يواصل التيار التقدمي داخل
الحزب الديمقراطي تسجيل انتصارات لافتة، كان آخرها فوز
عبد الرحمن السيد في
ميشيغان، في سياق الموجة ذاتها التي أنتجت
زهران ممداني في نيويورك، وسط تساؤلات جدية حول ما إذا كنا أمام تحول هيكلي حقيقي في بنية الحزب الديمقراطي، أم مجرد انتصارات فردية مرتبطة بظروف محلية، وما الذي يعنيه هذا الصعود لمستقبل تمثيل الجاليات العربية والإسلامية في أروقة صنع القرار الأمريكي.
وفي هذا الإطار، أكد الكاتب والباحث السياسي باسم أبو سمية أن فوز عبد الرحمن السيد يعكس انقساما حقيقيا وتحولا واسعا في الرأي العام الأمريكي، لا سيما لدى جيل الشباب.
وأوضح في مقابلة مع "عربي21"، أن اليمين الأمريكي يرى في هذا الصعود تهديدا دينيا وأيديولوجيا، وأن المال السياسي للوبي الإسرائيلي بات يواجه لأول مرة تحديا انتخابيا حقيقيا.
وفيما يلي أبرز ما جاء في الحوار:
كيف تفسر ظاهرة صعود عبد الرحمن السيد في ميشيغان بعد تجربة زهران ممداني في نيويورك، هل نحن أمام موجة تقدمية حقيقية داخل الحزب الديمقراطي أم مجرد انتصارات فردية مرتبطة بالظروف المحلية؟
أوضح أبو سمية أن المسألة لم تتعدَّ صعود عبد الرحمن السيد وحده، فهناك الكثير من المسلمين والعرب وغير العرب، إضافة إلى زهران ممداني، كرشيدة طليب وإلهان عمر، وجميعهم تعرضوا للهجوم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وأشار إلى أن السيد ينتمي إلى أسرة مهاجرة وبنى حضورا قويا بوصفه وجها بارزا في التيار التقدمي الذي يركز على قضايا الطبقة العاملة والعدالة الاجتماعية، وجاء فوزه بدعم شخصيات ديمقراطية بارزة كبيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو كورتيز، متفوقا على منافسته المدعومة من جماعات الضغط اللوبي الصهيوني.
ولفت إلى أن برنامجه الانتخابي ركّز على إصلاح الرعاية الصحية والتعليم ومواجهة التفاوت الاقتصادي والنفوذ السياسي للأموال التي يصرفها اللوبي الإسرائيلي وخاصة من منظمة "أيباك"، في حين وُجّهت إليه اتهامات بالتطرف وبتأييد الموقف الرافض للحرب على غزة، إضافة إلى مخاوف من أن خلفيته العربية الإسلامية قد تفسح المجال للجمهوري مايك روجرز للفوز.
عبد الرحمن السيد واجه حملة إنفاق ضخمة وفاز رغم ذلك، ما الذي يكشفه هذا الفوز عن تغيير موازين القوى داخل القاعدة الديمقراطية تجاه قضايا مثل غزة واللوبي الإسرائيلي؟
يرى أبو سمية أن حالة السيد تعكس انقساما شديدا وتغيرا ملموسا في مواقف الرأي العام الأمريكي، خاصة لدى الشباب عالية جدا، إذ تحول ملايين ممن كانوا يؤيدون الحزبين الجمهوري والديمقراطي بشكل ملحوظ، وبات تأييد ترامب يتراجع بصورة كبيرة.
وأضاف أن قيادات الحزب الجمهوري هاجمت السيد ووصفته بأنه يؤيد الإسلام الذي يشكّل في نظرهم خطرا على المجتمع الأمريكي، فيما وصفه ترامب بـ"كارثة على البلاد" ونعته بأنه "رجل الكراهية لإسرائيل".
ورأى أبو سمية أن هذا الهجوم الجمهوري العنيف هو في جوهره دفاع عن دولة الاحتلال، انطلاقا من التحالف الاستراتيجي الوثيق بين واشنطن وتل أبيب.
كثيرون يصفون عبد الرحمن السيد بـ"ممداني ثان"، هل تتفق مع هذا التوصيف أم أن خلفيته كطبيب وخبير صحة عامة تعطيه شخصية سياسية مختلفة؟
أوضح أبو سمية أنه لا يعتقد أن الاثنين يتشاركان في صفة واحدة بعينها، غير أن ثمة صفات مشتركة أبرزها أنهما يقفان مع قضية غزة ولا يؤيدان دولة الاحتلال.
وأشار إلى أن ممداني سبق له أن هدد باعتقال نتنياهو حين وصوله إلى نيويورك، وهو ما دفع نتنياهو إلى تجنب الزيارة العلنية أو الذهاب سرا، فيما تدخل ترامب دفاعا عنه قائلا إنه لا يحق لهذا الرجل أن يهدد باعتقال رئيس حكومة.
وخلص إلى أن الاثنين يشتركان في كثير من الصفات، أهمها رفض السياسة الإسرائيلية ورفض الانقسام في المجتمع الأمريكي، وكذلك في مواجهة موقف الحزب الجمهوري.
ما أبرز نقاط القوة والضعف في حملة عبد الرحمن السيد التي مكنته من تجاوز منافسته هايلي ستيفنز رغم الدعم الكبير الذي حظيت به من قيادات الحزب كشاك شومر؟
أوضح أبو سمية أن قوة السيد تكمن في برنامجه، إذ وقف مع إصلاح الرعاية الصحية والتعليم ومواجهة التفاوت الاقتصادي ونفوذ المال السياسي، كما طالب بوقف الدعم المالي لسياسات ضباط الهجرة، مما جلب له اهتماما واسعاً وتأييدا تجاوز الجالية المسلمة ليشمل أمريكيين ومن الحزب الجمهوري أنفسهم، وإن كان آخرون من الحزبين عارضوه.
وأشار إلى أن خصومه استغلوا استخدامه عبارة "إن شاء الله" ذريعة للهجوم عليه، معتبرا ذلك تعبيرا عن الإفلاس السياسي لأصحابه، إذ لا يعدو كونه تعبيرا دينيا يندرج في سياق حرية الأديان وحرية التعبير.
كيف ترى رد فعل اليمين الأمريكي وترامب على فوز السيد، وهل يتحول هذا الفوز إلى ورقة استقطاب انتخابي في المستقبل؟
أكد أبو سمية أن اليمين المتطرف لم ينتظر الإعلان الرسمي عن الفوز حتى شنّ هجومه، إذ بدأ منذ لحظة الترشح لمجلس الشيوخ، لأنهم لا يريدون لأي عربي أو مسلم أن يفوز بهذا المقعد، إذ يعدّونه تهديدا دينيا وأيديولوجيا.
وأشار إلى أن الفوز أثار موجة واسعة من العداء في أوساط اليمين الأمريكي، في المقابل أثار تأييدا كبيرا في الجمهور العربي وشرائح واسعة من الرأي العام الأمريكي.
إلى أي مدى يمكن أن يشجع فوز السيد مرشحين عرباً ومسلمين آخرين على خوض انتخابات أمريكية على مستويات أعلى؟
يلفت أبو سمية إلى أن العرب والمسلمين سبق لهم تحقيق انتصارات في انتخابات بلدية وفي مجالس الولايات، إذ فاز نحو عشرة منهم في مراحل سابقة.
وأوضح أن ثمة تحولا حقيقيا في المشهد مرده عدم الرضا المتصاعد عن سياسات ترامب والحزب الجمهوري، مستشهدا باستطلاعات رأي تشير إلى تراجع تأييد ترامب من 45 بالمئة إلى نحو 32 بالمئة، وهو ما يعبّر عن رأي عام بدأ يرفض من خلال تأييده للقضية الفلسطينية.
وأضاف أن شريحة واسعة من الناخبين باتت لا تريد لا الجمهوريين ولا الديمقراطيين، بل تريد الانفصال عن حكومة الاحتلال الإسرائيلي، مشيرا إلى أن ما يُصرف من ملايين ومليارات على الحكومة الإسرائيلية إنما يأتي من جيب الناخب الأمريكي، وهو ما يولد رفضا متناميا لكثير من الممارسات التي يمارسها ترامب والحزب الجمهوري.
ما التحديات الداخلية التي قد يواجهها السيد داخل الحزب الديمقراطي نفسه إذا وصل إلى مجلس الشيوخ في ظل الانقسام بين الجناح التقدمي والمؤسسة التقليدية؟
أوضح أبو سمية أنه إذا نظرنا إلى بعض النواب الذين فازوا سواء من المسلمين أو العرب وغير العرب، فإن عضو مجلس النواب حين يصل إلى الكونغرس يكون حرا ولا يستطيع أحد التدخل في آرائه وما يقول، كما حصل مع إلهان عمر ورشيدة طليب وآخرين.
وأكد أنه إذا فاز السيد في الانتخابات النصفية القادمة في نوفمبر، يكون قد تخطى المصاعب التي تواجهه، وأثبت أن الحملة التي شُنّت ضده فشلت، وسيكون بإمكانه حينها أن يقول ما يريد من موقعه التشريعي.
هل يمثل صعود شخصيات مثل السيد وممداني بداية تحول هيكلي في الحزب الديمقراطي نحو اليسار، أم أن المؤسسة قادرة على احتواء هذه الموجة وضبطها في السنوات المقبلة؟
خلص أبو سمية إلى أن المسألة ليست بهذه الصورة التي تستطيع فيها مؤسسة ما أن تحكم وتؤثر بشكل كبير، إلا إذا كان هناك بالفعل جيل شاب قادر على تغيير رأيه ومعادلات التصويت.
ورأى أن المسألة تتعلق بالمال السياسي الذي يُصرف بالمليارات على النواب حتى يتمكنوا من الفوز، وهو المال الذي كانت تصرفه إيباك واللوبي الإسرائيلي الآخر، وبالتالي يعتمد الأمر على مدى تأثير موقف الحزب الديمقراطي، خاصة أن هناك الكثير من العرب والمسلمين والشباب التقدمي من غير العرب ومن غير المسلمين في الولايات المتحدة.