تاريخ الرواية في بريطانيا.. قراءة جديدة في مسار 300 عام من الأدب

من الأفكار اللافتة في الكتاب تشكيك هينشر في جزء كبير مما يوصف عادة بالتجريب الروائي خلال الفترة الممتدة من ستينيات القرن العشرين إلى ثمانينياته.
يقدم الروائي والناقد البريطاني فيليب هينشر في كتابه الجديد "تاريخ الرواية في بريطانيا" قراءة واسعة لمسيرة الرواية الإنجليزية منذ ظهور "روبنسون كروزو" لدانيال ديفو عام 1719 وصولا إلى زادي سميث عام 2000، في عمل يقع في نحو 600 صفحة ويجمع بين البحث النقدي ومتعة القراءة. ويقدم الكتاب، بحسب مراجعة صحيفة "الغارديان"، سردا متصلا لتطور الرواية عبر ثلاثة قرون، بعيدا عن التقسيم الأكاديمي التقليدي الذي يفصل الأدباء والتيارات في جزر منفصلة، مستفيدا في الوقت نفسه من خبرة هينشر كروائي في تحليل تقنيات السرد وأساليب بناء الشخصيات والأصوات الروائية.

ويبدأ هينشر من السؤال الأساسي حول ماهية الرواية، معتبرا أنها لا تقتصر على رواية قصة جيدة، وإنما ينبغي أن تكون هي نفسها قصة جيدة. ومن هذا المدخل ينتقل إلى تاريخ نشأة النوع الروائي وتطوره، متتبعا علاقات التأثير والمواجهة بين الكتاب، والظروف الاقتصادية التي أحاطت بالنشر، والتحولات التي طرأت على تقنيات الكتابة وتلقي الأعمال الأدبية.

من ريتشاردسون إلى فيلدينغ


ويغوص الكتاب في الحياة الأدبية خلال منتصف القرن الثامن عشر، مستعرضا المنافسة بين صامويل ريتشاردسون وهنري فيلدينغ. فقد نشر ريتشاردسون "باميلا" عام 1740، فرد فيلدينغ بعد عام بعمل ساخر بعنوان "شاميلا"، ثم أتبع ذلك برواية "جوزيف أندروز" عام 1742، قبل أن يعود ريتشاردسون إلى الواجهة برواية "تاريخ السير تشارلز غرانديسون" عام 1754، بعد خلافه مع ما اعتبره افتقارا إلى الغاية الأخلاقية في رواية فيلدينغ "توم جونز".

ولا يكتفي هينشر بتتبع الأعمال نفسها، بل يربط بينها وبين ظروف إنتاجها ونشرها، مقدما تحليلا دقيقا للنماذج الاقتصادية التي اعتمد عليها الكتاب.

وكان ريتشاردسون يعمل طابعا قبل أن يصبح مؤلفا، وتمكن من الاحتفاظ بحقوق مؤلفاته، وهو ما منحه هامشا واسعا للتحكم في مساره الأدبي وفي الشكل الذي أراد للرواية الناشئة أن تتخذه. ويتجلى ذلك بصورة خاصة في «كلاريسا» الصادرة عام 1748، وهي رواية ضخمة بلغت نحو مليون كلمة وكتبت بالكامل في شكل رسائل.

أما فيلدينغ فاستفاد من دعم راع وطابع كانا مستعدين لمساندته حتى عندما اتخذ خيارات فنية غير مألوفة، بحسب الكتاب.

الاقتصاد وصناعة النجاح الأدبي


وتولي قراءة هينشر اهتماما لافتا للعلاقة بين النجاح الأدبي والظروف المادية التي تحيط بإنتاج الكتاب. ويستشهد في هذا السياق بجين أوستن، التي باعت روايتها "كبرياء وتحامل" للناشر توماس إجيرتون مقابل مبلغ مقطوع عام 1812، بعدما خسرت ماليا في تجربة "العقل والعاطفة" حين أصرت على الاحتفاظ بحقوق النشر وتحمل تكاليف الطباعة.

لكن الناشر، في الاتفاق الجديد، لم يكن ملزما بإنفاق أكثر من الحد الأدنى على إنتاج الرواية، فصدرت "كبرياء وتحامل» عام 1813 في طبعة صغيرة وعلى ورق رديء إلى حد جعل بعض القراء يصفونها بأنها شبه غير قابلة للقراءة.

ومع ذلك، تجاوزت أوستن هذه العقبة، وإن احتاج الأمر إلى عقود طويلة قبل أن تحظى بمكانتها الراسخة في المؤسسة الأدبية البريطانية؛ إذ لم يبدأ الاعتراف الواسع بعظمتها إلا في أربعينيات القرن العشرين.

إعادة اكتشاف المنسيين


ومن أبرز ما يميز الكتاب، بحسب المراجعة، حرص هينشر على إعادة الاعتبار إلى كتاب وأعمال لم تحظ بمكانتها المستحقة في تاريخ الأدب.

ومن بين هؤلاء هانا مور، التي غالبا ما اختزلت صورتها في كونها كاتبة محافظة مرتبطة بمدارس الأحد، بينما يراها هينشر كاتبة "جميلة ورشيقة". كما يعيد تقييم توبياس سموليت، الذي جرى التعامل معه في العقود الأخيرة بوصفه كاتبا سطحيا أو قليل الطرافة، ليقدمه باعتباره صانعا مبتكرا يتمتع بسيطرة استثنائية على الصوت السردي.

ويمتد هذا الإنصاف إلى أرنولد بينيت، الذي تضررت سمعته الأدبية من الهجوم الشهير الذي شنته عليه فرجينيا وولف عام 1924، إذ يرى هينشر أن روايته «حكاية العجائز» الصادرة عام 1908 تستحق أن تكون ضمن أعظم عشرين رواية باللغة الإنجليزية.

لكن الكاتب لا يمارس النقد من باب المجاملة، بل يوزع أحكامه بقسوة مماثلة على أعمال وكتاب يرى أنهم لم يستحقوا المكانة التي حصلوا عليها. ويصف آن رادكليف، صاحبة الرواية القوطية الشهيرة «ألغاز أودولفو» (1794)، بأنها كاتبة سيئة ببساطة، فيما يرى أن دي إم توماس، المرشح لجائزة بوكر عام 1981 عن "الفندق الأبيض"، يفتقر بصورة واضحة إلى الموهبة. كما يعتبر أن ديفيد لودج لم يبلغ المستوى المطلوب في روايته "تغيير الأماكن" (1975).

هل التجريب الروائي جديد فعلا؟


ومن الأفكار اللافتة في الكتاب تشكيك هينشر في جزء كبير مما يوصف عادة بالتجريب الروائي خلال الفترة الممتدة من ستينيات القرن العشرين إلى ثمانينياته.

فبعض التقنيات التي قدمها الأدب التجريبي بوصفها اكتشافات حديثة لها، في رأيه، جذور أقدم بكثير. واستخدام شخصيات رئيسية بلا أسماء، مثلا، سبقت إليه فاني بورني عام 1814، فيما ظهر أسلوب الكولاج المتقطع في رواية إيفلين وو «أجساد حقيرة» عام 1930، قبل أن يصبح لاحقا علامة على الحداثة الأدبية.

أما الكتابة التي تتأمل فعل كتابة الرواية نفسه، أو ما يعرف بالانعكاسية الذاتية، فيعيد هينشر جذورها إلى هنري فيلدينغ، في قراءة تقلل من ادعاء الجدة الذي رافق كثيرا من التجارب الروائية في القرن العشرين.

نهاية عند زادي سميث


ويتوقف الكتاب عند عام 2000، متناولا أعمال زادي سميث التي يثني هينشر على قدرتها الاستثنائية على التقاط إيقاع الكلام والأصوات اليومية.

ويبرر هينشر عدم مواصلة السرد إلى الرواية المعاصرة جدا بأن إصدار الأحكام النقدية يحتاج إلى مسافة زمنية كافية، إذ يصعب، من وجهة نظره، تقييم الأعمال التي ما زالت قريبة جدا من لحظة إنتاجها والحكم على موقعها النهائي في تاريخ الأدب.

وتمنح هذه المسافة الكتاب طابعا نقديا أكثر تحفظا، رغم اتساع مادته، فلا يتحول إلى قائمة شاملة لكل ما كتب في بريطانيا، وإنما إلى تاريخ انتقائي للرواية يركز على مسارات التأثير والتطور والحوار بين الأعمال.

وفي المحصلة، تبرز قيمة «تاريخ الرواية في بريطانيا» في قدرته على الجمع بين التاريخ الأدبي والنقد ومتعة السرد، مع تقديم صورة للرواية باعتبارها فنا يتطور عبر الحوار والصراع والتأثر المتبادل، لا عبر سلسلة منفصلة من الروائع. ومن ديفو وريتشاردسون وفيلدينغ إلى أوستن ووولف وسواهم، وصولا إلى زادي سميث، يضع هينشر ثلاثة قرون من الرواية في مسار واحد، ويعيد طرح سؤال بسيط لكنه حاسم: ما الذي يجعل الرواية عظيمة، وما الذي يجعلها تستحق أن تبقى حية بعد زمن طويل من كتابتها؟

ماذا أفادت الرواية البريطانية الرواية العربية؟


لا تكتمل قراءة تاريخ الرواية البريطانية من منظور عربي من دون التوقف عند أثر هذا التقليد الروائي في تشكل الرواية العربية الحديثة. فقد كانت الرواية البريطانية، إلى جانب الفرنسية والروسية وغيرها من الآداب الأوروبية، واحدة من القنوات التي تعرف من خلالها الروائيون العرب في القرنين التاسع عشر والعشرين إلى أشكال جديدة في بناء الشخصية والحبكة وإدارة الزمن وتعدد الأصوات السردية. ولم يكن الأمر مجرد انتقال تقنيات جاهزة من أدب إلى آخر، بل كان في كثير من الأحيان عملية إعادة صياغة استجابت لأسئلة المجتمع العربي وتحولاته السياسية والاجتماعية والثقافية.

وقد أتاحت أعمال مثل روايات تشارلز ديكنز وجورج إليوت وجوزيف كونراد وفرجينيا وولف وغيرها للكتاب العرب نماذج مختلفة للتعامل مع المدينة والمجتمع والطبقات والهامش والتحولات الداخلية للشخصية. ومع تطور الترجمة والتعليم والصحافة، انتقلت الرواية البريطانية من كونها أدبا أجنبيا إلى جزء من المكتبة التي ساهمت في تشكيل الذائقة الروائية العربية الحديثة، سواء عبر القراءة المباشرة أو عبر الترجمة والاقتباس والنقد الأدبي.

ويبرز أثر ديكنز خصوصا في الاهتمام بالشخصيات المهمشة والطبقات الاجتماعية والمدينة بوصفها فضاء دراميا، بينما فتحت تقنيات الحداثة الإنجليزية، ولا سيما عند وولف وجيمس جويس، الباب أمام تجارب عربية أكثر جرأة في التعامل مع الزمن والوعي الداخلي وتيار الأفكار وتعدد مستويات السرد. غير أن الروائي العربي لم يتعامل مع هذه التقنيات باعتبارها وصفات جاهزة؛ فقد أعاد توطينها داخل بيئات مختلفة، وحوّلها إلى أدوات لطرح أسئلة الاستعمار والهوية والطبقة والسلطة والذاكرة والتحولات الاجتماعية.

ومن هنا يمكن النظر إلى العلاقة بين الروايتين البريطانية والعربية باعتبارها علاقة تفاعل لا تبعية. فالرواية العربية استفادت من تراكم فني طويل في الرواية البريطانية، لكنها لم تتوقف عند استيراد أشكالها. لقد أعادت إنتاج بعضها بما يلائم تجاربها التاريخية، وهو ما يفسر قدرة الرواية العربية الحديثة على الجمع بين تقنيات سردية ذات جذور عالمية وموضوعات وأسئلة محلية شديدة الخصوصية.

وربما تكمن إحدى أهم فوائد قراءة تاريخ الرواية البريطانية اليوم في اكتشاف أن كثيرا من التقنيات التي تبدو حديثة أو تجريبية لها جذور ممتدة في تاريخ الرواية، وهو ما يطرح السؤال نفسه على الرواية العربية: إلى أي حد كانت بعض أشكال التجديد فيها امتدادا لتقاليد روائية عالمية، وإلى أي حد استطاعت أن تحول هذه التقاليد إلى ابتكارات خاصة بها؟

بهذا المعنى، فإن تاريخ الرواية البريطانية لا يخص الأدب البريطاني وحده. إنه جزء من التاريخ الأوسع لتبادل الأشكال السردية بين الآداب، ومنه يمكن فهم جانب من الطريقة التي انتقلت بها الرواية العربية من محاولات التأسيس الأولى إلى تجارب أكثر تعقيدا في الشكل واللغة والرؤية.