تحل اليوم الجمعة الذكرى الـ57 لإحراق المسجد
الأقصى في مدينة القدس المحتلة، وسط تحولات متسارعة في طبيعة
الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد، وتصاعد ممارسة الطقوس اليهودية العلنية داخل باحاته، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الفلسطينية والأردنية من محاولة تغيير "الوضع التاريخي والقانوني القائم" في أولى القبلتين وثالث الحرمين.
وتأتي الذكرى هذا العام في ظل تطورات شهدها المسجد خلال 2026، شملت السماح بإدخال أوراق الصلاة ثم كتب الصلاة اليهودية الكاملة، إلى جانب أداء صلوات جماعية والسجود والرقص ورفع أعلام إسرائيلية داخل باحات المسجد تحت حماية الشرطة، فضلا عن ارتفاع أعداد المستوطنين المقتحمين.
حريق 1969.. شرارة أطلقت غضبا إسلاميا
في 21 آب/أغسطس 1969، أقدم الأسترالي مايكل دينيس روهان على إشعال النار في المصلى القبلي بالمسجد الأقصى، ما تسبب في أضرار واسعة طالت أجزاء من السقف والقبة والجدران والزخارف والنوافذ.
وامتدت النيران إلى عدد من المعالم التاريخية داخل المسجد، بينها مسجد عمر ومحراب زكريا ومقام الأربعين، قبل أن يتمكن فلسطينيون وفرق إطفاء قدمت من القدس ومدن أخرى في الضفة الغربية من السيطرة على الحريق.
وألقت السلطات الإسرائيلية القبض على روهان بعد يومين من الحادث، وقال خلال التحقيقات إنه أقدم على فعلته بدوافع دينية مرتبطة بفكرة إعادة بناء ما يسمى "الهيكل".
وفي كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، قضت محكمة إسرائيلية بعدم مسؤوليته الجنائية، بدعوى معاناته من اضطرابات نفسية، وأمرت بإيداعه مؤسسة للعلاج.
وأثار الحريق موجة غضب واسعة في العالمين العربي والإسلامي، وأعقبه عقد أول قمة إسلامية في الرباط خلال أيلول/سبتمبر 1969، وهي القمة التي شكلت محطة مهمة على طريق تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي، التي تعرف حاليا باسم منظمة التعاون الإسلامي.
من أوراق الصلاة إلى الطقوس العلنية
وبعد أكثر من خمسة عقود على الحريق، باتت المخاوف المتعلقة بالمسجد الأقصى تتركز على ما تعتبره جهات فلسطينية وأردنية تغييرا تدريجيا في طبيعة الاقتحامات وما يسمح به داخل الباحات.
وفي 21 كانون الثاني/يناير 2026، سمحت قوات
الاحتلال للمرة الأولى بإدخال أوراق تتضمن نصوصا للصلاة اليهودية إلى المسجد، بعد أن كانت الطقوس الدينية لغير المسلمين محظورة ضمن الترتيبات المعمول بها.
وخلال الأشهر التالية، اتسعت الممارسات لتشمل صلوات جماعية وسجودا ورقصا داخل الباحات، تحت حماية قوات الاحتلال الإسرائيلي.
وفي 28 شباط/فبراير، أغلقت قوات الاحتلال المسجد أمام المصلين بالتزامن مع اندلاع الحرب مع إيران، قبل إعادة فتحه في 9 نيسان/أبريل، في أطول إغلاق للمسجد منذ احتلال القدس عام 1967، وفق محافظة القدس.روقالت المحافظة إن 25 ألفا و604 مستوطنين اقتحموا المسجد خلال النصف الأول من العام، إلى جانب 24 ألفا و912 شخصا دخلوا تحت غطاء ما يسمى "السياحة".
كما رصدت خلال الفترة ذاتها مظاهر دينية يهودية علنية داخل الباحات، بينها الرقص والسجود والنفخ في البوق ورفع الأعلام الإسرائيلية، إلى جانب تمديد ساعات الاقتحام لتصل إلى ست ساعات ونصف يوميا.
وخلال عيد الفصح اليهودي مطلع نيسان/أبريل، سجلت سبع محاولات لإدخال ما يسمى "قربان الفصح" الحيواني إلى المسجد، فضلا عن محاولة لإدخال قربان نباتي إلى صحن قبة الصخرة.
اقتحام جماعي غير مسبوق
وفي 23 تموز/يوليو الماضي، شهد المسجد واحدة من أكبر موجات الاقتحام خلال العام، بعدما دخل 4248 مستوطنا بالتزامن مع ما يسمى "ذكرى خراب الهيكل"، بحسب محافظة القدس.
وشملت قائمة المقتحمين وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، إلى جانب مسؤولين وأعضاء في الكنيست وحاخامات. من جهتها، قالت دائرة الأوقاف الإسلامية إن 3 الاف و228 مستوطنا اقتحموا المسجد خلال الفترة الصباحية وحدها.
وتخللت الاقتحامات صلوات جماعية وسجود ورفع أعلام إسرائيلية داخل الباحات، بحماية الشرطة.
وأدان الأردن تلك الاقتحامات، واعتبرها "انتهاكا صارخا" للوضع التاريخي والقانوني القائم و"تدنيسا" لحرمة المسجد.
ويؤكد الأردن أن المسجد الأقصى، الواقع على مساحة 144 دونما، مكان عبادة خالص للمسلمين، وأن أوقاف القدس التابعة له هي الجهة صاحبة الاختصاص في إدارة شؤونه وتنظيم الدخول إليه.
من أوراق الصلاة إلى "السيدور"
وفي 16 آب/أغسطس، سمحت قوات الاحتلال الإسرائيلي بإدخال كتب الصلاة اليهودية الكاملة المعروفة باسم "السيدور" إلى المسجد، بعدما اقتصر السماح منذ كانون الثاني/يناير على إدخال أوراق تتضمن نصوصا للصلاة.
وفي اليوم نفسه، قال مركز معلومات وادي حلوة إن 179 مستوطنا اقتحموا المسجد، وأدى بعضهم طقوسا دينية علنية، فيما حمل آخرون كتب الصلاة واستخدموا أفرشة خلال أداء الصلاة والسجود.
وبعد يومين، اعتبرت دائرة شؤون القدس في منظمة التحرير الفلسطينية الخطوة "تصعيدا نوعيا وخطيرا"، وقالت إن الممارسات الإسرائيلية داخل المسجد انتقلت، وفق توصيفها، من طقوس صامتة إلى السجود والصلوات الجماعية ثم إدخال كتب الصلاة الكاملة.
ما هو "الوضع القائم" في الأقصى؟
منذ احتلال إسرائيل القدس عام 1967، استمرت دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن في إدارة الشؤون الدينية للمسجد الأقصى، بينما تولت الشرطة الإسرائيلية السيطرة على مداخله ومحيطه.
وبموجب الترتيبات المعمول بها، يسمح لغير المسلمين بزيارة المسجد في أوقات محددة، فيما تقتصر العبادة داخله على المسلمين. كما نصت معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية الموقعة عام 1994 على احترام "الدور الخاص" للأردن في المقدسات الإسلامية في القدس.
ومنذ عام 2003، سمحت قوات الاحتلال باقتحامات غير المسلمين للمسجد خمسة أيام في الأسبوع. لكن السنوات الأخيرة شهدت تراجعا تدريجيا في القيود المفروضة على ممارسة الشعائر اليهودية داخل باحات المسجد، ولا سيما منذ تولي إيتمار بن غفير وزارة الأمن القومي المشرفة على الشرطة.
وفي كانون الثاني/يناير 2026، قال رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن الإجراءات التي اتخذها بن غفير داخل المسجد "لا تغير الوضع القائم" وإنها منسقة معه.
في المقابل، ترى مؤسسات فلسطينية والأردن أن السماح بالصلاة والسجود وإدخال الأدوات والكتب الدينية يمثل تغييرا فعليا في الترتيبات التي حكمت المسجد لعقود.
محطات دامية ارتبطت بالأقصى
ظل المسجد الأقصى على مدى العقود الماضية بؤرة متكررة للتوتر والمواجهات، وشكلت التحولات المرتبطة بوضعه محطات رئيسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ففي 8 تشرين الأول/أكتوبر 1990، اندلعت مواجهات بعدما حاولت جماعة "أمناء جبل الهيكل" وضع حجر أساس لما تسميه "الهيكل الثالث"، وأسفرت المواجهات عن مقتل ما بين 17 و21 فلسطينيا وإصابة أكثر من 150، وفقا لتقرير أممي.
وفي أيلول/سبتمبر 1996، اندلعت ما عرفت بـ"هبة النفق" عقب افتتاح الاحتلال مدخلا جديدا لنفق بمحاذاة الجدار الغربي للمسجد الأقصى، وأسفرت المواجهات عن استشهاد 65 فلسطينيا وإصابة نحو 1300.
وفي 28 أيلول/سبتمبر 2000، اقتحم زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك أرييل شارون باحات المسجد بحماية أمنية، في خطوة شكلت شرارة اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، المعروفة باسم "انتفاضة الأقصى".
واستمرت الانتفاضة نحو خمس سنوات، وأسفرت، وفقا لأرقام رسمية، عن استشهاد 4412 فلسطينيا وإصابة 48 ألفا و322 آخرين.
وبعد 57 عاما على الحريق، لا تقتصر المخاوف بشأن الأقصى على تكرار سيناريو الاعتداءات المباشرة، بل تتجه بصورة متزايدة إلى ما تعتبره جهات فلسطينية وأردنية تغييرا تدريجيا في قواعد التعامل مع المسجد، عبر توسيع نطاق الاقتحامات والسماح بطقوس وأدوات دينية كانت محظورة وفق الترتيبات السابقة.