من القمع إلى نوبل وبوكر.. كيف صنعت "الكآبة المجرية" أدبا عالميا؟

شهد الاهتمام العالمي بالأدب المرتبط بالمجر تصاعدا واضحا خلال العام الماضي، خصوصا بعد فوز لازلو كراسنهوركاي بجائزة نوبل للآداب عام 2025.. غيتي
لطالما كانت المعاناة واحدة من أكثر منابع الأدب غزارة، لا لأن الأدب يفترض أن يكون حزينا، بل لأن التجربة الإنسانية في لحظات الفقد والمنفى والقهر والوحدة تدفع الإنسان إلى مساءلة ذاته والعالم من حوله. فالأدب، في جوهره، تجربة قبل أن يكون صناعة لغوية؛ وما يفعله الكاتب هو تحويل التجربة، بما تحمله من ألم أو فرح أو خوف أو رغبة، إلى لغة قادرة على تجاوز صاحبها وزمنه.

ومن هنا يمكن فهم الحضور المتجدد لما يسميه النقاد والكتاب "الكآبة المجرية"؛ فهي ليست مجرد مزاج قومي، وإنما حصيلة تاريخ طويل من الاحتلالات والاضطرابات والاقتلاع والقمع، تحوّل في الأدب إلى سرد وشعر وتأمل، ثم وجد طريقه إلى قراء العالم.

وفي تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية للكاتب لوغان شيرر، يبرز هذا المزاج بوصفه أحد المفاتيح لفهم الصعود العالمي اللافت لأعمال مجرية وأعمال كتبها أدباء من خارج المجر واستلهموا تاريخها وشخصياتها.

الكآبة.. هل هي "صفة مجرية"؟


في الأدب المجري المترجم إلى اللغات الأجنبية خلال العقود الثلاثة الماضية، تتكرر صور الزائر الوحيد، والبيت المغلق، والجنرال المتقاعد الذي يعيش في عزلة، والشخصيات التي تنتظر شيئا لا يأتي أو تعيش في ظلال الماضي.

ومن ساندور ماراي إلى ماغدا سابو، مرورا بإيمري كيرتيس وبيتر ناداش ولازلو كراسنهوركاي، تبدو الكآبة في كثير من الأعمال المجرية أكثر من مجرد حالة نفسية لشخصيات منفردة؛ إنها مزاج أدبي مرتبط بتاريخ طويل من الاضطراب والعزلة.

ويستشهد شيرر بكتاب "في مديح الكآبة" للكاتب والناقد لازلو إف فولديني، الذي يتناول فيه الكآبة بوصفها "قدرة على اليأس"، في سياق ثقافة تعرضت لقرون من الغزوات والتهديدات. أما الشاعر يانوش بيلينسكي، فقد رأى في قراءة الأدب المجري من الخارج إمكانية لاكتساب رؤى روحية خاصة، نابعة من قرون من انعدام الجذور والاغتراب والصراع.

لكن فولديني نفسه يرفض في النهاية تحويل الكآبة إلى "حالة مجرية" خالصة، وهي نقطة مهمة؛ لأن ما يبدو خاصا بالمجر يمكن أن يكون في الواقع إحدى الصيغ المحلية لمزاج أدبي إنساني أوسع.

الأدب ابن الجرح.. لكنه ليس سجنا له


المعاناة ليست ملكا لأدب بعينه. ومنذ المآسي الإغريقية، وصولا إلى دوستويفسكي وكافكا وبيكيت، كثيرا ما خرج الأدب العظيم من مناطق القلق والخوف والموت والفقد والاغتراب.

وليس المقصود بذلك أن الكاتب لا يستطيع أن يكتب إلا عندما يكون حزينا، أو أن قيمة العمل الأدبي تقاس بكمية الألم الموجودة فيه؛ فالأدب قادر على تحويل الفرح والرغبة والحب والدهشة إلى تجربة جمالية أيضا. لكن الألم يمتلك قدرة خاصة على دفع الإنسان إلى السؤال: لماذا حدث هذا؟ ماذا يعني أن نفقد؟ كيف يعيش الإنسان بعد الكارثة؟ وهل يمكن العثور على معنى وسط الخراب؟

ولهذا فإن الأدب لا يكتفي بتسجيل المعاناة، وإنما يعيد تشكيلها. قد تتحول الهزيمة إلى رواية، والمنفى إلى قصيدة، والقمع إلى استعارة، والذاكرة الجريحة إلى عالم كامل من الشخصيات.

وهنا تحديدا تكمن قوة الأدب المجري الذي يلفت إليه تقرير "الغارديان": فالكآبة ليست مجرد نتيجة للتاريخ، وإنما طريقة فنية لإعادة النظر فيه.

من كراسنهوركاي إلى سزالاي.. الكآبة المجرية تكتسح العالم


شهد الاهتمام العالمي بالأدب المرتبط بالمجر تصاعدا واضحا خلال العام الماضي، خصوصا بعد فوز لازلو كراسنهوركاي بجائزة نوبل للآداب عام 2025.

اشتهر كراسنهوركاي بأعماله ذات الأجواء القاتمة وبجمله الطويلة والمتدفقة، التي تستكشف الانهيار والفوضى والقلق الوجودي. وتصف دراسة أكاديمية حديثة أعماله بأنها تجعل الخراب استعارة مركزية، ليس فقط للتفكك الوجودي، بل أيضا لإمكان التجدد الجمالي.

كما حظي بيتر ناداش، المعروف برواياته التأملية الممتدة عبر أجيال، بتكريم ألماني رفيع في أيار/مايو الماضي.

لكن المفارقة أن اثنين من أبرز الكتب التي تجسد "الكآبة المجرية" عالميا لم يكتبهما روائيان مجريان باللغة المجرية.

فالكاتب السويسري نيلو بيديرمان استلهم في روايته "لازار"  "Lázár" تاريخ أرستقراطية مجرية آخذة في الأفول، وقد ترجمت الرواية إلى 25 لغة على الأقل.

أما الكاتب البريطاني ـ الكندي ديفيد سزالاي، الذي عاش في المجر نحو عقد من الزمن لاستكشاف موطن والده، فقد فاز بجائزة بوكر لعام 2025 عن رواية "Flesh"، التي تتمحور حول إستفان، الرجل المجري ذي السرد المقتصد والحضور الكئيب. وقد ترجمت الرواية إلى نحو 40 لغة، بحسب تقرير حديث لمجلة "Telex" المجرية.

وهكذا أصبحت صورة "المجري الكئيب" نفسها مادة أدبية قابلة للتصدير، حتى عندما يأتي الكاتب من خارج الثقافة المجرية.

المفارقة.. العوامل التي صنعت الأدب الكئيب أعاقت انتشاره


غير أن المفارقة الأكثر أهمية تكمن داخل المجر نفسها. فالعوامل السياسية التي ساعدت على إنتاج هذا الأدب ــ العزلة والسلطوية والاضطراب ــ أسهمت في الوقت ذاته في الحد من وصول عدد من الكتاب المجريين إلى الجمهور العالمي.

وبحسب تقرير "الغارديان"، نشر ستة من العاملين البارزين في قطاع الكتاب في 27 أيار/مايو بيانا مشتركا في مجلة "ليتيرا" الأدبية، قالوا فيه إن عددا كبيرا من الكتاب المجريين الممتازين فقدوا منذ عام 2010 فرص النشر خارج البلاد، بعدما تراجعت ثقة شركاء أجانب بالمؤسسات الحكومية المجرية.

ووجه البيان انتقادات إلى "وكالة بيتوفي الثقافية"، وهي مؤسسة أدبية حكومية أطلقتها حكومة فيكتور أوربان عام 2019، وسط اتهامات بالمحسوبية وغياب الشفافية في آليات الاختيار والتمويل.

وفي الأول من حزيران/يونيو، أعلن مدير الوكالة استقالته، في خطوة جاءت في خضم نقاش أوسع حول مستقبل المؤسسات الثقافية المجرية بعد مرحلة أوربان.

إرث أوربان يصل إلى الأدب


يأتي ذلك في سياق سياسي أوسع شهد تحولا كبيرا هذا العام، بعدما خسر أوربان الانتخابات أمام منافسه الإصلاحي بيتر ماغيار، منهيا 16 عاما من حكمه، وفقا للمعطيات التي يستند إليها تقرير "الغارديان".

وكانت المؤسسات الثقافية قد تعرضت خلال سنوات حكم أوربان لانتقادات واسعة بسبب زيادة نفوذ الدولة على الجامعات ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية، وهي أجواء انعكست على الكتاب أنفسهم.

وفي كانون الثاني/يناير الماضي، رصدت «الغارديان» شكاوى كتاب مجريين من البيئة الثقافية والسياسية المعادية، مشيرة إلى سيطرة جهات حكومية على مؤسسات جامعية وثقافية وإعلامية وإلى تراجع فرص الكتاب المستقلين.

وفي هذا السياق، تبدو إعادة بناء المؤسسات الثقافية أكثر من مجرد مسألة إدارية؛ إنها محاولة لإعادة فتح المجال أمام التعددية الأدبية التي أضعفتها سنوات الاستقطاب.

ويصف إندري بالوغ وآنا مينهيرت، الرئيسان السابقان لجمعية "دائرة جوزيف أتيلا" الأدبية قبل انهيارها عام 2019، جيلا من العاملين في المجال الأدبي بأنه نشأ وسط "عدم اليقين والشك والانقسام" بين معسكرين، بحسب ما أورده شيرر.

الكآبة لا تعني غياب الفرح


لكن اختزال الأدب المجري في الحزن واليأس سيكون، بحسب الفكرة المركزية في تقرير "الغارديان"، قراءة ناقصة.

ففي واحدة من أهم روايات بيتر إستيرهازي، "التناغمات السماوية"، تتحول ذاكرة عائلة أرستقراطية إلى مساحة واسعة للسخرية والطعام واللذة والحيوية.

وفي رواية "بلا مصير" لإيمري كيرتيس، التي تتناول تجربة المحرقة، تتجاور تجربة الاعتقال مع لحظات عابرة من المتعة والدهشة. كيرتيس، الناجي من أوشفيتز والحائز نوبل للآداب عام 2002، لا يقدم الذاكرة بوصفها كتلة سوداء خالصة، وإنما يسمح للتجربة الإنسانية المتناقضة بأن تظهر داخل قلب الكارثة.

وهذه المفارقة هي التي تمنح الأدب قوته: الإنسان يستطيع أن يعاني ويستمتع في الوقت نفسه، وأن يعيش الخوف والرغبة، وأن يرى الجمال حتى في أكثر الظروف قسوة.

وفي الأدب المجري المعاصر تظهر هذه الثنائية أيضا لدى شعراء وكتاب مثل أندراس غيريفيتش وإيدينا سفورين، حيث تتجاور الرغبة الجسدية واللذة مع المرض والموت والكوارث الطبيعية.

وماذا عن الأدب العربي؟


إذا كان ثمة درس يمكن استخلاصه من "الكآبة المجرية"، فهو أن ربط الأدب بمزاج قومي واحد قد يحجب ظاهرة أدبية أوسع بكثير.

فالأدب العربي، بدوره، يمتلك تقليدا طويلا من الكتابة التي خرجت من قلب الفقد والقلق والمنفى والانكسار.

في العصر الحديث، اتخذت هذه التيمات أشكالا متعددة. ففي "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، يتحول الاغتراب بين السودان وأوروبا إلى أزمة هوية وذاكرة وانتماء. وفي أعمال عبد الرحمن منيف، يصبح التحول السياسي والاجتماعي العنيف مادة روائية تكشف أثر السلطة والاقتصاد والحداثة على الإنسان والمجتمع.

أما الأدب الفلسطيني، فقد قدم واحدا من أكثر الأمثلة وضوحا على تحول المأساة الجماعية إلى أدب عالمي؛ من روايات غسان كنفاني التي جعلت النكبة والاقتلاع والمنفى محاور سردية أساسية، إلى شعر محمود درويش الذي حوّل الفقد والمنفى والأرض إلى لغة شعرية تتجاوز التجربة الفلسطينية نفسها.

ولا يعني ذلك أن الأدب العربي "أدب كآبة"، تماما كما لا ينبغي القول إن الأدب المجري كذلك. ففي أعمال هؤلاء الكتاب وغيرهم، تتجاور المأساة مع الحب والسخرية والرغبة والذاكرة والبحث عن الحياة.

والأهم أن التجربة العربية، مثل المجرية، تؤكد أن التاريخ لا يدخل الأدب بوصفه سجلا للأحداث، بل بوصفه أثرا في الإنسان.

من المأساة إلى الجمال


وهنا يمكن إعادة قراءة "الكآبة المجرية" نفسها. فالكآبة ليست بالضرورة نهاية التجربة الأدبية، بل قد تكون بدايتها. إنها المنطقة التي يبدأ فيها الإنسان بالسؤال عما حدث له، ولماذا حدث، وكيف يمكنه أن يستعيد معنى لحياته.

ولهذا لا تبدو المسألة في النهاية متعلقة بالمجر وحدها. فالحروب والهزائم والاحتلالات والهجرات والأنظمة القمعية صنعت في أماكن مختلفة من العالم تقاليد أدبية ذات نبرة حزينة أو قلقة، لكن هذه النبرة لم تمنع الأدب من إنتاج الجمال.

وربما تكمن المفارقة الأهم في أن الأدب لا يحوّل المعاناة إلى حزن فحسب؛ بل يحولها إلى تجربة يمكن مشاركتها.. فالقارئ الذي لم يعش الحرب قد يشعر بها في رواية، والذي لم يعرف المنفى قد يقترب منه عبر قصيدة، والذي لم يختبر القمع يمكنه أن يلمس أثره من خلال شخصية روائية.

ما بعد "الكآبة المجرية"


مع خروج المجر من مرحلة أوربان، يواجه المشهد الأدبي سؤالا مزدوجا: كيف يمكن إعادة بناء المؤسسات الثقافية التي تضررت خلال سنوات الاستقطاب؟ وكيف يمكن في الوقت نفسه إعادة تعريف الأدب المجري أمام العالم؟

وقد بدأت بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، من مبادرة جديدة لدعم المترجمين الأدبيين إلى إنشاء نقابة أدبية جديدة، في وقت يطالب فيه ناشرون ومنظمون ثقافيون بإعادة فتح المجال أمام الكتاب المستقلين.

أما بالنسبة إلى القراء الأجانب، فقد يكون المطلوب أيضا التخلي عن الصورة السهلة التي تجعل الأدب المجري مرادفا للظلام واليأس.

فحتى كراسنهوركاي، الذي ارتبط اسمه بعوالم الخراب والانهيار، لا يمكن اختزاله في التشاؤم وحده؛ إذ إن كتابته نفسها تستخدم الخراب مادة لإنتاج شكل جمالي جديد. وتكشف أعماله، كما يرى دارسون، عن علاقة بين الانهيار وإمكان التجدد الفني.

وفي النهاية، ربما لا تكون هناك "كآبة مجرية" بالمعنى الذي يوحي بخصوصية نفسية ثابتة لشعب كامل، وإنما تجربة مجرية للكآبة، تجربة تشكلت بفعل التاريخ والسياسة والذاكرة، ثم وجدت في الأدب وسيلة لتجاوز حدودها.

وهذا ما يجعلها قابلة للفهم في العالم العربي وغيره: لأن القارئ قد لا يعرف تاريخ المجر، لكنه يعرف الحزن، والمنفى، والفقد، والخوف، والرغبة، والبحث عن معنى.