استنفار غير مسبوق للدعم السريع في نيالا على وقع الانشقاقات

حركة انشقاقات واسعة في صفوف الدعم السريع مؤخرا- جيتي
تتسارع وتيرة التطورات الميدانية والسياسية في المشهد السوداني بشكل لافت، فبينما تحكم قوات الدعم السريع قبضتها الأمنية على مدينة نيالا في ولاية جنوب دارفور عبر أوسع استنفار عسكري تشهده المدينة منذ سقوطها، تتهاوى تحصيناتها في محاور أخرى تحت وطأة انشقاقات جماعية وضربات متلاحقة للجيش السوداني.

وعلى وقع هذه التحركات العسكرية والتطورات الميدانية يدفع المدنيون العزل الفاتورة الأكبر، حيث تتفاقم أزمة النزوح في أقاليم كردفان والنيل الأزرق وسط ظروف إنسانية كارثية زادها دخول موسم الأمطار تعقيدا وقسوة.

استنفار غير مسبوق 


وتشهد مدينة نيالا التي تمثل ثاني كبريات مدن السودان كثافة سكانية منذ يومين استنفارا أمنيا هو الأكبر منذ أن سقطت في يد قوات الدعم السريع أواخر أكتوبر 2023 بعد معارك ضارية مع الجيش.

ورغم أن الاستنفار يأتي في ظل واقع أمني منفلت طغت عليه عمليات النهب والاختطاف، لكن طبيعة الانتشار الصارم والقيود المفروضة على حركة المواطنين توحي بأن غاية هذا التحشيد تتجاوز ردع المتفلتين، إلى استعدادات لمعارك أو تحصينا للإقليم.


واستيقظ سكان أحياء عدة في نيالا، ومنها حي "الوادي" صباح الأربعاء على انتشار مكثف للقوات الخاصة التابعة للدعم السريع، وقد طوقت هذه الشوارع الرئيسية، وتقاطعات الطرق الحيوية، والمباني السياسية والتنفيذية، معززة بالمدرعات والسيارات المصفحة، وسط عمليات تفتيش دقيقة وحملات أمنية مشتركة غير مسبوقة.

عملية تطبخ في الخفاء 


وتشير مصادر صحفية إلى احتمال وجود قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف بـ"حميدتي" شخصيا في نيالا، خاصة بعد ظهوره الأخير متفقدا للمستشفيات الميدانية وجرحى قواته في المدينة. 

ويثير التضييق على حركة التنقل والاتصالات، ولا سيما ملاحقة مستخدمي أجهزة "ستارلينك" الفضائية بحجة التخابر مع الجيش توجسا عميقا في الشارع من أن هذا التحشيد قد يكون تحضيرا لعمليات عسكرية كبرى تطبخ في الخفاء، أو تحسبا لهجوم وشيك من خارج الولاية، خصوصا مع تأكيدات من الجيش السوداني أن بسط سيطرته على كامل التراب الوطني بات قريبا.

نزيف الانشقاقات 


في موازاة التحشيد في دارفور، ترتسم ملامح مغايرة في ولايات شمال وغرب كردفان والولاية الشمالية، حيث تتوالى الضربات الموجعة لقوات الدعم السريع ليس فقط عبر الاستنزاف في المعارك، بل عبر تصدع جبهتها الداخلية.

وفي آخر فصول نزيف الانشقاقات الذي بدأ قبل أسابيع سلمت مجموعات مقاتلة تابعة للدعم السريع نفسها بعتادها الكامل للجيش السوداني.

ففي ولاية شمال كردفان والمناطق المتاخمة، سلمت قوة قوامها 50 عربة قتالية نفسها اليوم الأربعاء للقوات المسلحة.

وتكرر المشهد في مدينة الدبة بالولاية الشمالية، حيث أعلن العقيد محمد صالح يونس، قائد قوات حرس الحدود، استسلام قوة ضاربة تضم 318 فردا بقيادة أربعة ضباط ميدانيين تتراوح رتبهم بين نقيب ومقدم.

وقبل فترة أعلنت مجموعات كبيرة من قيادات وعناصر "الدعم السريع" انشقاقها وانضمامها إلى صفوف الجيش السوداني، أبرزهم المستشار السياسي فارس النور إبراهيم، واللواء النور أحمد آدم (النور القبة)، ومسؤول عمليات محور بارا بشارة الهويرة، بالإضافة إلى القيادي في ولاية الجزيرة أبو عاقلة كيكل، وأحمد محمد حامد خليفة، الحاكم المُعيّن لإقليم كردفان من طرف قوات الدعم السريع.

محاولات "فاشلة"


ورغم محاولات الدعم السريع حشد قواتها في التخوم الشمالية الغربية لولاية شمال كردفان، وشن هجمات باستخدام الطائرات المسيرة لاستعادة الأراضي التي خسرتها مؤخرا، إلا أن هذه المساعي باءت بالفشل.

ويعزو متابعون ذلك إلى الكثافة العددية للجيش والقوات المساندة له في تلك المناطق، فضلا عن الغطاء الجوي الكثيف الذي يحيد أي تجمعات للدعم السريع المهاجمة، وحصوله على معدات عسكرية باكستانية الصنع مدرعات تمتاز بالخفة وسرعة الحركة طائرات ومسيّرة للاستطلاع والهجوم من طرازات متعددة، أبرزها مسيّرات "شاهبار".

وبدى واضحا خلال الأسابيع الأخيرة أن الجيش السوداني بات يمتلك زمام المبادرة والمناورة في غالبية المحاور.

وتأتي هذه التطورات الميدانية بالتزامن مع النبرة التصعيدية لرئيس هيئة الأركان، الفريق أول ياسر العطا، الذي قطع الطريق أمام أي مسارات تفاوضية أو هدن مؤقتة.

فقد تحدث العصا في تصريحات صحفية عن قرب إعلان "تحرير كامل التراب السوداني"، مؤكدا أن الخيارات المتاحة أمام الخصم باتت محدودة.

تدهور الأوضاع المعيشية


تستمر المآسي الإنسانية جراء التصعيد العسكري في السودان، ففي إقليم كردفان، أطلقت منظمتا "مناصرة ضحايا دارفور" و"الأمل والملاذ للاجئين" نداءات استغاثة عاجلة لوقف التدهور المروع في الأوضاع المعيشية.

وأجبرت العمليات العسكرية المندلعة منتصف أغسطس الجاري في محلية شيكان نحو 4250 مدنيا على الفرار من قرى "أم عرادة"، "تُميد"، و"الخور الأبيض".

واضطرت هذه العائلات، التي تشكل النساء والأطفال وكبار السن السواد الأعظم منها، إلى اللجوء لمناطق داخل شيكان أو خوض رحلة محفوفة بالمخاطر نحو مدينة أم درمان، هربا من جحيم المعارك والارتفاع الجنوني في أسعار الغذاء، وسط تحذيرات من كارثة صحية مع دخول موسم الخريف.

أما في جنوب البلاد، وتحديدا في إقليم النيل الأزرق، فالوضع ليس أقل قتامة، فقد رصدت "شبكة أطباء السودان" تدفق أكثر من خمسة آلاف نازح من مدينة "قيسان" صوب "الدمازين" وسط أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة.

وقالت الشبكة الطبية المستقلة في بيان إن النازحين يعانون نقصا حادا في الغذاء والدواء ومواد الإيواء، "بما يهدد حياتهم ويزيد من معاناتهم، خاصة الأطفال والنساء وكبار السن".

وحذرت الشبكة من تفاقم الأوضاع الإنسانية والصحية للنازحين في ظل الأمطار الغزيرة التي تشهدها الولاية، وما قد يترتب عليها من مخاطر صحية وبيئية، في ظل محدودية الموارد والقدرات المتاحة للاستجابة للاحتياجات المتزايدة.

وتتصاعد المخاوف الطبية من تفشي الأمراض الوبائية وسط مخيمات وتجمعات النازحين المكشوفة للأمطار الغزيرة، في ظل عجز واضح في الموارد وشبه غياب للمنظمات الإغاثية الدولية التي وجهت لها نداءات متكررة للتدخل الفوري وتأمين مسارات آمنة لإيصال المساعدات.

هجمات مشتركة 


وجاءت موجة النزوح هذه عقب هجمات مشتركة شنتها قوات الدعم السريع بالتنسيق مع حليفتها "الحركة الشعبية - جناح عبد العزيز الحلو" على مدينة قيسان.


وقبل يومين أعلنت محافظة قيسان تصدي الجيش السوداني لهجوم شنته قوات الدعم السريع و"الحركة الشعبية-شمال" المتحالفة معها على مدينة قيسان الحدودية مع إثيوبيا.

ويسيطر الجيش السوداني على أجزاء واسعة من ولاية النيل الأزرق، بينما تقاتل "الحركة الشعبية-شمال" الحكومة منذ عام 2011، مطالبة بحكم ذاتي لإقليمي جنوب كردفان والنيل الأزرق.

تجدر الإشارة إلى أنه منذ نيسان/أبريل 2023، يخوض الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" حرباً أسفرت، بحسب تقديرات أممية، عن مقتل الآلاف، ونزوح نحو 13 مليون شخص، فيما تسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.