مسؤول سوري لـ"عربي21": سوريا قد تصبح ممرا بديلا لمضيق هرمز

مستشار اقتصادي سوري: رفع العقوبات يمهد لتفعيل "سويفت" وجذب الاستثمارات - جيتي
في تحول وصفه بأنه تاريخي، اعتبر المستشار للشؤون الاقتصادية في وزارة الاقتصاد السورية أسامة القاضي أن رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة دمج الاقتصاد السوري في النظام المالي والتجاري العالمي، ويفتح الباب أمام عودة البنوك والاستثمارات والتحويلات المالية إلى البلاد.

وقال القاضي، في مقابلة مع "عربي21"، إن 24 آب/أغسطس 2026 يمثل، من وجهة نظره، محطة أساسية في مسار رفع العقوبات عن سوريا، بعد إزالة اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، معتبرا أن ذلك أنهى أحد أبرز العوائق التي حالت دون عودة البنوك وتفعيل منظومة "سويفت" والتحويلات المالية الدولية.

وأضاف أن المرحلة المقبلة ستتركز على إعادة بناء البنية المصرفية والاقتصادية، وجذب الاستثمارات وتمويل مشاريع الإعمار، معتبرا أن البلاد أمام فرصة لتعويض سنوات طويلة من الانغلاق والعقوبات والتدهور الاقتصادي.



47 عاما من العقوبات

وربط القاضي إدراج سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب بسياسات نظام حافظ الأسد، مشيرا إلى أن التصنيف بدأ عام 1979 واستمر، بحسب وصفه، 47 عاما وسبعة أشهر.

وقال إن العقوبات والقوانين التي فرضت على سوريا خلال العقود الماضية شكلت عائقا أمام تطور الاقتصاد واندماج البلاد في النظام الاقتصادي الدولي، مشيرا إلى أن عدد القوانين العقابية التي طالت سوريا خلال العقود الماضية بلغ نحو 2700 قانون، وفق تقديره.

واتهم القاضي نظامي حافظ الأسد وبشار الأسد باتباع سياسات أدت إلى عزلة سوريا عن محيطها العربي والدولي، وإضعاف علاقاتها الاقتصادية مع عدد كبير من الدول، معتبرا أن هذه السياسات انعكست بصورة مباشرة على الاقتصاد والنسيج الاجتماعي السوري.

وبشأن العقوبات التي جرى رفعها، قال القاضي إن إزالة اسم سوريا من قوائم العقوبات الاقتصادية تأتي بعد خطوات سابقة شملت رفع قانون "قيصر" وعقوبات أخرى، معتبرا أن البلاد باتت تودع مرحلة طويلة من القيود الاقتصادية.

وأضاف أن انخفاض المخاطر السيادية المرتبطة بالاستثمار في سوريا من شأنه تسهيل فتح الحسابات المصرفية، والسماح بدخول البنوك، وتيسير التحويلات بالدولار والعملات الأجنبية.

وأشار إلى أن المصرف المركزي يعمل على تعزيز الشفافية ومنع غسل الأموال والالتزام بالمعايير الدولية، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي والمؤسسات الدولية الأخرى، بما يسمح بعودة سوريا تدريجيا إلى النشاط الاقتصادي العالمي.


"سويفت" بوابة الاستثمارات

ويرى القاضي أن أحد أهم الآثار المباشرة لرفع العقوبات يتمثل في تسهيل تحويل الأموال إلى سوريا، خصوصا لتمويل المشاريع الاستثمارية التي جرى توقيع مذكرات تفاهم بشأنها أو يجري التحضير لتنفيذها.

وأوضح أن غياب الجاهزية الكاملة لمنظومة "سويفت" كان يشكل عقبة أمام التحويلات المالية، لافتا إلى أن شركة "أوليفر وايمان فاينانشالز" تعمل على التواصل مع البنوك الوسيطة للمساعدة في تفعيل المنظومة داخل سوريا، وأن العملية دخلت مراحلها النهائية بعد رفع العقوبات.

وبحسب القاضي، فإن تفعيل التحويلات المصرفية سيسمح بتمويل المشاريع الكبرى التي تحتاج إلى حركة أموال منظمة من بنك إلى آخر، بدلا من التعامل النقدي المباشر الذي يتعارض مع القواعد الدولية لمكافحة غسل الأموال.

وضرب مثالا بمشاريع استثمارية وعقارية كبيرة تحدث عنها، من بينها مشاريع في اللاذقية وقدسيا ومشروع "شام فيو"، معتبرا أن هذه المشاريع تحتاج إلى قنوات مصرفية قادرة على استيعاب التمويل الأجنبي وتحويله إلى الداخل السوري.

إعمار واسع بعد دمار الحرب

ويرى القاضي أن تدفق الاستثمارات يمكن أن يسهم في إعادة إعمار المدن والمناطق التي تضررت خلال سنوات الحرب، ولا سيما القطاع العقاري.

وقال إن أعدادا كبيرة من السوريين عادوا إلى البلاد بعد سنوات من النزوح، لكن جزءا من العائدين يواجه مشكلة نقص المساكن بسبب الأضرار التي لحقت بمنازل كثيرة.

وأشار إلى أن محدودية المعروض العقاري مقابل ارتفاع الطلب دفعت أسعار الإيجارات والعقارات إلى مستويات مرتفعة، معتبرا أن ضخ استثمارات كبيرة في البناء والإعمار خلال العامين المقبلين يمكن أن يساعد على إعادة التوازن بين العرض والطلب.

وأكد أن رفع العقوبات يمثل، في تقديره، "الجرس لبدء السباق الحقيقي الاقتصادي" من أجل تنمية الاقتصاد السوري.


النفط والقمح.. مؤشرات على التعافي

وتحدث القاضي عن تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية خلال الفترة الأخيرة، مشيرا إلى ارتفاع إنتاج النفط السوري إلى نحو 80 ألف برميل يوميا، مقارنة بنحو 9 آلاف برميل يوميا في عام 2015 وفقا للأرقام التي أوردها.

وتوقع أن يرتفع الإنتاج إلى نحو 200 ألف برميل يوميا أو أكثر خلال نهاية العام ومنتصف العام المقبل، بما قد يتيح لسوريا الاقتراب من الاكتفاء النفطي.

كما أشار إلى أن موسم القمح الأخير كان جيدا، وأن سوريا حققت اكتفاء ذاتيا من القمح، معتبرا ذلك مؤشرا إضافيا على التحسن في بعض القطاعات الإنتاجية.

وفيما يتعلق بقدرة البنية التحتية السورية على الاستفادة من الانفتاح الاقتصادي، قال القاضي إن العمل جار منذ أكثر من عام لتطوير قطاعات الاتصالات والإنترنت وشبكات الألياف الضوئية.

وأشار إلى توقيع اتفاق مع شركة "إس تي سي" السعودية لتركيب شبكة من كابلات الألياف الضوئية خلال فترة تتراوح بين عام ونصف وعامين، بما يسمح برفع سرعة الإنترنت وتحسين البنية الرقمية.

كما لفت إلى تحركات لتطوير البنية المصرفية، خصوصا في مجال المدفوعات الإلكترونية، مشيرا إلى صدور قرار للمصرف المركزي يحمل الرقم 11/24 لتفعيل شركات وأدوات الدفع الإلكتروني.

وتوقع أن تصل سوريا إلى مستوى مقبول من البنية التحتية المصرفية قبل نهاية العام، مع إمكانية رؤية توسع أكبر في دخول البنوك العالمية والأوروبية والتركية والعربية إلى السوق السورية خلال الفترة المقبلة.

الانفتاح الغربي والاحتياجات الدفاعية

وعن رفع القيود المرتبطة بالمساعدات الخارجية وصادرات ومبيعات الأسلحة إلى سوريا، قال القاضي إن العلاقة مع الولايات المتحدة تشهد، في تقديره، مرحلة من التقارب.

وأشار إلى اجتماعات متعددة بين الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معتبرا أن ذلك يعكس، بحسب وصفه، وجود تفاهم متزايد مع الإدارة السورية الجديدة.

وأضاف أن سوريا تنظر إلى المرحلة المقبلة باعتبارها بداية لعلاقة مختلفة مع الدول الغربية والولايات المتحدة، متحدثا عن مشاركات وتعاونات أمنية وعسكرية محتملة.

لكنه شدد على أن السياسة السورية، بحسب تعبيره، تقوم على "صفر مشاكل مع العالم"، وأن بلاده لا تسعى إلى خوض حروب جديدة، بل تحتاج إلى أسلحة دفاعية لحماية أراضيها.

واعتبر القاضي أن سوريا تحتاج إلى عقود من التنمية لتعويض ما وصفه بالخسائر التي تراكمت على مدى عقود بسبب الاضطرابات السياسية والانقلابات والتأميم وسياسات حزب البعث والعقوبات الاقتصادية.

وقال إن البلاد لم تحصل، في رأيه، على فرصة حقيقية لبناء هوية اقتصادية مستقرة منذ عقود طويلة، وإن استمرار الأزمات السياسية أدى إلى طرد المستثمرين وإبعاد الاقتصاد السوري عن العالم.

وأضاف أن سوريا تحتاج إلى ما لا يقل عن 50 عاما من التنمية الاقتصادية الحقيقية لتعويض الأجيال عما فقدته خلال العقود السابقة.

عقبات داخلية وخارجية

وردا على سؤال بشأن احتمال سير عملية الانفتاح الاقتصادي بالسرعة المتوقعة، في ظل التحديات الداخلية والوجود الإسرائيلي، قال القاضي إن سوريا تستفيد حاليا من علاقات وشراكات إقليمية ودولية متعددة.

وأشار إلى تركيا وقطر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة باعتبارها أطرافا تعمل، بحسب تقديره، في اتجاه دعم الاستقرار وإعادة بناء سوريا، معتبرا أن موقع البلاد الجغرافي يمكن أن يجعلها مركزا مهما للأمن الغذائي والطاقة في المنطقة.

وتحدث عن مشاريع إقليمية لربط سوريا بشبكات الطاقة والنقل، من بينها مشروع أطلق عليه "4+1"، يضم خطوطا للنفط والغاز، إلى جانب مشروع قطار سريع يربط تركيا بالسعودية عبر سوريا.

وأكد القاضي أن الإصلاح الاقتصادي لا يتوقف على رفع العقوبات، بل يحتاج أيضا إلى تغيير البيئة التشريعية داخل البلاد.

وقال إن البرلمان السوري الجديد لديه أكثر من 700 مسودة قرار وقانون تهدف إلى إزالة ما وصفه بـ"ركام القوانين" الذي تراكم خلال العقود الماضية، وإيجاد منظومة تشريعية تساعد على جذب الاستثمارات.

واعتبر أن إصلاح التشريعات يمثل أحد الشروط الأساسية لبناء مناخ استثماري أكثر جاذبية، إلى جانب تطوير المؤسسات المالية والإدارية.


الإعفاء لا يشمل أفراد النظام السابق

وفي الوقت نفسه، شدد القاضي على أن رفع العقوبات عن الدولة لا يعني بالضرورة رفعها عن جميع الأفراد والكيانات المرتبطة بالنظام السابق.

وقال إن العقوبات على الأشخاص والجهات التابعة لنظام الأسد يجب أن تبقى، معتبرا أن هؤلاء يجب أن يواجهوا المساءلة القانونية داخل سوريا، وأن الأموال التي جرى ضبطها أو مصادرتها يمكن أن تذهب إلى الصندوق السيادي.

وربط ذلك بالمسؤولية عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت خلال سنوات حكم النظام السابق.

وفي الجزء المتعلق بتداعيات أزمة مضيق هرمز، اعتبر القاضي أن الاضطرابات في الممر البحري يمكن أن تشكل فرصة استراتيجية لسوريا لتطوير طرق بديلة لتصدير النفط والغاز من الخليج إلى البحر المتوسط.

وأشار إلى مشروع إعادة تأهيل خط "التابلاين" الذي يربط المنطقة بموانئ البحر المتوسط، قائلا إن التصور المطروح يقضي بتحويل مساره نحو ميناء بانياس، مع إمكانية نقل كميات كبيرة من النفط.

كما تحدث عن إحياء مشروع خط الغاز القطري عبر سوريا وتركيا، إلى جانب تطوير البنية التحتية في بانياس بما يسمح بتسييل الغاز وتصديره بحرا.

كركوك-بانياس.. مشروع نفطي إضافي

وتناول القاضي كذلك مشروع خط كركوك-بانياس، مشيرا إلى أن إعادة تأهيله يمكن أن توفر للعراق مسارا إضافيا لتصدير النفط إلى البحر المتوسط.

وقال إن الخط يمتد لمسافة كبيرة داخل الأراضي السورية، وإن التصور المطروح يستهدف نقل كميات تصل إلى ما بين مليوني وثلاثة ملايين برميل يوميا، معتبرا أن تسريع تنفيذ المشروع يمكن أن يمنح العراق وسوريا بديلا استراتيجيا عن طرق التصدير التقليدية.

كما أشار إلى مشروع القطار السريع الذي يربط تركيا بالسعودية عبر سوريا، بسرعة تصل إلى 200 أو 250 كيلومترا في الساعة، معتبرا أن هذا المشروع قد يكون جزءا من شبكة نقل إقليمية أوسع.

ويرى القاضي أن تداعيات أزمة مضيق هرمز قد تدفع دول المنطقة إلى البحث عن مسارات بديلة أقل خطرا، مشيرا إلى أن شركات التأمين ستأخذ المخاطر الأمنية في المضيق بالحسبان حتى بعد التوصل إلى أي اتفاق.

وقال إن الاعتبارات الأمنية والتجارب السابقة قد تجعل بعض دول الخليج تبحث عن بدائل استراتيجية للتصدير، معتبرا أن موقع سوريا على البحر المتوسط يمكن أن يمنحها دورا مهما في هذا السياق.

من العقوبات إلى مرحلة "السباق الاقتصادي"

وفي ختام المقابلة، خلص القاضي إلى أن رفع العقوبات لا يمثل نهاية الطريق بالنسبة لسوريا، وإنما بداية مرحلة جديدة تحتاج إلى إصلاحات تشريعية ومصرفية واستثمارات واسعة وإعادة إعمار البنية التحتية.

وبحسب رؤيته، فإن نجاح المرحلة المقبلة يعتمد على قدرة دمشق على بناء علاقات متوازنة مع الخارج، وتهيئة بيئة استثمارية قابلة للحياة، وإعادة دمج المصارف والاقتصاد السوري في النظام المالي الدولي.

ويعتقد القاضي أن سوريا دخلت مرحلة مختلفة بعد رفع العقوبات، وأن التحدي الحقيقي في السنوات المقبلة سيكون تحويل الانفتاح السياسي والمالي إلى نمو اقتصادي وفرص عمل وإعادة إعمار وتحسين لمستوى معيشة السوريين.