أعلنت وزارة الدفاع
الجزائرية تقديم هبة عسكرية جديدة إلى
النيجر، تشمل أربع مروحيات وذخائر وقطع غيار وتجهيزات للدعم والصيانة، في خطوة تعكس اتجاها متسارعا نحو تعزيز التعاون الأمني والعسكري بين البلدين، بعد مرحلة من التوتر الدبلوماسي التي شهدتها علاقاتهما خلال العام الماضي.
وقالت وزارة الدفاع الجزائرية، في بيان الأحد، إن الهبة جاءت تنفيذا لتعليمات الرئيس عبد المجيد
تبون، القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع الوطني، وتشمل مروحيتين من طراز "مي-24 في" ومروحيتين من طراز "مي-171".
وبحسب الوزارة، أقلعت المروحيات من قاعدة الانتشار الثانوية في عين قزام، أقصى جنوب الجزائر، باتجاه مطار نيامي في النيجر، فيما جرى نقل الذخائر الخاصة بها على متن طائرة نقل عسكرية تابعة للقوات الجوية الجزائرية، إلى جانب قطع الغيار ومعدات الإسناد والصيانة والدعم اللوجستي.
وأكدت وزارة الدفاع أن الخطوة تأتي في إطار ما وصفته بتعزيز العلاقات "الاخوية والتاريخية" بين الجزائر والنيجر، ودعم دول المنطقة في مجالات الدفاع والأمن وتبادل الخبرات، مشيرة إلى استمرار الجزائر في جهودها، بالتنسيق مع شركائها، لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.
هبة عسكرية في توقيت أمني حساس
وتأتي الخطوة الجزائرية في ظل تحديات أمنية متزايدة تواجه منطقة الساحل، حيث تشهد النيجر نشاطا مستمرا لجماعات مسلحة، بالتزامن مع إعادة ترتيب دول المنطقة لتحالفاتها الأمنية والعسكرية.
ويمنح إدخال المروحيات الجديدة للجيش النيجري قدرات إضافية في مجالات المراقبة والدعم الجوي والعمليات الميدانية، فضلا عن توفير قطع الغيار والتجهيزات التي تحتاجها القوات للحفاظ على جاهزية المعدات العسكرية.
وتكتسب الخطوة أهمية أكبر بالنظر إلى الموقع الجغرافي للنيجر، التي تشترك مع الجزائر في حدود صحراوية طويلة، تجعل التعاون الأمني بين البلدين جزءا من منظومة أوسع مرتبطة بأمن الحدود ومكافحة الجماعات المسلحة والنشاطات غير النظامية في منطقة الساحل.
وفي هذا السياق، تتولى الجزائر خلال شهر آب/أغسطس 2026 الرئاسة الدورية لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، وتؤكد رئاستها للمجلس أهمية دعم السلم والاستقرار في القارة والتسوية السلمية للنزاعات وتعزيز التعاون الإفريقي المشترك.
من التوتر إلى إعادة بناء الثقة
ولا يمكن فصل الهبة العسكرية عن المسار الذي شهدته العلاقات الجزائرية - النيجرية خلال الأشهر الماضية، بعدما مرت بفترة من الفتور على خلفية عدد من الملفات السياسية والأمنية.
وكان انقلاب تموز/يوليو 2023 في النيجر قد وضع الجزائر أمام معادلة معقدة، إذ تمسكت في بداية الأزمة بمسار سياسي يفضي إلى استعادة النظام الدستوري، بينما واصلت السلطات العسكرية في نيامي إدارة المرحلة الانتقالية وفق رؤيتها الخاصة.
وتفاقمت التوترات لاحقا على خلفية ملفات أمنية وإقليمية، قبل أن يبدأ مسار تدريجي لإعادة العلاقات إلى طبيعتها.
وفي هذا السياق، زار رئيس الوزراء الجزائري سيفي غريب النيجر في حزيران/يونيو 2026 بتكليف من الرئيس عبد المجيد تبون، في زيارة قالت وكالة الأنباء الجزائرية إنها تندرج في إطار تعزيز علاقات الأخوة والتعاون والشراكة بين البلدين.
كما استقبل تبون في حزيران/يونيو وفدا وزاريا من النيجر، في مؤشر آخر على عودة الاتصالات الرسمية بين البلدين.
ولم يقتصر التقارب على المجال الأمني، إذ قال وزير البترول النيجري حامادو تيني، خلال زيارة إلى الجزائر في حزيران/يونيو٬ إن علاقات التعاون بين البلدين وصلت إلى مستوى وصفه بـ"غير المسبوق والاستراتيجي"، مشيدا خصوصا بالمشاريع التي تنفذها الجزائر في بلاده.
الكهرباء والطاقة بوابة أخرى للتقارب
بالتوازي مع التعاون العسكري، توسعت العلاقات الجزائرية - النيجرية لتشمل مشاريع الطاقة والبنية التحتية.
وكانت الجزائر قد أنجزت محطة لتوليد الكهرباء في العاصمة نيامي بقدرة 40 ميغاواط، ضمن مشروع قدمته الجزائر للنيجر، وهو ما أشادت به السلطات النيجريّة باعتباره أحد مظاهر التعاون بين البلدين.
كما أجرى رئيس الوزراء الجزائري زيارة رسمية إلى النيجر في حزيران/يونيو٬ في إطار دفع التعاون والشراكة الثنائية.
وتتجاوز أهمية هذه المشاريع الجانب الاقتصادي المباشر، إذ تمنح الجزائر حضورا متزايدا في واحدة من أكثر مناطق القارة حساسية، وتفتح المجال أمام تعاون طويل الأمد في الطاقة والنقل والأمن.
الغاز والطريق العابر للصحراء
ويشكل مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء أحد أبرز الملفات الاستراتيجية التي تجمع الجزائر والنيجر ونيجيريا، إلى جانب الطريق العابر للصحراء الذي يربط الجزائر بعدد من دول الساحل وغرب إفريقيا.
وتسعى الجزائر إلى توظيف موقعها الجغرافي بوابة نحو أوروبا، فيما يمثل التعاون مع النيجر جزءا من تصور أوسع لربط شمال إفريقيا بمنطقة الساحل عبر مشاريع الطاقة والنقل.
وفي تموز/يوليو 2026، وجه الرئيس عبد المجيد تبون تعليمات إلى وزير الدولة للشؤون الخارجية أحمد عطاف للإشراف على لجنة قطاعية تتولى متابعة تنفيذ اتفاقيات التعاون الثنائية المبرمة مع النيجر وتشاد، في خطوة تعكس اهتمام الرئاسة الجزائرية بتسريع تنفيذ المشاريع المشتركة.
أمن الحدود في صدارة الحسابات
ويفرض الموقع الجغرافي للبلدين تعاونا أمنيا مستمرا، إذ تمتد الحدود الجزائرية - النيجرية لمسافة تقارب ألف كيلومتر في منطقة صحراوية شديدة الحساسية.
وتتقاطع على هذه الحدود تحديات متعددة، بينها نشاط الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، وتهريب الأسلحة والبشر والسلع، إضافة إلى الهجرة غير النظامية.
ومن ثم، فإن تعزيز التعاون العسكري لا ينفصل عن حاجة البلدين إلى تطوير آليات مراقبة الحدود وتبادل المعلومات والخبرات، خصوصا في ظل التحولات الأمنية التي تشهدها منطقة الساحل منذ الانقلابات العسكرية التي شهدتها مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
أزمة الطائرة المسيّرة.. كيف بدأت القطيعة؟
وقبل عودة التقارب، مرت العلاقات الجزائرية - النيجرية بأزمة على خلفية حادثة الطائرة المسيّرة المالية في نيسان/أبريل 2025.
وكانت الجزائر قد أعلنت إسقاط طائرة مسيّرة مالية بعد دخولها مجالها الجوي قرب الحدود، الأمر الذي أثار أزمة مع مالي، قبل أن تتخذ النيجر وبوركينا فاسو موقفا متضامنا مع باماكو.
وتحول الخلاف إلى أزمة دبلوماسية أوسع، قبل أن تبدأ العلاقات مع النيجر لاحقا مسارا تدريجيا نحو التهدئة.
ويبدو أن التطورات اللاحقة أظهرت أن المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة فرضت إعادة فتح قنوات الحوار، خصوصا أن البلدين يشتركان في حدود واسعة ومصالح متداخلة في ملفات الطاقة والنقل ومكافحة الجماعات المسلحة.
شراكة تتجاوز الهبة العسكرية
وتشير الهبة العسكرية الأخيرة إلى أن التقارب بين الجزائر والنيجر لم يعد محصورا في الاتصالات السياسية، بل يتجه نحو تعاون عملي متعدد المستويات.
فالجزائر لا تقدم للنيجر معدات عسكرية فحسب، بل تربط التعاون الأمني بمشاريع في الكهرباء والطاقة والبنية التحتية، بينما تمنحها نيامي موقعا مهما في معادلة أمن الساحل.
ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه الجزائر إلى تعزيز حضورها الإفريقي، بالتوازي مع رئاستها لمجلس السلم والأمن الإفريقي، وهو ما يمنح ملف الساحل أولوية إضافية في سياستها الإقليمية.
وفي المقابل، تحتاج النيجر إلى شركاء إقليميين قادرين على تقديم الدعم العسكري واللوجستي والتنموي في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجهها.
وبذلك، تبدو المروحيات الأربع جزءا من مسار أوسع لإعادة صياغة العلاقة بين الجزائر ونيامي، من مرحلة التوتر والحسابات الدبلوماسية إلى شراكة تقوم على الأمن والطاقة والبنية التحتية والمصالح المشتركة.