"تقنيات مخيفة".. ماذا تفعل أوراكل لخدمة "إسرائيل"؟

أوراكل هي شركة عملاقة في مجال قواعد البيانات والحوسبة السحابية- جيتي
عادت شركة "أوراكل - Oracle"، عملاق قواعد البيانات والحوسبة السحابية الأمريكي، إلى واجهة الجدل بعد أن أعاد الممثل الأمريكي مارك رافالو تداول مقطع فيديو مسجّل عام 2024 للرئيسة التنفيذية السابقة للشركة سافرا كاتس، تتحدث فيه عن تقنيات وصفتها بـ"المخيفة" وضعتها الشركة في خدمة "أجندة الجيش الإسرائيلي". 

الجدل الذي أشعله رافالو، والذي تطوّر إلى اتهامات متبادلة بين الممثل وشركة "بارامونت" (واحدة من أكبر وأقدم شركات صناعة الأفلام والترفيه في العالم)، أعاد فتح ملف علاقة أوراكل الممتدة لعقود مع مؤسسة الأمن الإسرائيلية، ودورها المتصاعد في البنية التحتية الرقمية والعسكرية لـ"إسرائيل"، وذلك في وقت تتوسع فيه الشركة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، وتدخل شريكا رئيسيا في صفقة استحواذ على العمليات الأمريكية لتطبيق "تيك توك".



عملاق تقني 

تعد شركة أوراكل واحدة من كبرى شركات البرمجيات والحوسبة السحابية في العالم، وقد تحوّلت في العامين الأخيرين إلى أحد أكبر المستفيدين من طفرة الذكاء الاصطناعي، فقد بلغت إيراداتها في السنة المالية 2025 نحو 57.4 مليار دولار، بنمو 8 بالمئة عن العام السابق، فيما قفزت إيرادات الحوسبة السحابية وحدها إلى 24.5 مليار دولار، بحسب بيانات أوردتها منصة "كوانتوم رن فورسايت".

وصل "الطلب المتعاقد عليه" وهو مؤشر على العقود المستقبلية بما فيها صفقات الذكاء الاصطناعي الضخمة مع شركات مثل ميتا ونفيديا، إلى نحو 523 مليار دولار بحلول نهاية 2025.

في أيلول/ سبتمبر 2025، اقتربت القيمة السوقية لأوراكل من 877 مليار دولار، ما جعلها حينها من أبرز المرشحين لتكون الشركة التالية التي تتجاوز تريليون دولار في القيمة السوقية، مدفوعة باندفاعها في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وتراجعت هذه التوقعات لاحقاً بشكل حاد؛ إذ خسر سهم الشركة أكثر من 50 بالمئة من قيمته بحلول منتصف 2026، لتهبط قيمتها السوقية إلى نحو 414-423 مليار دولار، وسط مخاوف من ديون ضخمة تناهز 130 مليار دولار موجّهة لتمويل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وتدفق نقدي حر سلبي بلغ نحو 24 مليار دولار.
وجاء ذلك مع خفض وكالة "ستاندرد آند بورز" تصنيفها الائتماني إلى درجة قريبة من "غير الاستثمارية".

العلاقة مع الاحتلال

بحسب توثيق منظمة "هو بروفتس - Who Profits" المتخصصة في رصد الشركات العاملة في الاقتصاد الإسرائيلي، فإن علاقة أوراكل بوزارة الحرب الإسرائيلية وجيش الاحتلال تمتد لعقدين على الأقل، عبر ذراعها "أوراكل إسرائيل" التي توفر تراخيص وتحديثات وصيانة لأنظمة برمجية تُستخدم من قبل وزارة الحرب والجيش وسلاح الجو والإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، وشرطة الاحتلال.

في 2021، أصبحت أوراكل أول شركة تقنية متعددة الجنسيات تفتتح مركز بيانات سحابيا داخل "إسرائيل"، عبر منشأة تحت الأرض في القدس بعمق 50 متراً، بتكلفة استثمارية بلغت 319 مليون دولار، مصمّمة لتحمّل الهجمات الصاروخية وخدمة عملاء من القطاعين الحكومي والدفاعي.

ودخلت أوراكل في العام نفسه في مشروع بيانات مصنّف يحمل اسم "مشروع مينتا - Project Menta" بالشراكة مع سلاح الجو الإسرائيلي.

في كانون الثاني/ يناير 2024، التقت الرئيسة التنفيذية آنذاك سافرا كاتس، بوزير الحرب الإسرائيلي ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لبحث "المساعدة الأمنية" وفرص التعاون في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، وناقشا خططاً لمركز بيانات سحابي ثانٍ في البلاد.

تُظهر وثائق أن الشركة درست في 2024 بناء مركز بيانات ضخم بقدرة 30 ميغاواط لمعالجة أعباء الذكاء الاصطناعي بتكلفة تفوق 250 مليون دولار، وإن كانت تقارير إسرائيلية لاحقة أشارت إلى نقل المشروع إلى دولة أخرى.

وتخسر أوراكل أحياناً في منافسة "عقود دفاعية" إسرائيلية كبرى أمام غوغل وأمازون، كما حدث في مناقصة "مشروع نيمبوس" السحابية لجيش الاحتلال الإسرائيلي عام 2021، رغم محاولاتها الاستعانة بمسؤولين أمريكيين سابقين لتعزيز فرصها، بحسب موقع "كالكاليست" الإسرائيلي.

في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، أشارت تقارير صحفية إلى تعاون بين أوراكل وشركة "بالانتير - Palantir" عبر تشغيل منصات تحليل بيانات تابعة للأخيرة على البنية السحابية "السيادية" و"المعزولة" التي توفرها أوراكل لعملاء الأمن القومي، في وقت باتت فيه تقنيات بالانتير جزءاً أساسياً من عمليات الاستهداف بالذكاء الاصطناعي للجيش الإسرائيلي في غزة.

"تقنيات مخيفة"

يعود الجدل حول أوراكل حاليا بعد تجدد تداول مقطع فيديو مصوَّر خلال كلمة ألقتها سافرا كاتس، الرئيسة التنفيذية لأوراكل حينها (وتشغل حالياً منصب نائبة رئيس مجلس الإدارة التنفيذية)، في القمة الوطنية للمجلس الأمريكي الإسرائيلي عام 2024، في أعقاب أحداث 7 تشرين الاول/ أكتوبر 2023. 
في المقطع، تشير كاتس إلى أن الشركة قامت بأمور "لا يمكنها التحدث عنها" لخدمة أجندة جيش الاحتلال الإسرائيلي، وتصف ما طوّرته بأنه تقنيات "مخيفة بعمق" حرصت الشركة على إتاحتها لهذا الغرض.



هذا المقطع، الذي أعادت حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي تداوله خلال الأسابيع الأخيرة، شكّل الشرارة التي استند إليها رافالو في حديثه الأخير على الشركة وعائلة إليسون.

,توثّق منصات متابعة لحركة المقاطعة تصريحات أخرى منسوبة لكاتس، من بينها قولها إن التزام أوراكل تجاه إسرائيل "لا يضاهيه التزام"، وأن الموظفين الذين لا يتفقون مع دعم الشركة لj"إسرائيل" قد لا يكون مكانهم المناسب فيها.

بارامونت


في الأيام الأخيرة، صعّد الممثل مارك رافالو، أحد أبرز معارضي صفقة اندماج "بارامونت" بـ"وارنر برذرز ديسكفري" بقيمة تفوق 110 مليارات دولار، هجومه على العائلة المالكة للصفقة عبر الربط بينها وبين أوراكل. 

ويذكر أن والد الرئيس التنفيذي لبارامونت ديفيد إليسون هو لاري إليسون، مؤسس أوراكل ومالك حصة كبرى فيها، والذي تُقدَّر ثروته بنحو 200 مليار دولار وتُعد سنداً مالياً رئيسياً لإتمام الصفقة.
ونشر رافالو عبر قصص إنستغرام مقطع كاتس السابق، معلّقاً بأن ما تعكسه التصريحات هو احتفاء بالإبادة الجماعية ونظام فصل عنصري، واصفاً لاري إليسون بأنه "أوليغارشي كلاسيكي" (حكم الأقلية) يسعى إلى مركزة الثروة والسلطة.

ردّت بارامونت بشدة، متهمة رافالو باستحضار "صور نمطية معادية للسامية" في سياق نزاع تجاري، ومؤكدة أنها لا تتسامح مع أي شكل من أشكال التحيّز.

من جانبه، رفض رافالو الاتهام بشكل قاطع، مؤكداً أن انتقاد سياسات رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي أو عقود تقنية عسكرية أو المدراء التنفيذيين المزوّدين لها لا يعني معاداة اليهود، وأن مواقفه "لا ينبغي أبداً أن تُفسَّر على أنها عداء تجاه اليهود" الذين يكنّ لهم "حباً واحتراماً عميقين".

وأضاف أن تدقيق النظر في عائلة إليسون وأعمال أوراكل القائمة على البيانات والمراقبة والعقود الحكومية أمر "عادل وضروري" نظراً لما تمثله الصفقة من تهديد لحرية التحرير الصحفي وفرص عمل آلاف العائلات.

يُشار إلى أن سافرا كاتس نفسها عضو في مجلس إدارة بارامونت، ما جعلها في قلب الأزمة مباشرة.

مهندس مصري

قبل اندلاع حرب غزة الحالية بأشهر، وتحديداً في كانون الثاني/ يناير 2023، أعلن المهندس المصري محمود صبحي استقالته من أوراكل بعد قرابة عامين من العمل فيها، واصفاً الوظيفة بأنها كانت حلما بالنسبة له ولكثير من أقرانه. 

وبحسب منشوره على فيسبوك حينها، جاء قراره بعد اكتشافه أن لاري إليسون، مؤسس الشركة ومالك ما يقارب نصف أسهمها، داعم قوي لـ"إسرائيل" ويتبرع سنوياً بملايين الدولارات لدعم جيش الاحتلال الإسرائيلي.


وبعد ذلك أُزيل منشور صبحي من فيسبوك بدعوى مخالفته "سياسات مجتمع احترافية".

قمع داخلي 

بعد اندلاع حرب الإبادة، تصاعدت التوترات الداخلية في أوراكل، فبحسب تحقيق لموقع "ذا إنترسبت"، تحدث نحو ستة موظفين في الشركة عن مناخ من "الخوف" داخل أوراكل التي يعمل بها نحو 160 ألف موظف حول العالم، حيث وقّع 68 موظفاً رسالة مفتوحة تنتقد شراكات الشركة مع "إسرائيل".

ووصف أحد الموظفين، الذي طلب عدم الكشف عن هويته خوفاً من الانتقام، البيئة الداخلية بأنها "فظيعة" وأن الموظفين "يرتعبون من مجرد ذكر فلسطين".

وأفاد التحقيق بأن الشركة أزالت بعض القنوات التي كانت تتيح للموظفين التبرع لجهات مناصرة للفلسطينيين، وأن أحد الموظفين فُصل بدعوى مخالفته سياسات الشركة، بينما سعى عدد آخر من الموظفين إلى مغادرتها.

صفقة تيك توك

في كانون الثاني/ يناير 2026، أُغلقت صفقة استحواذ طال انتظارها على العمليات الأمريكية لتطبيق "تيك توك"، امتثالاً لقانون أمريكي صدر عام 2024 يُلزم الشركة الأم الصينية "بايت دانس" بخفض حصتها إلى أقل من 20 بالمئة.

وتقود كونسورتيوم المستثمرين الجدد في الكيان الجديد "TikTok USDS Joint Venture" كل من أوراكل وصندوق "سيلفر ليك" وصندوق "إم جي إكس"، وكشفت أوراكل عن استثمار بنحو 2.2 مليار دولار مقابل حصة قدرها 15 بالمئة.

وبموجب الصفقة، ستتولى أوراكل، التي كانت أصلاً الشريك التقني لتخزين بيانات المستخدمين الأمريكيين ضمن "مشروع تكساس" السابق، مسؤولية تدقيق البيانات والامتثال الأمني، وإعادة تدريب الخوارزمية الأمريكية للتطبيق باستخدام بيانات أمريكية فقط، فيما يبقى الملكية الأساسية للخوارزمية بيد "بايت دانس" الصينية بموافقة مدققين أمريكيين.

ويمنح هذا الدور أوراكل نفوذا غير مسبوق على منصة تضم عشرات الملايين من المستخدمين الأمريكيين، ويُغذّي مخاوف منتقدين من تركّز البيانات والسلطة التقنية بيد شركة باتت في قلب اتهامات بشأن علاقتها بجيش الاحتلال، إلى جانب علاقاتها الوثيقة بإدارة الرئيس دونالد ترامب.

حراك المقاطعة 

تصدّرت أوراكل قوائم الشركات المستهدفة من حملة "المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات" (BDS)، ضمن حملة أوسع تحت عنوان "لا تقنية للقمع أو الفصل العنصري أو الإبادة الجماعية"، والتي تستهدف أيضاً شركات مثل أمازون وغوغل ومايكروسوفت وسيسكو وإنتل وسيلزفورس.

وبحسب ملف توثيقي أصدرته حركة BDS حول تواطؤ أوراكل، فإن الشركة قدّمت خلال الفترة 2023-2024 نحو 500 ألف دولار كمواد دعم مباشرة لجنود الاحتلال، ومليون دولار إضافية لجهات مرتبطة، إلى جانب منح مالية إضافية للموظفين الإسرائيليين المجنّدين ضمن جيش الاحتلال.

على المستوى الأوسع، تشهد أوروبا وأماكن أخرى حراكاً متزايداً لمقاطعة شركات مرتبطة بـ"إسرائيل"، من مبادرات شعبية فردية في محال السوبرماركت إلى حملات مؤسسية أوسع.