأتي الإمارات على رأسها، لكن قدرتها العملية على إطالة أمد الحرب تمر عبر عشرات العقد الوسيطة التي يجب تفكيكها.

والهدف الدبلوماسي والقانوني هو رفع تكلفة الحرب خارج السودان بقدر ما يجري رفعها داخل السودان، أي جعل تمويل الحرب وتسليحها ونقلها وتجنيد مقاتليها نشاطا عالي المخاطر سياسيا وقانونيا وماليا على كل من يشارك فيه، وذلك هو ما سيساهم في إنهائها بشكل أسرع.

فلا يكفي أن تسأل مَن يحمل السلاح؛ عليك أن تسأل من يجعل حمل السلاح ممكنا، ومَن يدفع ثمنه، ومَن يضمن وصوله، ومَن يستفيد من استمرار القتال؛ فحين تتعطل هذه الشبكة، يتغير ميزان الحرب حتى قبل أن تتغير خطوط الجبهة. السلام لا يمكن أن يقوم على وقف إطلاق النار وحده. وقف النار من دون تجفيف مصادر القوة التي تعيد إنتاج القتال قد يكون مجرد هدنة بين جولتين. كما أن أي تسوية سياسية ستظل هشة إذا ظل أحد الأطراف قادرا على إعادة بناء قدرته العسكرية من خارج الحدود.

ومن هذه الزاوية، فإن تجفيف شبكات التسليح والتمويل ليس إجراءً مكملا لعملية السلام؛ بل هو أحد شروطها الابتدائية؛ فحين يُغلق الخارج الذي يعيد إنتاج الحرب، يعود الصراع تدريجيا إلى محدداته الداخلية؛ وحينها فقط يصبح القرار السوداني الداخلي أكثر قدرة على إنهاء الحرب وصناعة السلام.

مع كل هذه الأدلة على التورط الخارجي، لماذا لا يتحرك المجتمع الدولي لوقفه، وقد شهدت الفترة الأخيرة تحركا دبلوماسيا سودانيا نشطا على المستوى الدولي والإقليمي؟

يكشف مشهد الحرب في السودان عن أن المشكلة لم تعد في نقص الأدلة، وإنما في الفجوة بين المعرفة السياسية بالفعل الخارجي وبين الإرادة السياسية لتحويل هذه المعرفة إلى كلفة على مَن يمكّن الحرب. والأدق أن نقول إن المجتمع الدولي أصبح أكثر معرفةً بالدور الخارجي في الحرب، لكنه لم يصبح، بالقدر نفسه، أكثر استعدادا لمواجهة الدول التي تقف وراءه، وهذا هو جوهر المعضلة.

وتقدم بريطانيا المثال الأكثر وضوحا على هذه الازدواجية، بحكم أنها حاملة القلم بشأن السودان في مجلس الأمن، أي الدولة التي تقود صياغة مواقف المجلس ومشاوراته حول الملف، وفي الوقت نفسه ترتبط بعلاقة استراتيجية وأمنية واقتصادية وثيقة مع الإمارات، وهي المحرك الأساسي للحرب؛ ففي العلن، تتحدث لندن بوضوح متزايد عن فظائع الدعم السريع، وتقول إن تدفق الأسلحة إلى السودان يجب أن يتوقف. وفي شباط/ فبراير 2026، قالت الحكومة البريطانية أمام مجلس حقوق الإنسان إن نتائج بعثة تقصي الحقائق بشأن الفاشر تحمل "سمات الإبادة الجماعية"، وإن تدفق الأسلحة إلى السودان يجب أن يتوقف، لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من الخطاب إلى مصدر السلاح وشبكات تمكين المليشيا التي تغذيها وتحميها بريطانيا نفسها.

ففي حزيران/ يونيو 2024، كشفت تقارير صحفية بريطانية عن اتهامات بأن مسؤولين في الخارجية البريطانية ضغطوا على دبلوماسيين أفارقة في لندن لتجنب انتقاد الإمارات بشأن دورها في تسليح الدعم السريع. هذه ليست مجرد رواية سودانية؛ فقد نشرت صحيفة الغارديان التحقيق، وأشارت إلى أن مسؤولين بريطانيين سعوا إلى الحد من الانتقادات الموجهة إلى أبوظبي في أوساط الدبلوماسيين الأفارقة، في الوقت الذي كانت فيه الأدلة على الدعم الإماراتي للمليشيا تتراكم. وكما كشفت الصحيفة نفسها، فإن بريطانيا قامت بتخفيف حدة التحذيرات بشأن حجم الجرائم التي يمكن أن تقع في الفاشر في حالة اجتياح مليشيا الدعم السريع للمدينة.

والأكثر دلالة أن هذه الاتهامات لم تعد تقف عند حدود سلوك دبلوماسي تجاه دولة ثالثة، بل ترتبط الآن بشهادات قُدمت داخل البرلمان البريطاني نفسه. ففي 23 حزيران/ يونيو 2026، أدلى ناثانيل ريموند، المدير التنفيذي لمختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل، بشهادة أمام لجنة التنمية الدولية في مجلس العموم، وقال بصورة صريحة إنه يقف وراء تقييمه بأن وزارة الخارجية البريطانية أعطت العلاقة الاستراتيجية مع الإمارات أولوية على منع الفظائع الجماعية في الفاشر، وقال ردا على سؤال رئيس اللجنة عما إذا كان ذلك يعني أن الخارجية البريطانية اختارت العلاقة مع الإمارات على مواجهة الفظائع: 100%.

والأهم من الاتهام نفسه هو تفاصيل الشهادة. قال ريموند إن بريطانيا كانت تملك معلومات استخبارية عن خطر إبادة وشيك في الفاشر، لكنها لم تصدر التحذير السياسي الصريح الذي كان يمكن أن يردع الهجوم. وأكد أنه حذّر كبار موظفي وزير الخارجية آنذاك ديفيد لامي من أن خطر سقوط زمزم كان "واضحا ووشيكا"، ومع ذلك لم يصدر تحذير بريطاني علني قبل سقوط المخيم. ثم قال إن "الدبوس" الذي كان ينبغي نزعه من آلة الهجوم كان الإمارات، باعتبارها، وفق تقييمه، مصدر الطائرات المسيّرة المتقدمة وأنظمة المدفعية والقيادة والسيطرة والحرب الإلكترونية والمرتزقة التي مكّنت هجوم الدعم السريع.

ولم يكتفِ ريموند بذلك؛ فقد قال إن دبلوماسيين من دول أخرى أعضاء في مجلس الأمن والأمم المتحدة كانوا يتحدثون عن ضغط إماراتي على لندن، وإن مسؤولي الخارجية البريطانية أقروا أمامه بأن الضغط كان "كبيرا"، وإن السياق شمل العلاقات الأمنية والاقتصادية الوثيقة بين بريطانيا والإمارات.

وهنا تتضح المفارقة بصورة أشد: بريطانيا كانت تعلم أن خطر تحويل الأسلحة إلى ساحات النزاع يمثل سببا جوهريا لرفض تراخيص السلاح للإمارات؛ ففي شهادة حكومية أمام البرلمان، أوضحت الحكومة أنها لا تمنح الترخيص عندما تكون هناك مخاطر غير مقبولة من إعادة التصدير أو التحويل إلى مستخدم نهائي محظور، وأنها سبق أن رفضت تراخيص للإمارات تحديدا بسبب مخاطر التحويل. وفي كانون الأول/ ديسمبر 2025، أكد وزير بريطاني أمام مجلس العموم أن الحكومة سبق أن رفضت تراخيص للإمارات بسبب خطر التحويل.


لكن بعد أن بدأت الأدلة على وصول معدات مرتبطة بالصناعة العسكرية البريطانية إلى مواقع الدعم السريع في السودان، لم تتوقف التراخيص، بل تواصلت وازدادت؛ فقد كشفت البيانات الرسمية أن بريطانيا رخّصت للإمارات معدات عسكرية بقيمة 182 مليون جنيه إسترليني في الربع الأخير من 2024، ثم نحو 172 مليون جنيه إسترليني بين نيسان/ أبريل وحزيران/ يونيو 2025. وكل هذا حدث بعد ثبوت أن الإمارات تواصل تسليح المليشيا، والأهم أن التراخيص التي أصدرتها الحكومة البريطانية منذ تولي الحكومة الحالية السلطة في تموز/ يوليو 2024 بلغت، وفق تحليل منظمة العفو الدولية لبيانات التجارة الرسمية، نحو 377 مليون جنيه إسترليني، وتشمل فئات من المعدات مثل الطائرات والمروحيات والمركبات العسكرية والذخائر والقنابل والصواريخ وأنظمة الاستحواذ على الأهداف، فضلا عن الطائرات المسيّرة.

كما أُصدرت ما لا يقل عن 20 رخصة مفتوحة لا تُنشر قيمتها في الإحصاءات بالطريقة نفسها، بحسب العفو الدولية. والخطورة أن نظام الرخص المفتوحة يخلق مساحة أكبر وأقل شفافية لتدفقات متكررة، بينما لا تظهر قيم تلك التراخيص في الإحصاءات العامة بالطريقة نفسها، وهذا بالضبط ما يجعل مسألة إعادة التصدير والتحويل عبر الإمارات أكثر إشكالا.

وهذه النقطة شديدة الأهمية، لأن المسيّرات تحديدا أصبحت أحد أهم أسلحة الحرب في السودان، وبريطانيا نفسها تعرب في مجلس الأمن عن قلقها من استخدامها ضد المدنيين؛ فالتقرير البريطاني الرسمي عن الوضع الأمني في السودان يقر بأن أكثر من ألف مدني قُتلوا بضربات مسيّرة بين كانون الثاني/ يناير وأيار/ مايو 2026، بينما تؤكد لندن في بياناتها الدولية ضرورة وقف تدفق الأسلحة إلى السودان. وفي شهادة ريموند أمام البرلمان في حزيران/ يونيو 2026، قال إن نمط الهجوم الرئيسي للدعم السريع في الوقت الراهن هو المسيّرات الانتحارية والمسيّرات ثابتة الجناح المرتبطة بالدعم الإماراتي.

وتزداد المفارقة حدة لأن الأدلة الميدانية على وجود معدات بريطانية مرتبطة بالإمارات في مناطق كانت تحت سيطرة الدعم السريع ظهرت في وثائق قُدمت إلى مجلس الأمن في حزيران/ يونيو 2024 وآذار/ مارس 2025. وشملت الأدلة أجهزة تدريب واستهداف للأسلحة الخفيفة من شركة بريطانية، ومحركات بريطانية مستخدمة في ناقلات مدرعة إماراتية من طراز Nimr. وقد نشرت الغارديان تفاصيل هذه الأدلة، مشيرة إلى أن المعدات كانت قد وصلت أصلا إلى الإمارات بموجب تراخيص بريطانية، ومع ذلك استمرت التراخيص، بما في ذلك تراخيص مفتوحة، بعد ظهور هذه الأدلة.

هذه هي النقطة التي تجعل المسألة تتجاوز مجرد "اختلاف في تقييم الأدلة". إذا كانت بريطانيا قد رفضت في السابق تراخيص للإمارات بسبب خطر التحويل، ثم ظهرت أدلة ميدانية ووثائق مرفوعة إلى مجلس الأمن عن وصول معدات بريطانية الصنع إلى مناطق الدعم السريع، ثم استمرت بريطانيا في منح تراخيص جديدة للإمارات تشمل فئات عسكرية متقدمة، بينها معدات مرتبطة بالطائرات المسيّرة، التي تبدي قلقها منها، فإن السؤال لم يعد: هل كانت لندن تعلم؟ بل: لماذا لم يتحول علمها هذا إلى سياسة لمنع المخاطر؟

وتزداد أهمية ذلك بعد شهادة ريموند، لأن ما طرحه لا يتعلق فقط بالسلاح، وإنما بآلية اتخاذ القرار نفسها بشأن ما يحدث في السودان؛ فهو يقول إن بريطانيا كانت أمام أربع خطوات كان يمكن أن تتخذها لمنع كارثة الفاشر: إعلان أن خطر الإبادة وشيك، وتسمية الإمارات باعتبارها الممكّن العسكري الرئيسي، وبناء تحالف دولي للوقاية من الفظائع، ثم استخدام موقع بريطانيا في مجلس الأمن. ويرى أن لندن أخفقت خصوصا في الخطوتين الأوليين، وهذه الشهادة تتقاطع بصورة لافتة مع التقارير التي تحدثت عن محاولة تخفيف الانتقادات للإمارات في لندن وعن عدم إصدار تحذيرات سياسية تتناسب مع مستوى الخطر، وهو ما يحول هذا الفشل من مجرد إخفاق إلى تواطؤ متعمد.

وهذا يقود إلى مسألة الفاشر تحديدا؛ فبدلا من أن تتحول التحذيرات المبكرة إلى ضغط سياسي على الداعم الخارجي للهجوم، ظل الخطاب البريطاني لفترة طويلة يدور حول الصيغة العامة: على "طرفي الحرب" حماية المدنيين ووقف القتال والسماح بالمساعدات، بينما كان ريموند يقول إن المطلوب كان تحديد الخطر الوشيك وتسمية الجهة التي توفر الأدوات التي تجعل وقوعه ممكنا. وفي حزيران/ يونيو 2026، وبعد وقوع الكارثة، أقرت الحكومة البريطانية نفسها بأن بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة وجدت أن العنف في الفاشر يحمل سمات الإبادة الجماعية.

إذن، هل تغير موقف المجتمع الدولي؟ نعم، لكن بصورة غير مكتملة. التغيير الحقيقي هو أن الرواية الدولية لم تعد تستطيع بسهولة تقديم الحرب باعتبارها مجرد صراع داخلي بين طرفين متساويين، وأصبح التدخل الخارجي جزءا من النقاش الرسمي، وأصبح الدعم الإماراتي للدعم السريع حاضرا في النقاش، كما أصبحت الفظائع التي ترتكبها المليشيا موصوفة رسميا من مؤسسات أممية وبريطانية
بأنها تحمل سمات الإبادة الجماعية. 

لكن التغيير في الخطاب لم يتحول بعد إلى تغيير مماثل في السياسات؛ فلا تزال مبيعات الأسلحة تتدفق
إلى الإمارات، ولا تزال قنوات السلاح والتعاون الدفاعي قائمة، ولا تزال الأدوات الأكثر حساسية ــ العقوبات على شبكات التمويل، والضغط على قنوات الإمداد، وتقييد تصدير السلاح إلى الدول الوسيطة، ومحاسبة الميسّرين الخارجيين ــ أقل بكثير من مستوى الأدلة المتاحة.

المجتمع الدولي لا يفتقر إلى المعلومات ولا إلى أدوات الضغط؛ ما ينقصه هو الإرادة السياسية واستعداد بعض القوى المؤثرة لتحمل الكلفة السياسية لممارسة الضغط على حلفائها للقيام بما هو صحيح. ولذلك، فإن السؤال الحاسم لم يعد: هل يعرف المجتمع الدولي من يغذي الحرب؟ لقد أصبح يعرف. السؤال هو: ماذا سيفعل العالم إزاء ذلك؟ ومن الواضح أن بريطانيا، على الأقل، اختارت ألا تفعل شيئا.

على صعيد آخر، ما الذي يحدث إقليميا حول البحر الأحمر؟ وما موقع السودان في هذا التحول الجيوسياسي؟

ما يحدث في البحر الأحمر اليوم يتجاوز مسألة أمن الملاحة بالمعنى الضيق. نحن أمام إعادة تشكّل للنظام الإقليمي حول البحر الأحمر وخليج عدن، في لحظة تتقاطع فيها الحرب في السودان مع التنافس على الموانئ، وأمن الطاقة والتجارة، والتحولات في القرن الأفريقي، والصراع على النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، ومغامرات الدول الصغيرة التي تراهن على عدم الاستقرار لبناء نفوذها الإقليمي ومشاريعها دون الإمبريالية. ولذلك، فإن السودان في هذه اللحظة لا ينظر إلى البحر الأحمر باعتباره مجرد ممر مائي مجاور، وإنما باعتباره جزءا من أمنه الوطني ومجاله الاستراتيجي وموقعه الطبيعي في النظام الإقليمي.

وهذا ما يجعل التطور الأخير في الرياض مهما للغاية؛ ففي 30 تموز/ يوليو 2026، وقعت 14 دولة إعلان إنشاء تحالف متعدد الجنسيات للدفاع والأمن البحري في البحر الأحمر وخليج عدن، بقيادة السعودية، وبمشاركة السودان ومصر وتركيا وباكستان والأردن وقطر والكويت والبحرين واليمن وبنغلاديش ونيجيريا وجيبوتي والصومال. كما شاركت وفود من 43 دولة من أصل 51 دولة وجهة مدعوة.

والسودان ليس دولة هامشية في معادلة البحر الأحمر؛ هو أحد الدول المؤسسة جغرافيا وأمنيا لهذه المعادلة. لديه أطول ساحل عربي-أفريقي تقريبا على البحر الأحمر، وصاحب ثاني أكبر منطقة تجارية خالصة في البحر الأحمر بعد السعودية، وميناء بورتسودان يمثل نقطة استراتيجية بين قناة السويس وباب المندب، كما أن استقرار السودان يرتبط مباشرة بأمن مصر والسعودية والقرن الأفريقي وحركة التجارة عبر البحر الأحمر.

لذلك، فإن ما يحدث الآن يمكن قراءته باعتباره انتقالا من مرحلة كان فيها البحر الأحمر ساحة نفوذ مفتوحة للقوى الخارجية إلى محاولة من دول الإقليم لإعادة بناء قدرة جماعية على حماية هذا المجال.

وهذا يتصل مباشرة بضرورة انتقال السودان من مفهوم "الأمن المستورد" إلى الأمن الإقليمي الذي تصنعه دول المنطقة نفسها؛ فلسنوات طويلة جرى خلالها التعامل مع البحر الأحمر باعتباره ممرا استراتيجيا للقوى الكبرى، بينما كانت دوله المطلة عليه تفتقر إلى إطار جماعي فعال لإدارة أمنه والاستفادة من موارده. لكن بالنسبة إلى السودان، لهذا التطور بُعد آخر أكثر مباشرة: الحرب نفسها أصبحت جزءا من صراع البحر الأحمر، إذا لم يكن، بالأصح، أن التنافس على شواطئه كان أحد أسباب اشتعال الحرب بسبب مطامع الإمارات فيها.

وكما أن الدعم الخارجي لمليشيا الدعم السريع لم يكن منفصلا عن الجغرافيا الإقليمية؛ فشبكات السلاح والتمويل والإمداد التي غذّت الحرب امتدت عبر دول وممرات إقليمية، بينما ارتبط الصراع على السودان بمصالح في الذهب والموانئ والزراعة والنقل والبحر الأحمر، وهذا يعني أن الدفاع عن استقرار الدولة السودانية ليس قضية سودانية داخلية فقط؛ إنه أيضا دفاع عن استقرار النظام الإقليمي للبحر الأحمر.

وهنا يظهر الفرق بين الدول التي اختارت دعم الدولة السودانية وبين القوى التي تعاملت مع الحرب باعتبارها فرصة لإعادة توزيع النفوذ.

السعودية، ومصر، وتركيا، وقطر، وباكستان، والأردن، إلى جانب دول البحر الأحمر والقرن الأفريقي التي شاركت في التحالف الجديد، تمثل اليوم كتلة إقليمية يمكن أن يكون لها تأثير أكبر بكثير إذا تحولت مواقفها السياسية إلى قدرة استراتيجية مشتركة. وليس المقصود بالدعم أن تكون هذه الدول أطرافا في الحرب، وإنما أن تدافع بوضوح عن المبادئ التي تجعل الاستقرار ممكنا: وحدة السودان، وسيادته، وسلامة أراضيه، ومؤسسات الدولة، ورفض إنشاء سلطة موازية بواسطة قوة عسكرية مدعومة من الخارج.

وهذا مهم جدا؛ لأن الدفاع عن الشرعية السودانية ليس دفاعا عن حكومة بعينها أو عن شخص بعينه. الشرعية هنا تعني مبدأ أن الدولة السودانية لا يمكن استبدالها بمشروع مليشيا مسلحة مرتهنة خارجيا، وأن مستقبل السودان السياسي يجب أن يقرره السودانيون، لا شبكات السلاح والمال العابرة للحدود.

بالتالي ما الذي يُنتظر من الدول التي اصطفّت إلى جانب الدولة السودانية خلال المرحلة المقبلة؟
أرى أن الدول التي وقفت إلى جانب السودان أمامها الآن فرصة للانتقال من الدعم السياسي إلى بناء نظام إقليمي.

السعودية تحديدا تملك موقعا مركزيا في هذا التحول؛ فهي ليست فقط دولة عربية كبرى أو دولة مطلة على البحر الأحمر؛ بل أصبحت، من خلال التحالف البحري الجديد، في موقع قيادة لمحاولة إعادة بناء الأمن الإقليمي، وقد جاء ذلك بالتزامن مع توترات متصاعدة في البحر الأحمر والتهديدات التي تستهدف الملاحة والطاقة.

ومن ثم، فإن المطلوب من الرياض ليس فقط دعم السودان سياسيا، وإنما ربط أمن البحر الأحمر باستقرار السودان وبقية دول الإقليم والانتقال بالمنطقة من الهشاشة إلى الشراكة؛ فلا يمكن تأمين البحر الأحمر بصورة مستدامة بينما تظل دوله الرئيسية على ساحله في حالة حرب مفتوحة، وتعمل داخلها قوة مسلحة مرتبطة بشبكات إمداد خارجية.

ومصر أيضا أمام مسؤولية استراتيجية واضحة. أمن السودان بالنسبة إلى مصر ليس ملفا خارجيا عاديا؛ فهو مرتبط بأمن الحدود، والنيل، والبحر الأحمر، وأمن الدولة المصرية نفسها. أما تركيا، فلديها قدرة متنامية على العمل في ملفات الأمن والدفاع والبنية التحتية والاقتصاد، ويمكن أن يكون دورها مهما في بناء قدرات الدولة السودانية بدلا من الاكتفاء بالتفاعل مع الحرب. وباكستان، بحكم خبرتها العسكرية وموقعها في المنظومة الجديدة، يمكن أن تكون جزءا من بناء منظومة أمن بحري ودفاعي أوسع. كما أن قطر والأردن ودول الخليج والقرن الأفريقي تستطيع أن تؤدي أدوارا سياسية واقتصادية وأمنية متكاملة.

لكن الأهم هو أن هذه الدول لا ينبغي أن تتعامل مع السودان باعتباره ملف مساعدات أو ملف وساطة. الوضع في السودان يحتاج إلى أن يتم التعامل معه كجزء من معادلة الأمن الإقليمي.
وهنا أعتقد أن التطور في البحر الأحمر يمكن أن يفتح أمام السودان فرصة استراتيجية كبيرة؛ فبدلا من أن يكون السودان مجرد دولة متلقية للمبادرات، يستطيع أن يصبح جزءا من صياغة النظام الإقليمي الجديد. وهذا يتطلب أن تكون له رؤية واضحة تجاه البحر الأحمر: أمن الملاحة، وحماية الموانئ، ومكافحة تهريب السلاح، وحماية السواحل، وتطوير الموانئ، وربط البحر الأحمر بالاقتصاد السوداني، ومنع تحويل الساحل السوداني إلى منصة لنفوذ عسكري أجنبي يهدد استقرار المنطقة.

كما يجب أن يكون السودان واضحا في مسألة أساسية: البحر الأحمر يجب ألا يتحول إلى منطقة نفوذ حصرية لأي دولة أو قوة خارجية ليست من الدول المشاطئة له.

السودان لا يريد استبدال نفوذ أجنبي بنفوذ أجنبي آخر. ما يريده هو نظام إقليمي تكون فيه الدول المطلة على البحر الأحمر صاحبة القرار الأساسي في أمنه وموارده وممراته، مع انفتاحها على الشراكات الدولية وفق مصالحها وسيادتها.

لكن واقعيا، ما مدى نجاح التحالف متعدد الجنسيات للدفاع والأمن البحري في البحر الأحمر وخليج عدن؟

إذا تحول من إعلان سياسي إلى منظومة مؤسساتية حقيقية، يمكن أن يصبح أحد أهم التحولات الجيوسياسية في المنطقة، بل وفي العالم، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. لكن نجاحه سيتوقف على قدرته على الانتقال من البيانات إلى العمل: تبادل المعلومات الاستخبارية، ومراقبة المجال البحري، ومكافحة تهريب السلاح، وحماية الموانئ، والتدريب المشترك، وتطوير القدرات البحرية، والتنسيق في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.

وبالنسبة إلى السودان تحديدا، ينبغي أن يكون قطع خطوط الإمداد الخارجي التي تغذي الحرب جزءا من مفهوم الأمن الإقليمي للبحر الأحمر، لأن السلاح الذي يدخل إلى السودان لا يقتل السودانيين فقط؛ بل يهدد لاحقا أمن الدول المجاورة، ويخلق موجات نزوح وتهريب وسلاح عابر للحدود، ويهدد الموانئ والممرات التجارية والاستقرار الإقليمي، وهذا يعيدنا إلى سؤال الشرعية.

الدول التي دعمت السودان أمامها الآن اختبار حقيقي: هل ستكتفي بالقول إنها تدعم وحدة السودان وسيادته، أم ستساعد السودان على إعادة بناء الدولة القادرة على حماية هذه السيادة؟، المطلوب ليس إرسال قوات إلى السودان، ولا تحويل الحرب إلى مواجهة إقليمية. المطلوب هو مساعدة السودان على استعادة قدرته على أداء وظائف الدولة: الجيش الوطني، والشرطة، والمؤسسات الاقتصادية، والحدود، والموانئ، والمؤسسات المدنية، والقدرة على حماية أراضيه من التدخل الخارجي.

وفي هذا السياق، أرى أن الجيش السوداني يجب أن يكون جزءا من الحل الإقليمي وليس جزءا من المشكلة. المؤسسة العسكرية الوطنية تحتاج إلى التطوير والتحديث والخضوع للسلطة المدنية في الدولة الديمقراطية القادمة، لكن لا يمكن بناء دولة مستقرة من دون مؤسسة عسكرية وطنية قادرة على حماية حدودها وسيادتها. وفي المقابل، لا يمكن أن يكون هناك نظام إقليمي مستقر إذا سمح بوجود مليشيا عابرة للحدود، تمتلك شبكات تمويل وتسليح خارجية، وتتحول إلى مشروع سلطة موازية للدولة.

ولهذا، فإن الاصطفاف الإقليمي الأخير حول السودان والبحر الأحمر يحمل معنى أكبر من مجرد إعلان تضامن. إنه يفتح إمكانية قيام معادلة إقليمية جديدة: تتكامل فيها معايير الاستقرار السياسي والعسكري والاقتصادي، والتحدي الآن هو أن تتحول هذه المعادلة من موقف سياسي وشعار إلى استراتيجية.