نشرت صحيفة نيوزويك
تقريرا تناولت فيه ما وصفته بالنجاح النسبي الذي حققته
إيران في مواجهة الحرب التي شنتها
الولايات المتحدة ودولة
الاحتلال قبل ستة أشهر، مشيرة إلى أن السلاح النووي قد لا يكون في نهاية المطاف الأداة الأكثر فعالية في ترسانة الجمهورية الإسلامية، مقارنةً بقدرتها على استخدام نفوذها في مضيق هرمز والتأثير في حركة التجارة العالمية.
وبحسب التقرير، دخلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب الصراع وهي تركز على البرنامج النووي الإيراني، الذي لطالما نفى المسؤولون الإيرانيون أنه كان يهدف إلى إنتاج قنبلة نووية، كما تشير الروايات الواردة في التقرير إلى أن البرنامج لم يكن موجهاً لهذا الهدف، إلا أن العامل الأكثر تأثيراً خلال فترة الحرب تمثل، وفقاً لنيوزويك، في قدرة طهران على توظيف نفوذها على مضيق هرمز، الأمر الذي تسبب في اضطرابات واسعة النطاق في تجارة الطاقة العالمية.
وأوضح التقرير أن التداعيات الاقتصادية لهذا الأمر كانت واسعة، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة، حيث بدأ المستهلكون يشعرون بإحباط متزايد تجاه هذا التدخل الذي كان غير محبوب أصلاً. وأضاف أن قرار ترامب إلغاء جولة جديدة من الضربات التي كان قد وعد بها ووصفها بأنها "أكبر هجوم منذ الحرب العالمية الثانية"، قد يجعل من سيطرة طهران على أحد أهم الممرات البحرية في العالم سلاحاً أكثر فتكاً من الذخائر النووية التي أدخلتها الولايات المتحدة إلى ساحة المعركة للمرة الأولى والوحيدة عام 1945.
ونقلت نيوزويك عن جوشوا تاليس، المسؤول السابق رفيع المستوى في البحرية الأمريكية، والذي يشغل حالياً منصب مدير برنامج شؤون الأمن للحلفاء والشركاء في مركز التحليلات البحرية، قوله إن قدرة إيران على إلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي "هي، من بعض النواحي، سلاح أقوى من القنبلة النووية".
سلاح منخفض التكلفة وفعال
وأشار التقرير إلى أن إيران لطالما هددت بإغلاق مضيق هرمز في حال اندلاع مواجهة عسكرية شاملة، وأن هذه التهديدات تعود إلى فترة حربها مع العراق خلال ثمانينيات القرن الماضي، وهي الحرب التي شكّلت نقطة تحول في العقيدة العسكرية للجمهورية الإسلامية، قبل أن تكتسب هذه التهديدات زخماً جديداً مع تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي لعام 2015 خلال ولايته الأولى عام 2018.
وأضافت "نيوزويك" أن هذا الخطاب الإيراني أصبح الآن واقعاً عملياً، وأن الآثار طويلة الأمد المحتملة لهذا التطور بدأت بالظهور فقط. ورغم أن تحركات طهران قد لا تمتلك مستوى الردع العسكري المباشر الذي توفره القوة النووية، فإن المفهوم الذي ساد طويلاً بشأن اعتبار الأسلحة النووية شكلاً من أشكال الحصانة المطلقة من الهجوم بدأ، بحسب التقرير، في التراجع.
وبين التقرير أن الولايات المتحدة اختبرت هذا الأمر بشكل مباشر، إذ تعرضت قواعدها في الشرق الأوسط لهجمات منتظمة من إيران ضمن إطار الحرب غير المتكافئة، في مشهد شبّهه التقرير بوضع روسيا التي تواجه هجمات يومية من أوكرانيا خلال الحرب التي شنتها موسكو قبل أربع سنوات ونصف.
ووفقاً لنيوزويك، فقد برز استخدام خنق التجارة العالمية عبر ممر مائي حيوي يقع قبالة السواحل الإيرانية كسلاح أكثر قابلية للتطبيق، وربما أكثر فعالية بالنسبة لطهران، خصوصاً أنه يمكن استخدامه دون التعرض لمستوى التدقيق الدولي شبه الشامل المرتبط بأسلحة الدمار الشامل التقليدية.
وأوضح التقرير أن النتيجة تمثلت في حملة منخفضة التكلفة لكنها مدمرة، بدأت تستنزف مخزونات الولايات المتحدة من الذخائر المتطورة باهظة الثمن، في الوقت الذي تشير فيه التقارير إلى أن إيران تعيد بناء قدراتها الخاصة، الأقل تكلفة نسبياً، بوتيرة أسرع مما كان متوقعا.
وقال تاليس، وفقا لما نقلته نيوزويك: "باستخدام أسلحة قليلة نسبياً وغير مكلفة، تُحدث الضربات الإيرانية على السفن التجارية تأثيراً متسلسلاً في جميع أنحاء النظام التجاري العالمي، حيث تعيد شركات الشحن وشركات التأمين والبحارة تقييم مخاطر العبور. ولأن الأضرار الجانبية محدودة ومحصورة في عرض البحر، بينما تكون العواقب عالمية وواضحة، فإن إيران تجني مكاسب استراتيجية كبيرة بأقل تكلفة ممكنة على سمعتها".
وأضاف تاليس أن هذا الأمر "يجعل نفوذ إيران على حركة المرور في مضيق هرمز أكثر قبولاً من الناحية السياسية من استخدام سلاح نووي، وأكثر صعوبة بكثير بالنسبة للولايات المتحدة لمواجهته عسكرياً أو بشكل متناسب".
قيادة الحوار
وتابع تقرير نيوزويك أن شعور إيران بتحقيق نجاح في تكتيكاتها المرتبطة بمضيق هرمز أدى إلى زيادة تعقيد الجهود الأمريكية على طاولة المفاوضات. ففي الوقت الذي عاد فيه البيت الأبيض إلى المسار الدبلوماسي، وأشار الرئيس دونالد ترامب مجددا إلى إمكانية التوصل إلى اتفاق "وشيك" يوم الاثنين، نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي وجود أي خطط لإجراء محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة.
وأشار بقائي، بحسب التقرير، إلى أن المسؤولين الإيرانيين كانوا يجرون محادثات مباشرة مع ممثلي سلطنة عُمان بهدف "التوصل إلى تفاهم بشأن مسار يضمن أمن مرور السفن عبر مضيق هرمز".
وأوضح التقرير أن سلطنة عُمان، التي تقع شبه جزيرة مسندم التابعة لها مباشرة مقابل مضيق هرمز من الساحل الجنوبي لإيران، برزت كطرف رئيسي في الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية.
وأضاف أن السلطنة، المعروفة بسياسة الحياد التي تتبعها، اقترحت نظام رسوم "طوعية" مماثلاً للترتيبات القائمة في مضيق ملقا ومضيق سنغافورة، بحيث تساهم الدول في أمن مضيق هرمز واستدامته.
وفي هذا السياق، أشار جوشوا تاليس إلى أنه سواء تم التوصل إلى مثل هذا الاتفاق أم لا، فإن "قدرة إيران على تغيير طبيعة الحرب لتصبح حرباً تتعلق أساساً بمستقبل مضيق هرمز تشكل تحدياً خطيراً لسمعة الولايات المتحدة".
وأضاف التقرير أن هذا التحدي يزداد تعقيداً بسبب تحركات أحد أبرز حلفاء إيران ضمن ما يعرف بمحور المقاومة، وهي جماعة أنصار الله اليمنية، المعروفة أيضاً باسم حركة الحوثيين.
وأوضح التقرير أن جماعة أنصار الله، حتى قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي بدأت في فبراير، كانت قد أظهرت قدرتها على التأثير في التجارة البحرية من خلال حملة استهدفت في الأساس حركة الشحن عبر البحر الأحمر، وذلك رداً على الحرب بين إسرائيل وحماس التي أشعلت أزمة الشرق الأوسط الحالية لأول مرة في أكتوبر 2023.
وبحسب نيوزويك، أدت هذه الهجمات إلى انخفاض حركة الشحن عبر قناة السويس بمقدار الثلثين، ما دفع السفن إلى اتخاذ طريق أطول وأكثر تكلفة يلتف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا.
وأشار التقرير إلى أن جماعة أنصار الله تمكنت من الصمود أمام حملة جوية مكثفة قادتها الولايات المتحدة، قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع إدارة ترامب في مايو الماضي، لكنها لم توقف هجماتها البحرية إلا بعد أن أشرف البيت الأبيض على اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في أكتوبر الماضي.
إلا أن الجماعة، وفقاً للتقرير، استأنفت هجماتها في البحر الأحمر خلال الشهر الماضي، مستهدفة سفناً سعودية، رداً على ما وصفه الحوثيون بحصار الرياض لليمن وهجماتها على مطار صنعاء الدولي.
ولفتت نيوزويك إلى أنه في ظل تشكيك المملكة العربية السعودية وشركاء الولايات المتحدة الآخرين في المنطقة بالفعل بالتزامات واشنطن الأمنية، فإن استمرار الفوضى والتصعيد في حال غياب اتفاق قد يؤدي إلى مزيد من تراجع الثقة.
ونقلت الصحيفة عن المحلل الأمني مصطفى نجفي، المقيم في طهران، قوله إن التهديد باستخدام القوة العسكرية الأمريكية كان حتى وقت قريب يمثل أداة ردع قوية، إلا أن التطورات الأخيرة أضعفت هذا التصور.
وقال نجفي إن إيران لم تعد وحدها، بل إن العديد من الأطراف الإقليمية وحتى بعض القوى الدولية تنظر اليوم إلى فعالية الإكراه العسكري الأمريكي بطريقة مختلفة، مضيفاً أن التهديدات العسكرية لم تعد تحمل القيمة الرادعة نفسها التي كانت تتمتع بها في السابق.
محادثات صعبة
وأكد تقرير نيوزويك أن التوصل إلى اتفاق جديد بين الولايات المتحدة وإيران لن يكون أمراً سهلاً، خصوصاً بعد انهيار مذكرة التفاهم التي توصل إليها الجانبان في يونيو، وهو ما أدى إلى زيادة مستوى انعدام الثقة بين الطرفين.
وأشار التقرير إلى أن الاتفاق انهار الشهر الماضي بعد أن أطلقت إيران النار على ناقلات نفط كانت تعبر مضيق هرمز عبر مسار قالت طهران إنه غير مصرح به وفقاً للشروط التي تم الاتفاق عليها، الأمر الذي أدى إلى اندلاع جولة جديدة من المواجهة استمرت قرابة أسبوعين. وأضاف أن الطرفين تبادلا الاتهامات بشأن عدم الالتزام ببنود الاتفاق، لكن في حال عودة الصراع إلى نطاق واسع، فإن إيران ما تزال ترى، بحسب التقرير، أنها تمتلك أفضلية استراتيجية.
ونقلت المجلة عن المحلل الأمني مصطفى نجفي قوله: "إذا تطورت الأزمة الحالية إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، فلا أعتقد أن الوقت سيكون بالضرورة في صالح الولايات المتحدة. لقد أثبتت تجربة التدخلات العسكرية الأمريكية على مدى العقدين الماضيين أن أكبر نقاط ضعف واشنطن لا تكمن في بدء الحروب، بل في استمرارها".
وأضاف نجفي أن ارتفاع التكاليف الاقتصادية، والضغوط السياسية الداخلية، والتحديات اللوجستية، والإرهاق العملياتي، إلى جانب تنامي المخاوف لدى الشركاء الإقليميين، يمكن أن تحد بشكل كبير من قدرة الولايات المتحدة على مواصلة حملة عسكرية طويلة الأمد.
وفي المقابل، أوضح أن العقيدة الاستراتيجية الإيرانية ركزت باستمرار على رفع تكاليف الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة بشكل تدريجي.
وبيّن نجفي أن هدف إيران، من خلال اعتماد "أساليب غير متكافئة وغير تقليدية"، يتمثل في تغيير معادلة المواجهة مع خصم يمتلك قوة عظمى، بطرق قد لا يكون السلاح النووي قادراً على تحقيقها.
وقال نجفي إن طهران، وبعد سنوات من دراسة نقاط ضعف الوضع العسكري التقليدي الأمريكي في المنطقة، من المرجح أن تسعى إلى استغلال هذه الثغرات عبر استراتيجيات غير متكافئة تهدف إلى رفع تكلفة الوجود الأمريكي، وتقليص حرية واشنطن العملياتية، وفي نهاية المطاف تسهيل انسحاب تدريجي، ثم كامل، للقوات الأمريكية من المنطقة.