رغم الزخم السياسي الذي رافق الإعلان عن "
خارطة الطريق" الجديدة لبدء تنفيذ
المرحلة الثانية من اتفاق وقف حرب الإبادة الإسرائيلية ضد قطاع
غزة، وموافقة حركة حماس على بنودها، إلى جانب استمرار الاتصالات الإقليمية والدولية الهادفة للتوصل إلى اتفاق شامل، لا تزال الأوضاع الميدانية تسير في اتجاه مغاير، مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الخارطة عن ترتيبات لوقف إطلاق النار والانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة، يؤكد سكان في قطاع غزة أن الهجمات الإسرائيلية شهدت تصعيدًا واسعًا خلال الأيام الأخيرة، مع تكثيف الغارات والقصف في مناطق متفرقة من القطاع، ما يعمق الشكوك حول فرص ترجمة المسار السياسي إلى تهدئة فعلية على الأرض.
تشاؤم واسع
يُعد التعثر المتكرر في الانتقال من "المرحلة الأولى" إلى "المرحلة الثانية" سمة ملازمة لمسار التهدئة في غزة منذ اندلاع الحرب، فبعد اتفاق كانون الثاني/ يناير 2025، الذي أُنجزت بموجبه صفقة تبادل الأسرى، انهارت الهدنة قبل الوصول إلى مرحلة إنهاء الحرب نهائياً، واستؤنفت العمليات العسكرية بحلول آذار/ مارس من العام ذاته.
وتكرر السيناريو مع اتفاق تشرين الأول/ أكتوبر 2025 المدعوم من واشنطن: فرغم إتمام تبادل الرهائن مطلع 2026، عادت محادثات القاهرة بين حماس والوفد الأميركي لتنتهي دون تقدم يُذكر بشأن المرحلة الثانية، إذ اصطدمت باشتراط نزع سلاح المقاومة قبل أي تقدم في الملفات الإنسانية أو الانسحاب الإسرائيلي.
أما "خارطة الطريق" المُعلن عنها مطلع آب/ أغسطس 2026، فتحمل حتى الآن المؤشرات ذاتها التي رافقت المحاولات السابقة: فقد سارعت "إسرائيل" إلى الإعلان عن اعتراضات على بنودها وفرض شروط مسبقة قبل دخولها حيز التنفيذ، فيما هاجم وزراء اليمين المتطرف في الحكومة مسودة الاتفاق علناً داعياً لاستئناف العمليات العسكرية.
ولم يُحدد "مجلس السلام" بعد موعداً فعلياً لبدء التطبيق. وبذلك، تبقى العقدة الجوهرية التي أفشلت المحاولتين السابقتين – الربط بين نزع سلاح حماس والانسحاب الإسرائيلي الكامل – هي ذاتها التي تُهدد بإجهاض هذه الجولة الثالثة قبل أن تبدأ فعلياً.
ويقول حسام (36 عاما) أن أهالي غزة "شبعوا" من هذه الأخبار والحديث عن انفراجة أو تحسن في الأوضاع الإنسانية والمعيشية، مضيفا أن "الناس لم يهتموا بالحديث عن الجوانب السياسية، كل ما يهمهم حاليا هو الأمور المعيشية التي قد تحسن من واقع الحياة الصعب والكارثي".
ويضيف حسام لـ"عربي21" أن حالة التشاؤم وربما عدم الاهتمام هي ما تسيطر على أهالي قطاع غزة، وذلك بسبب تكرار مثل هذا السيناريو طوال ثلاث سنوات، مع تفاقم الحالة الإنسانية بشكل يومي.
ويشير إلى أن حالة التشاؤم الحالية ليست جديدة كليا على أهالي قطاع غزة، وأن هذه الحالة موجودة منذ أكثر من 15 عاما مع الفشل المتكرر في انجاز ملف المصالحة بين حركتي حماس وفتح، وتكرار تفاقهم الحالية الإنسانية مع تصاعد العدوان الإسرائيلي على غزة في 4 مناسبات كبرى قبل حرب الإبادة الحالية (حروب 2009 و2012 و2014 و 2021).
"وصلنا"
بدوره، يقول سامي (40 عاما) أن المقطع الساخر المتداول حول الأوضاع في قطاع غزة يعكس الواقع بشكل حقيقي، وهو الذي يتضمن سؤالا ساخرا: "بطلنا نسمع أحد يسأل البلد لوين رايحة.. شكلنا وصلنا".
ويوضح سامي لـ"عربي21" أنه يعمل ضمن مؤسسة إغاثية ويتحصل على دخل يعتبر من الأفضل حاليا داخل قطاع غزة، إلا أنه بالكاد يكفي حاجته اليومية، قائلا: "تصل ناهية الشهر وبالكاد يبقى معي أموال، بصراحة لا أعلم كيف الناس تدبر أمورها، الحال وصل إلى مرحلة لا يمكن حتى وصفها".
ويذكر "سابقا كان إيجار شقة جيدة لا يتجاوز 200 دولار شهريا، الأن أنت محظوظ لو وجدت شقة متضررة وتفتقر لأبسط الخدمات بسعر 600 دولار، وطبعا أنا هنا أتحدث عن من يمتلك أصلا رفاهية إمكانية العيش في شقة وليس خيمة".
"أي أحد"
من ناحية أخرى، يقول أبو محمد (56 عاما) أن معظم الشعب الفلسطيني في قطاع غزة يريد أن تتحرك الأوضاع في الملف الإنساني وتحسين الأحوال المعيشية وتوقف "اصطياد" الناس يوميا عبر القصف والاستهدافات، أن يكون ذلك من قبل أي حزب أو فصيل أو جهة.
وعبارة "أي حزب أو فصيل أو جهة" التي يرددها أبو محمد، ليست مجرد تعبير عابر، بل تختصر حالة من اللامبالاة تجاه الخارطة الحزبية التقليدية في القطاع، في وقت يُعاد فيه فتح النقاش حول من سيدير غزة في المرحلة المقبلة.
ومنذ عقود طويلة، اقتصرت الانتماءات السياسية في قطاع غزة بشكل أساسي على حركتي حماس وفتح، إلى جانب حضور محدود لحركات يسارية كالجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، فضلاً عن حركات أخرى أبرزها الجهاد الإسلامي.
وتمتلك أغلب هذه الفصائل تمثيلاً فعلياً على أرض الواقع، يتجلى بأشكال متعددة: فحركة فتح تحتفظ بحضورها عبر الموظفين السابقين في مؤسسات السلطة الفلسطينية، بينما تُمثَّل حماس من خلال الحكومة التي تولت إدارة القطاع لاحقاً، في حين تُعبّر الأحزاب اليسارية عن وجودها أساساً عبر النقابات والتجمعات العمالية.
ويُلاحظ أن معظم هذه الفصائل تمتلك أجنحة عسكرية مقاومة، وإن كان التمثيل الأكبر ضمن هذا الإطار يعود لحركتي حماس والجهاد الإسلامي.
وعاد الحديث في الأيام الماضية عن رجل الأعمال الفلسطيني والقيادي المفصول من حركة فتح محمد
دحلان، ليكون أحد الخيارات التي قد تساعد في حل الأزمة في قطاع غزة وتطبيق ما يعرف بـ"اليوم التالي" والوصول إلى مراحل وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي وبدء إعادة الإعمار.
وأثار دحلان المقرب من الإمارات جدلاً واسعاً، مطلع الأسبوع الجاري، بعدما أعلن في منشور له أن جاريد كوشنر، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أبلغه بالتوصل إلى اتفاق مع الجانب الإسرائيلي لوقف الهجمات على قطاع غزة اعتباراً من صباح الأحد، وذلك عقب موافقة حماس والفصائل الفلسطينية على وثيقة "نزع السلاح" المؤلفة من 15 بنداً.
غير أن دحلان عاد وحذف المنشور بعد أقل من ساعتين، مستبدلاً إياه بصيغة أكثر تحفظاً اكتفت بالإشارة إلى أن كوشنر "يعمل مع الجانب الإسرائيلي على وقف الهجمات"، من دون تأكيد التوصل إلى اتفاق نهائي أو تحديد موعد فعلي لوقف الضربات.
وجاء هذا التراجع متزامناً مع خطوة مماثلة من جانب "مجلس السلام" الذي تقوده واشنطن ويشرف على إدارة غزة بعد الحرب؛ إذ صرّح أحد مسؤوليه في وقت سابق بأن موافقة حماس، الخميس، أطلقت فوراً المرحلة الأولى من الاتفاق ومدتها 14 يوماً، قبل أن يتراجع عن ذلك، مقراً بأن الخطة لم تدخل حيز التنفيذ فعلياً بعد.
وتزامن هذا الالتباس مع تحفظ إسرائيلي واضح على الخطة، حيث أفاد مسؤولون إسرائيليون رفيعون بأن المقترح غير كافٍ ولن تنفَّذ بموجبه الانسحابات المنصوص عليها، فيما واصلت إسرائيل توجيه ضربات جوية على غزة ليل الجمعة-السبت، وهو ما دفع حماس إلى تحميل الجانب الإسرائيلي مسؤولية تعطيل تنفيذ الاتفاق.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أن الساعات المقبلة لن تكون اختباراً للنوايا المعلنة بقدر ما ستكون اختباراً لمدى الجدية في الفعل على الأرض، مشيراً إلى تحركات يقودها الوسطاء والإدارة الأميركية تمهيداً لتفعيل خارطة الطريق، فيما يفترض أن تظهر أولى نتائجها الميدانية عبر وقف الاستهدافات العسكرية، بحسب تصريحات أدلى بها لـ"المركز الفلسطيني للإعلام".
غير أن الوقائع حتى صباح الأحد لم تعكس هذا التفاؤل، إذ استيقظ سكان القطاع على غارات إسرائيلية أودت بحياة تسع عائلات فلسطينية في ساعات قليلة، في مؤشر إضافي على أن الفجوة بين الإعلانات السياسية والواقع الميداني، التي أجهضت أكثر من محاولة سابقة لتثبيت الهدوء في غزة، لا تزال تتكرر اليوم بأدوات مختلفة فقط.