منذ دخول نظام روما الأساسي حيز التنفيذ عام 2002، شكلت المحكمة
الجنائية الدولية في لاهاي أداة قانونية طموحة لملاحقة مرتكبي الإبادة الجماعية، جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، ورغم الآمال العريضة التي واكبت تأسيسها، فإن مسارها العملي ظل محكوماً بالتجاذبات السياسية المعقدة، والقيود الجيوسياسية التي تفرضها القوى العظمى.
بين قادة خضعوا للتحقيق وصدرت بحقهم مذكرات توقيف دولية لكنهم ظلوا بعيدي المنال، وبين آخرين صدرت بحقهم أحكام إدانة تاريخية، ينقسم سجل المحكمة إلى جهتين: جهة الملاحقات السيادية الساخنة، وجهة الإدانات القضائية النافذة.
توقيف دون محاكمة
نتنياهو
أحدثت المحكمة الجنائية الدولية تحولاً تاريخياً غير مسبوق في مسارها القضائي عندما أصدرت الدائرة التمهيدية للمحكمة مذكرات توقيف رسمية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. جاء هذا القرار بناءً على تحقيقات مكثفة قادها المدعي العام للمحكمة،
كريم خان، ركزت على الهجوم العسكري الإسرائيلي واسع النطاق على قطاع غزة، والذي أسفر عن استشهاد وإصابة عشرات الآلاف من المدنيين وتدمير البنى التحتية الحيوية.
تتمحور لائحة الاتهامات الموجهة لنتنياهو حول ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تشمل استخدام تجويع المدنيين كوسيلة من وسائل الحرب، الحرمان المتعمد من المواد الضرورية للبقاء كالغذاء والماء والكهرباء والعلاج الطبي، وتوجيه هجمات متعمدة ضد السكان المدنيين.
وتعد هذه الخطوة المرة الأولى التي تستهدف فيها المحكمة زعيماً مدعوماً بشكل مباشر من
الولايات المتحدة وقوى غربية كبرى، مما وضع نزاهة واستقلالية القضاء الدولي على المحك.
وواجه القرار موجة عنيفة من الرفض والتنديد من جانب تل أبيب وواشنطن، حيث اعتبر نتنياهو المحكمة "معادية للسامية" ومسيسة، في حين فرضت الولايات المتحدة عقوبات وضغوطاً سياسية على مسؤولي المحكمة. ومع ذلك، فإن صدور هذه المذكرة قيد بشكل كبير التحركات الدولية لنتنياهو، نظراً لالتزام الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي (البالغ عددها أكثر من 120 دولة) قانونياً بإلقاء القبض عليه في حال دخوله أراضيها.
بوتين
في آذار/ مارس من عام 2023، خطت المحكمة الجنائية الدولية خطوة جريئة بإصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ليكون أول رئيس دولة دائم العضوية في مجلس الأمن الدولي تلاحقه المحكمة أثناء وجوده في السلطة. جاء القرار على خلفية الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، وركزت التحقيقات على الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي الإنساني في مناطق النزاع.
وتركز المذكرة القضائية بشكل محدد على جريمة الحرب المتمثلة في الترحيل غير القانوني للأطفال، والنقل غير القانوني للسكان (الأطفال) من المناطق المحتلة في أوكرانيا إلى الاتحاد الروسي.
وأكدت المحكمة في بيانها الرسمي وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن بوتين يتحمل المسؤولية الجنائية الفردية عن هذه الأفعال، سواء لارتكابها مباشرة أو لفشله في ممارسة السيطرة اللازمة على مرؤوسيه المدنيين والعسكريين الذين نفذوا هذه العمليات.
وأثارت هذه الخطوة ردود فعل دولية متباينة؛ فقد رحبت أوكرانيا والحلفاء الغربيون بالقرار باعتباره بداية حقيقية للمساءلة، في حين رفضت موسكو (غير الموقعة على نظام روما) المذكرة جملة وتفصيلاً ووصفته بالباطل قانوناً.
ورغم أن بوتين لم يمثل أمام المحكمة، فإن المذكرة نجحت في تقليص مساحات دبلوماسيته الدولية، وأجبرته على إلغاء حضور قمم دولية مهمة (مثل قمة بريكس في جنوب إفريقيا عام 2023) خوفاً من إحراج الدول المضيفة أو المخاطرة بالاعتقال، وفقاً لتوثيق وكالة "رويترز" وموقع المحكمة الجنائية الدولية (ICC).
البشير
يظل الرئيس السوداني الأسبق عمر حسن البشير أول رئيس دولة تنفيذي تصدر بحقه مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية وهو لا يزال يمارس مهامه الرئاسية، وذلك عبر مذكرتين صدرتا في عامي 2009 و2010.
وفتحت المحكمة التحقيق في ملف إقليم دارفور (غرب السودان) بناءً على إحالة استثنائية من مجلس الأمن الدولي بموجب القرار رقم 1593، نظراً لعدم مصادقة السودان على اتفاقية روما.
وتضمن ملف البشير اتهامات ثقيلة ومفصلة تشمل خمس جرائم ضد الإنسانية (مثل القتل والتعذيب والاغتصاب)، وجريمتي حرب (توجيه هجمات ضد المدنيين والنهب)، وثلاث بتهم الإبادة الجماعية ضد جماعات الفور والمساليت والزغاوة العرقية. واتهم الادعاء العام البشير بإدارة خطة ممنهجة لاستخدام القوات المسلحة السودانية وميليشيات "الجنجويد" لتدمير هذه المجموعات السكانية بشكل جزئي أو كلي.
وعلى مدار عقد من الزمن بعد صدور المذكرات، تحدى البشير المحكمة بزيارة عدة دول عربية وإفريقية أعضاء في المحكمة دون أن تُقدم على توقيفه، مما كشف عن فجوة حادة بين الالتزام القانوني والمصالح السياسية الإقليمية.
وعقب الإطاحة به من السلطة في نيسان/ أبريل 2019، أعلنت السلطات الانتقالية السودانية مراراً استعدادها للتعاون مع المحكمة وتسليمه، إلا أن الاضطرابات السياسية اللاحقة وانفلاع الحرب الأهلية في السودان عام 2023 جمدت هذا الملف المعقد، استناداً إلى تقارير مركز "العدالة الدولية"ومنظمة العفو الدولية.
أحكام صادرة
دييلو
يحتل توماس لوبانغا دييلو وهو قائد جماعة مسلحة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، مكانة بارزة في تاريخ القضاء الدولي كونه أول شخص يدان ومحكوم عليه من قبل المحكمة الجنائية الدولية منذ تأسيسها. وكان لوبانغا مؤسساً ورئيساً لـ"اتحاد الوطنيين الكونغوليين" وجناحه العسكري "القوات الوطنية لتحرير الكونغو"، وهي ميليشيا نشطت في الصراع الدموي العرقي في منطقة إيتوري الغنية بالثروات شرق الكونغو الديمقراطية بين عامي 2002 و2003.
وتركزت القضية التاريخية للوبانغا على ملف شديد الحساسية الإنسانية، حيث وجهت إليه إدانة صريحة وقطعية بجريمة حرب تتمثل في تجنيد واستخدام الأطفال دون سن الخامسة عشرة وإجبارهم على المشاركة بنشاط في الأعمال العدائية والحروب الأهلية.
وأثبتت المحكمة عبر شهادات ضحايا ووثائق أن الميليشيا التي يقودها اختطفت الأطفال ودربتهم في معسكرات قاسية لاستخدامهم كدروع بشرية ومقاتلين وحراس شخصيين.
في آذار/ مارس 2012، أصدرت الدائرة الابتدائية حكمها بإدانة لوبانغا، وثُبت الحكم في تموز/ يوليو من نفس العام بقضاء عقوبة السجن لمدة 14 عاماً.
واعتبرت المنظمات الحقوقية هذا الحكم سابقة قضائية رادعة وضعت حداً لإفلات قادة الجماعات المسلحة من العقاب في القارة الإفريقية، وقد أنهى لوبانغا محكوميته وتم إطلاق سراحه في عام 2020 بعد قضاء المدة كاملة احتُسبت منها سنوات توقيفه الاحتياطي.
تايلور
يمثل رئيس ليبريا الأسبق تشارلز تايلور حالة فريدة أيضا؛ فرغم أن محاكمته جرت في مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي واستخدمت زنازينها ومرافقها لأسباب أمنية ولوجستية، إلا أنها تمت تقنياً تحت مظلة "المحكمة الخاصة بسيراليون" المدعومة من الأمم المتحدة.
ويذكر أن تايلور هو أول رئيس دولة إفريقي يمثل أمام محكمة دولية منذ محاكمات نورمبرغ بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك بسبب دوره المحوري في إشعال وتغذية الحرب الأهلية الوحشية في سيراليون المجاورة خلال تسعينيات القرن الماضي.
وأدانت المحكمة تايلور في نيسان/ أبريل 2012 بـ11 تهمة تشمل التواطؤ والمشاركة في التخطيط لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك القتل، والإرهاب، والاغتصاب، والاستعباد الجنسي، وبتر أطراف المدنيين.
وكشفت المحاكمة عن قيام تايلور بتمويل وتسليح "الجبهة المتحدة الثورية" المتمردة في سيراليون مقابل الحصول على ما عُرف بـ"ألماس الدم - Blood Diamonds"، مستغلاً نفوذه كرئيس دولة لزعزعة استقرار المنطقة بالكامل.
وفي أيار/ مايو 2012، حُكم على تايلور بالسجن لمدة 50 عاماً، وهو الحكم الذي تم تأييده بالكامل في مرحلة الاستئناف عام 2013.
ونُقل تايلور لاحقاً إلى سجن بريطاني شديد الحراسة لقضاء عقوبته الطويلة، حيث اعتبر المدعون العامون والمراقبون الدوليون هذا الحكم بـ"مثابة رسالة واضحة وصارمة لجميع رؤساء الدول الذين يظنون أن الحصانة السيادية تحميهم من الملاحقة الجنائية عند ارتكاب الفظائع". بحسب صحيفة "الغارديان".
أونغوين
تعد قضية دومينيك أونغوين، وهو قائد عسكري في جيش الرب للمقاومة بأوغندا، واحدة من أكثر القضايا تعقيداً ودراماتيكية في أروقة المحكمة الجنائية الدولية؛ فهو يجمع بين صفتي "الضحية والجلاد".
اختُطف أونغوين وهو طفل في التاسعة من عمره أثناء توجهه إلى المدرسة على يد "جيش الرب للمقاومة" (LRA) بقيادة جوزيف كوني في أوغندا، وجرى تحويله إلى مقاتل، ليتدرج لاحقاً في الرتب العسكرية حتى أصبح واحداً من أبرز القادة العسكريين للمجموعة المتطرفة المتهمة بارتكاب فظائع وجرائم واسعة.
في شباط/ فبراير 2021، أدانت المحكمة الجنائية الدولية أونغوين بـ 61 تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في شمال أوغندا بين عامي 2002 و2004. وشملت الإدانات هجمات وحشية على مخيمات النازحين المدنيين، والقتل، والتعذيب، والنهب، إلى جانب حزمة واسعة من الجرائم الجنسية القائمة على النوع الاجتماعي، مثل الزواج القسري، والاستعباد الجنسي، والاغتصاب، والحمل القسري لنساء ومختطفات جرى استعبادهن داخل التنظيم.
أخذت المحكمة بعين الاعتبار طفولته المغتصبة وظروف اختطافه كعامل مخفف للعقوبة تجنباً للحكم المؤبد، وأصدرت بحقه في أيار/ مايو 2021 حكماً بالسجن لمدة 25 عاماً. وثبتت محكمة الاستئناف الحكم بشكل نهائي في عام 2022، رافضةً حجة الدفاع بأن الصدمات النفسية التي تعرض لها كطفل مجند تعفيه من المسؤولية الجنائية عن الفظائع التي ارتكبها كشخص بالغ وعقل مدبر للهجمات.
نتاغاندا
يُعرف بوسكو نتاغاندا، القائد العسكري السابق في جمهورية الكونغو الديمقراطية، بلقب "المدمر" نظراً لسجله العسكري الدموي. شغل نتاغاندا منصب نائب رئيس هيئة أركان "القوات الوطنية لتحرير الكونغو"، وظل فاراً من العدالة الدولية لسنوات طويلة قبل أن يفاجئ المجتمع الدولي في عام 2013 بتسليم نفسه طواعية إلى السفارة الأمريكية في رواندا تمهيداً لنقله إلى لاهاي.
في تموز/ يوليو 2019، أدانت المحكمة الجنائية الدولية نتاغاندا بـ 18 تهمة تشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في إقليم إيتوري بين عامي 2002 و2003. وتضمنت لائحة الإدانة تفاصيل عن عمليات قتل جماعي للمدنيين، واغتصاب ممنهج، واستعباد جنسي، فضلاً عن تجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال القتالية.
وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، أصدرت المحكمة بحقه حكماً بالسجن لمدة 30 عاماً، وهو أقصى حكم مدة سجن مؤقتة تصدره المحكمة في تاريخها. وقد تم تأييد هذا الحكم بالكامل من قبل دائرة الاستئناف في عام 2021، ليقضي عقوبته حالياً خارج القارة الإفريقية.
المهدي
يمثل المالي أحمد الفقي المهدي حالة قضائية فريدة في تاريخ المحكمة الجنائية الدولية، بصفته قيادياً في جماعة "أنصار الدين" المرتبطة بتنظيم القاعدة في مالي. تولى المهدي قيادة جهاز "الحسبة" في مدينة تمبكتو التاريخية إبان سيطرة الجماعات المسلحة على شمال البلاد عام 2012، حيث أشرف على تطبيق قواعد متشددة وفرض عقوبات جسدية على السكان.
وتنبع الأهمية القانونية لمحاكمة المهدي من كونها أول قضية في تاريخ القضاء الدولي تركز حصرياً على تدمير الآثار الثقافية والدينية كجريمة حرب. وأدين المهدي بتوجيه عمليات تدمير أضرحة تاريخية ومسجد أثري في تمبكتو، كما كان أول متهم يقر بالذنب ويعترف بجرائمه ويبدي ندماً علنياً أمام قضاة المحكمة.
في أيلول/ سبتمبر 2016، حُكم على المهدي بالسجن لمدة 9 سنوات. وشددت المحكمة في قرارها على أن الهجمات على الممتلكات الثقافية تدمر الهوية التاريخية للمجتمعات، وأمرت بدفع تعويضات مالية للضحايا وسكان تمبكتو لترميم المواقع المدمرة.
كاتانغا
يعد جيرمان كاتانغا، المعروف بـ"سيمبا"، أحد أبرز قادة الميليشيات في الكونغو الديمقراطية، حيث قاد "قوة المقاومة الوطنية في إيتوري". اعتقلته السلطات الكونغولية في عام 2005 ثم سلمته إلى المحكمة الجنائية الدولية في عام 2007 لمحاكمته على دوره المباشر في الصراعات العرقية الدامية التي شهدها شرق البلاد.
أُدين كاتانغا في آذار/ مارس 2014 بـ 5 تهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تركزت حول هجوم عسكري استهدف قرية "بوغورو" في شباط/ فبراير 2003. وأثبتت المحكمة أن كاتانغا ساهم في التخطيط للهجوم وتوفير الأسلحة للميليشيات التي اجتاحت القرية وقتلت مدنيين وحولت نساء إلى مستعبدات.
في أيار/ مايو 2014، أصدرت المحكمة بحقه حكماً بالسجن لمدة 12 عاماً. ونظراً لتعاونه مع المحكمة وسلوكه خلال فترة الاحتجاز، وإمضائه جزءاً كبيراً من العقوبة في التوقيف الاحتياطي، تم تخفيض عقوبته وأُطلق سراحه لاحقاً في مطلع عام 2016.
بيمبا
يُعتبر جان بيير بيمبا، النائب السابق لرئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية وقائد "حركة تحرير الكونغو"، أحد أبرز الشخصيات السياسية التي مثلت أمام المحكمة. أوقفته السلطات البلجيكية عام 2008 وتم تسليمه إلى لاهاي لمحاكمته على الجرائم التي ارتكبتها قواته في جمهورية أفريقيا الوسطى المجاورة بين عامي 2002 و2003.
في عام 2016، صدر حكم بإدانته بالسجن 18 عاماً استناداً إلى مبدأ "مسؤولية القيادة" عن جرائم القتل والاغتصاب التي نفذتها قواته، لكن دائرة الاستئناف برأته من هذه التهم في حكم مفاجئ عام 2018 بحجة عدم سيطرته الفعلية على المقاتلين عن بعد. ورغم هذه التبرئة من الجرائم الكبرى، لم يغادر بيمبا سجل المدانين في المحكمة.
فقد أُدين بيمبا بشكل قطعي في قضية منفصلة بتهمة إفساد سير العدالة، عبر تقديم رشاوي للشهود وتدريبهم على الإدلاء بشهادات زور لصالح دفاعه. وثبّتت المحكمة الحكم ضده في هذه القضية بفرض غرامة مالية وعقوبة سجن لمدة عام، واعتبرت مستنفذة بسبب فترات احتجازه السابقة.
الحسن
يُعد المالي الحسن أغ عبد العزيز أحد الأسماء البارزة في سجل الإدانات الحديثة للمحكمة الجنائية الدولية. عمل الحسن كقائد رئيسي للشرطة الإسلامية التابعة لجماعة "أنصار الدين" في مدينة تمبكتو المالية خلال عام 2012، حيث أشرف بشكل ميداني ومباشر على تنفيذ السياسات المتشددة للجماعة.
في حزيران/ يونيو 2024، أصدرت الدائرة الابتدائية للمحكمة حكماً بإدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. وشملت الإدانة تهم التعذيب، والمشاركة في المحاكمات الصورية التي أدت إلى عقوبات جسدية في الساحات العامة كالجلد وبتر الأطراف، إضافة إلى الاضطهاد لأسباب دينية.
واعتبرت المحكمة أن الحسن لعب دوراً محورياً في ترويع المدنيين وفرض نظام قمعي. ويشكل هذا الحكم خطوة إضافية في محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات في شمال مالي، لينضم رسمياً إلى قائمة الشخصيات التي صدرت بحقها أحكام إدانة قطعية من قضاة لاهاي.
انتقادات
تواجه المحكمة الجنائية الدولية منذ دخول نظام روما الأساسي حيز التنفيذ عام 2002، اتهامات حادة بـ "الانتقائية القضائية" و"
ازدواجية المعايير". وفي هذا السياق، كشف المدعي العام للمحكمة، كريم خان، في مقابلة مع شبكة "سي إن إن" في 20 مايو/ أيار 2024، عن ضغوط غربية لمنعه من ملاحقة مسؤولين إسرائيليين، ناقلاً عن أحد القادة الغربيين قوله حرفياً: "إن هذه المحكمة بُنيت من أجل إفريقيا ومن أجل أشرار مثل بوتين، وليس من أجل الغرب وحلفائه"، وهو منطق رفضه خان مشدداً على شمولية القانون الدولي.
وعلى الجانب الأمريكي، تُرجمت هذه الرؤية إلى هجوم تشريعي حاد؛ بدأ برسالة تهديد خطية وجهها 12 سناتوراً جمهورياً لخان في 24 أبريل/ نيسان 2024 توعدوا فيها بمعاقبته وعائلته إذا استهدف "إسرائيل"، وتطورت الضغوط بحلول حزيران/ يونيو وتموز/ يوليو 2024 إلى تبني الكونغرس مشروع قانون لفرض عقوبات على المحكمة وتفكيك أثرها، وسط تصريحات لماركو روبيو اعتبر فيها لاهاي تهديداً للسيادة الأمريكية وحلفائها، وفقاً لتوثيقات صحيفة "الغارديان".
وعلى النقيض تماماً، واجهت المحكمة اتهامات تاريخية بالانحياز العرقي من الجبهة الإفريقية؛ حيث أعلن رئيس وزراء إثيوبيا الأسبق، هالي مريام ديسالين، نيابة عن الاتحاد الإفريقي في قمة أديس أبابا في أيار/ مايو 2013، أن القضاء الدولي انحرف ليتحول إلى أداة لملاحقة الأفارقة حصرياً مع تجاهل حروب القوى الغربية.
ورداً على ذلك، تبنى الاتحاد الإفريقي لاحقاً قرارات جماعية بـ "عدم التعاون" مع مذكرات توقيف القادة الأفارقة، معتبراً آليات المحكمة أداة مسيسة للضغط القاري بدلاً من تحقيق العدالة.