عاد سؤال العلاقة بين الشاعر
الفلسطيني الراحل
محمود درويش والناقد السعودي الدكتور عبدالله الغذامي إلى الواجهة من جديد، بعد أن
كشف الغذامي، ردا على سؤال عبدالعزيز بن علي النصافي بشأن نص قيل إن درويش كتبه
عنه، تفاصيل جديدة عن صلة جمعتهما على مدى سنوات، مؤكدا أن بينهما "محبة
عميقة" وأنهما التقيا في عواصم عربية عدة.
وأوضح الغذامي أنه لم ير نصا منشورا لدرويش
عنه، لكنه استعاد واقعة أبدى فيها الشاعر إعجابه بقراءة له حول طه حسين، إلى جانب
محطة أخرى كتب فيها الغذامي عن درويش مقالا بعنوان "درويش ناثر وليس شاعرا"،
وهي القراءة التي قال إن الشاعر أحبها وطرب لها.
وتعيد هذه الشهادة العلاقة بين الرجلين إلى
سياقها الثقافي الأوسع، بعيدا عن السؤال الببليوغرافي الضيق: هل كتب درويش عن
الغذامي؟ فالمهم في الحكاية ليس النص المفقود وحده، وإنما ذلك الحوار الفكري الذي
نشأ بين شاعر كان أحد أبرز أصوات
الشعر العربي الحديث، وناقد أسهم، عبر مسيرة
طويلة، في إعادة صياغة أسئلة
النقد والحداثة والثقافة العربية.
"بطاقة هوية"
في مختبر الغذامي النقدي
ولعل استعادة علاقة الغذامي بدرويش لا تكتمل
من دون العودة إلى واحدة من القراءات المبكرة التي قدمها الناقد للشاعر، حين تناول
قصيدة "بطاقة هوية" في كتابه "القصيدة والنص المضاد".
فالغذامي لم يتعامل مع القصيدة بوصفها نصا
وطنيا مباشرا فحسب، بل وضعها في سياق نقدي يبحث في كيفية تشكل المعنى داخل
القصيدة، وفي علاقتها بالخطاب الثقافي الذي أنتجها. ومن خلال قراءة "بطاقة
هوية" يظهر درويش عند الغذامي بوصفه شاعرا قادرا على تحويل التجربة الفلسطينية
من واقعة سياسية وتاريخية إلى بنية شعرية ذات مستويات متعددة من الدلالة.
وهنا تبرز أهمية العودة إلى هذه القراءة
اليوم؛ لأنها تكشف أن علاقة الغذامي بدرويش لم تبدأ من المقال الذي حمل عنوان "درويش
ناثر وليس شاعرا"، وإنما تعود إلى مرحلة مبكرة من اشتغال الغذامي على الشعر
العربي الحديث، حين كان درويش نفسه في قلب التحولات التي شهدتها القصيدة العربية.
وتبدو "بطاقة هوية" نصا مناسبا
جدا لمشروع الغذامي النقدي، لما تحمله من توتر بين "الهوية الفردية والهوية
الجماعية، وبين صوت الذات وصوت الجماعة، وبين الاعتراف بالاسم الشخصي والدخول في
تاريخ جماعي أوسع". فالقصيدة التي تبدأ من تعريف الذات لا تنتهي عند حدود
الفرد، وإنما تجعل من "أنا" الشاعر مساحة يتردد فيها صوت شعب كامل.
وهذا النوع من الانتقال من النص إلى ما وراء
النص هو أحد المداخل التي ستقود الغذامي لاحقا إلى مشروعه في النقد الثقافي، حيث
لم يعد السؤال مقتصرا على جماليات الخطاب، بل امتد إلى الأنساق الثقافية
والاجتماعية التي تتحرك من خلاله.
من "بطاقة هوية" إلى "درويش
ناثر وليس شاعرا"
وبين قراءة "بطاقة هوية" في "القصيدة
والنص المضاد" ومقال "درويش ناثر وليس شاعرا" مسافة زمنية وفكرية،
لكنها تكشف في الوقت نفسه عن استمرار انشغال الغذامي بتجربة درويش.
في القراءة الأولى، يظهر درويش داخل
التحولات التي عرفتها القصيدة العربية الحديثة، بينما تأتي القراءة اللاحقة لتذهب
أبعد في مساءلة طبيعة شعره وحضوره، وصولا إلى العبارة التي قد تبدو للوهلة الأولى
مفارقة: "درويش ناثر وليس شاعرا".
غير أن عنوان المقال لا ينبغي قراءته
باعتباره نفيا لشاعرية درويش، وإنما بوصفه محاولة من الغذامي لتفسير اتساع تجربة
الشاعر وخروجها عن الحدود التقليدية للقصيدة. ولعل شهادة الغذامي بأن درويش أحب
المقال وطرب له تضيء جانبا مهما من شخصية الشاعر: قدرته على استقبال القراءة
النقدية المختلفة، بل الاستمتاع بها حين يجد فيها إضافة إلى تجربته.
وهنا تتحول العلاقة من علاقة ناقد بموضوعه
إلى علاقة قارئ بقارئ، فالغذامي يقرأ درويش، ودرويش يقرأ الغذامي، ولو لم يتحول
هذا التلقي المتبادل دائما إلى نصوص منشورة.
درويش قارئا للغذامي
الأكثر دلالة في شهادة الغذامي الجديدة ليس
فقط نفيه العثور على نص منشور لدرويش عنه، وإنما استعادته موقفا آخر: تعليق درويش
على مداخلة له في القاهرة حول طه حسين، وإبداؤه "تعشقه" لتفسير الغذامي
لمعنى العمى عند طه حسين.
هذه الواقعة تضع العلاقة في مستوى مختلف.
فدرويش هنا لا يظهر شاعرا يتلقى النقد الموجه إليه، وإنما مبدعا يتفاعل مع قراءة
نقدية تخص مبدعا آخر. وهذا يكشف أن اهتمامه بالغذامي لم يكن مرتبطا بكون الأخير
ناقدا كتب عنه، بل بما يقدمه من طريقة في النظر إلى الأدب والشخصيات الثقافية.
ولعل طه حسين نفسه يمثل حلقة مناسبة لفهم
هذا التقاطع؛ فقراءة تجربة عميد الأدب العربي من زاوية "العمى" تفتح
السؤال حول العلاقة بين السيرة والجسد واللغة والقدرة على تجاوز العائق، وهي أسئلة
تتقاطع، من بعيد، مع أسئلة الهوية والمنفى والاقتلاع التي احتلت موقعا مركزيا في
تجربة درويش.
بين شاعر الهوية وناقد الأنساق
تكتسب العلاقة بين درويش والغذامي أهمية
إضافية حين ننظر إليها من خلال مساريهما المختلفين. درويش جعل من الشعر مساحة لإعادة تعريف
الفلسطيني والعربي والإنسان، فيما انشغل الغذامي بإعادة تعريف وظيفة النقد نفسه.
الأول كان يعيد تشكيل التجربة بالتكثيف الشعري، والثاني يعيد تفكيكها بأدوات النقد.
لكن المسارين التقيا عند سؤال واحد: كيف
تصنع اللغة هويتنا، وكيف تصنع الثقافة صورتنا عن أنفسنا؟
من هنا يمكن قراءة "بطاقة هوية"
باعتبارها أكثر من قصيدة وطنية؛ فهي نص عن الاسم والانتماء والاعتراف، وهو ما
يمنحها مكانا خاصا في مشروع الغذامي المبكر. كما يمكن قراءة اهتمامه اللاحق بدرويش
بوصفه امتدادا لهذا الانشغال بتجربة شاعر جعل من الهوية مادة شعرية وفكرية في آن.
النص الغائب والحضور الباقي
أما قصة المقال الذي قيل إن درويش كتبه عن
الغذامي، فقد انتهت ـ بحسب شهادة الغذامي ـ إلى عدم العثور على نص منشور. لكن غياب
المقال لم يُنهِ الحكاية؛ بل جعلها أكثر إثارة، لأنه نقل الاهتمام من سؤال "أين
نشر درويش عن الغذامي؟" إلى سؤال أوسع: كيف قرأ درويش الغذامي، وكيف قرأ
الغذامي درويش؟
والإجابة موجودة، جزئيا، في الوقائع التي
يستعيدها الغذامي: لقاءات ومحبة، ومقال نقدي أحبه درويش، ومداخلة في القاهرة أثارت
إعجابه، وقراءة مبكرة لقصيدته "بطاقة هوية" في "القصيدة والنص
المضاد".
وهكذا، حتى في غياب المقال المنسوب إلى
درويش، تظل العلاقة موثقة بأشكال أخرى؛ فالذاكرة الثقافية لا تحفظ دائما ما نشر في
الصحف والمجلات، وإنما تحتفظ أيضا بما تركته القراءة في أصحابها.
وربما لهذا تبدو حكاية درويش والغذامي
مناسبة تماما لكتاب "أصداء"، فالصدى لا يشترط أن يكون نصا مكتوبا؛ قد
يكون فكرة عالقة في ذاكرة شاعر، أو قراءة أعجب بها مبدع، أو قصيدة ظلت حاضرة في
مشروع ناقد بعد عقود من كتابتها.
وفي النهاية، لا يبدو السؤال الأهم هو ما
إذا كان محمود درويش قد كتب مقالا عن عبدالله الغذامي، وإنما ما إذا كان الإثنان
قد دخلا، عبر الشعر والنقد واللقاء والحوار، في مساحة فكرية مشتركة.. والشواهد
التي يستعيدها الغذامي تقول إن الإجابة، على الأرجح، نعم.