تواصل المحافل
الإسرائيلية
المتعددة اهتمامها بقراءة المخاطر المترتبة على مشروع "
سكة حديد الحجاز"
الذي يقلص بدرجة كبيرة هامش المناورة الإستراتيجي لدولة الاحتلال الإسرائيلي ويمثل
تهديدا استراتيجيا لها ويسرّع وتيرة تراجع المكانة الإقليمية لـ"تل أبيب".
وأوضحت الخبيرة الإسرائيلية
في الجيوبوليتيكا، والأزمات الدولية، عنات هوشبرغ-ماروم، أن "مذكرة التفاهم التي
وُقّعت الشهر الماضي لإنشاء "سكة حديد الحجاز"، وهي ممر تجاري جديد سيربط
المملكة العربية
السعودية بكلٍّ من الأردن وسوريا وتركيا، ليست مجرد حدث عابر أو مشروع
إضافي، بل هي مشروع بنية تحتية استراتيجي يهدف إلى إنشاء محور بري متصل يمتد من الخليج
العربي ومنطقة المشرق إلى أوروبا، بما يتيح نقل البضائع والطاقة وغير ذلك عبره، مع
تقليص الاعتماد على مضيق هرمز والمسارات التي تمر عبر إسرائيل".
مال ونفوذ
وأكدت في مقال نشرته
صحيفة "
معاريف" الإسرائيلية، أن "هذا المشروع يمثل خطوة جيو-اقتصادية
واسعة النطاق، تهدف إلى ترسيخ محور اقتصادي–طاقوي جديد، قد تعمل في إطاره كل من الرياض
وأنقرة بوصفهما مركزين متكاملين للقوة؛ إذ تؤدي
تركيا بدور رئيسي للنقل والصناعة والوساطة
الإقليمية، بينما تمثل الرياض مصدرا رئيسيا لرؤوس الأموال والطلب والاستثمارات".
ورأت أن "الجمع
بين القوة المالية للسعودية وطموحها لتنويع اقتصادها في إطار رؤية 2030، وبين سعي تركيا
إلى توسيع نفوذها الإقليمي من خلال مشاريع البنية التحتية والطاقة والأمن، يخلق بديلا
حقيقيًا لمشروع "IMEC" (الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا)،
ويزيد من حدة المنافسة على طرق الوصول إلى أوروبا".
ونبهت الخبيرة، أن
"هذا التطور، الذي يشمل إنشاء مسارات بديلة للتجارة والطاقة والخدمات اللوجستية
والتكنولوجيا، يعزز المنافسة بين تركيا وإسرائيل، ويحد من هامش المناورة الإستراتيجية
للأخيرة، كما قد يلحق الضرر بمكانة إسرائيل باعتبارها مركزا إقليميا وشريكا لدى دول
أوروبا والخليج، ويؤدي إلى تآكل بعض الإنجازات التي تحققت في إطار "اتفاقيات أبراهام"،
فضلا عن تعقيد الجهود الرامية إلى تعزيز تكامل إقليمي أوسع".
ولفتت أن "هذا
المشروع يمثل انتقالا من مرحلة التنافس على الحدود والنفوذ العسكري إلى مرحلة الصراع
على السيطرة على ممرات البنية التحتية، ففي الشرق الأوسط، تُترجم السيطرة على طرق التجارة
والطاقة إلى نفوذ سياسي ينبع من علاقات الاعتماد المتبادل بين الدول، وومن منظور استراتيجي
أشمل، هذا المشروع يعكس إعادة صياغة للهندسة الإقليمية عبر استثمار تراجع النفوذ الإيراني،
وتحويل الأردن وسوريا إلى محوري عبور رئيسيين، وتنويع سلاسل الإمداد بهدف الحد من حالة
عدم اليقين وإيجاد بدائل لأي اضطرابات محتملة في مضيق هرمز والبحر الأحمر".
وعلاوة على ذلك، هذا
"المشروع ينطوي على إنشاء فضاء عربي–تركي جديد، قد يتوسع مستقبلا بانضمام كل من
الإمارات وقطر وسلطنة عُمان، ومن شأن خطوة كهذه أن تقلص بدرجة أكبر هامش المناورة الإستراتيجية
لإسرائيل، وكذلك لدول أخرى مثل مصر واليونان وقبرص، ولاسيما إذا جرى تحويل مشاريع إقليمية
أخرى شرقًا أو شمالًا عبر تركيا وسوريا، بدلا من مرورها عبر المسارات البديلة".
التكامل الإقليمي
وأشارت هوشبرغ-ماروم،
أن "الأمر لم يعد يقتصر على مسألة التعاون الإقليمي، بل أصبح صراعا على تحديد
الموقع داخل البنية الإقليمية الجديدة التي تتشكل في هذه المرحلة، فعلى أرض الواقع،
وصلت البنية التحتية على الجانب السعودي بالفعل إلى الحدود الأردنية، بينما يتمثل التحدي
الرئيس المتبقي في استكمال مقطع يبلغ طوله نحو 400 كيلومتر بين الأردن وسوريا، وفي
الوقت نفسه، تستثمر تركيا نحو 100 مليون دولار لإعادة تأهيل خط السكك الحديدية بين
حدودها ومدينة حلب، مع وجود خطة لربطه مباشرة بدمشق، علما بأن خطة التمويل الشاملة
للممر بأكمله في مراحل الإعداد والصياغة".
ونوهت أنه "ليس
من قبيل المصادفة أن يُطلق على المشروع اسم "سكة حديد الحجاز"، فإلى جانب دلالته التاريخية - الخط الحديدي الذي
افتُتح عام 1908 كان يربط إسطنبول بدمشق ويمتد إلى عمق شبه الجزيرة العربية - فإن الممر
المخطط له يهدف إلى الاندماج ضمن "الممر الأوسط"
(Middle Corridor)،
بما يسهم في تقليص زمن العبور بين أوروبا وآسيا، وتوفير بديل بري للمسارات البحرية
المعرّضة للمخاطر، وكذلك لمشروع "IMEC".
وأضافت: "يؤدي
المسار الجاري تطويره إلى إنشاء طريق متصل يبدأ من السعودية، مرورا بالعقبة وعمان ودمشق
وحلب، وصولا إلى تركيا، ومنها إلى شبكة النقل الأوروبية، ويعد هذا المشروع منظومة لوجستية–تجارية
متكاملة تضم خطوط السكك الحديدية والطرق البرية والموانئ البحرية في كل من تركيا وسوريا،
بما يتيح ربطا مزدوجا بالبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر عبر ميناء العقبة، الأمر
الذي من شأنه تعزيز الترابط الإقليمي وزيادة حجم الصادرات".
وبينت الخبيرة، أن
"المشروع يساهم في تعزيز مكانة تركيا الإستراتيجية بوصفها محورا رئيسيا يربط بين
الأسواق الآسيوية والأوروبية، وجسرا يصل بين موانئ البحر الأسود وبحر إيجه والبحر الأبيض
المتوسط، ومن المنظور السعودي، يُتوقع أن يسهم المشروع في تقليل الاعتماد على الممرات
البحرية الحساسة، ولاسيما مضيق هرمز، عبر ترسيخ مسار بري بديل في الاتجاه الشمالي؛
وبذلك تعزز الرياض موقعها التفاوضي في مواجهة تركيا وأوروبا ودول أخرى في المنطقة،
بالتوازي مع ترسيخ دورها كمركز لوجستي، وخفض تكاليف سلاسل الإمداد وتقليص مستويات عدم
اليقين".
أما بالنسبة لدولة
الاحتلال، فإن "إنشاء الممر الحجازي يمثل جرس إنذار استراتيجي؛ فالمسألة لا تتعلق
بمجرد مشروع نقل منافس، بل بتحد من الدرجة الأولى يمس تشكيل منظومة التكامل الإقليمي
ومكانة إسرائيل بوصفها مركزا (Hub) تجاريا وطاقويًا في الشرق الأوسط الآخذ في
التشكل، وقد يؤدي تطوير هذا المحور إلى إضعاف الحوافز السياسية والاقتصادية لدى السعودية
للمضي في مسار التطبيع، كما قد يقلل من الجدوى الاقتصادية للاستثمار في مشروع "IMEC" الذي تُعد إسرائيل إحدى حلقاته الأساسية، ويمنح هذا التطور الرياض قدرا
أكبر من المرونة الإستراتيجية، بما قد يضعف الجاذبية الجيو-اقتصادية لإسرائيل ويقلص
بصورة كبيرة فرصها في جذب الاستثمارات الأجنبية وتطوير قطاعي التشغيل والخدمات اللوجستية".
ولم تخفي هوشبرغ-ماروم
قلقها الكبير من المخاطر المترتبة على هذا المشروع بالنسبة لـ"تل أبيب"،
وألمحت أن "تعميق الشراكة بين الرياض وأنقرة في ظل بلوغ حجم التبادل التجاري بينهما
8.6 مليارات دولار عام 2025، مع توقعات بتجاوزه 10 مليارات دولار عام 2026، قد ينعكس في تراجع حجم الصفقات التجارية مع إسرائيل،
وإقصاء الشركات الإسرائيلية تدريجيا من سلاسل الإمداد الإقليمية، وبالتوازي مع ذلك،
يعزز المشروع مكانة تركيا بوصفها الجسر البري الرئيس في المنطقة الذي من شأنه أن يسرّع
وتيرة تراجع المكانة الإقليمية لإسرائيل".
تهميش الاحتلال
وقالت: "على الرغم
من التفوق التكنولوجي الإسرائيلي والإنجازات التي تحققت في إطار "اتفاقيات أبراهام"
(التطبيع)، فقد تجد إسرائيل نفسها على هامش البنية الإقليمية الجديدة، وحتى لو كان
تنفيذ المشروع يواجه عقبات سياسية وتحديات أمنية ولوجستية معقدة، فإن مجرد المضي في
تنفيذه قد بدأ بالفعل في تحويل اهتمام صناع القرار وأصحاب رؤوس الأموال في دول الخليج
بعيدا عن المسارات الإستراتيجية التي تمر عبر إسرائيل واليونان وقبرص".
أما من منظور استراتيجي
شامل، "يتعين على إسرائيل أن تدرك أن قواعد اللعبة الجيو-اقتصادية قد تغيرت، فلم
يعد الاعتماد على الموقع الجغرافي بوصفه جسرا بريا بين آسيا وأوروبا كافيا، ولأجل الحفاظ
على أهميتها، ينبغي لها أن تعزز وتعيد تعريف قيمتها الإستراتيجية باعتبارها قوة تكنولوجية
وأمنية قادرة على إنتاج قيمة مضافة حيوية لسلاسل الإمداد الإقليمية"، بحسب الخبيرة
الإسرائيلية التي شددت على أهمية "الجمع بين البنية التحتية الذكية، والأمن السيبراني
المتقدم، والابتكار في مجال الطاقة، والاتصال الرقمي عالي السرعة - بما يشمل شبكات
الألياف الضوئية والبنية التحتية للحوسبة السحابية - يمكن أن يرسخ مكانة إسرائيل بوصفها
حلقة لا يمكن الاستغناء عنها، حتى في ظل احتدام المنافسة على ممرات النقل المادية".
ونبهت إلى ضرورة أن
"تطور إسرائيل "مسارات نوعية" قائمة على التكنولوجيا، تركز على أمن
المعلومات، وإدارة المخاطر المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وحلول الطاقة المتجددة،
ففي عصر تتكرر فيه اضطرابات التجارة العالمية وتتزايد فيه حالة عدم الاستقرار في طرق
الملاحة الدولية، تصبح القدرة على ضمان استمرارية العمليات والأمن التكنولوجي أصلا
استراتيجيا بالغ الأهمية، كما أن الجمع بين نهج استباقي وتفوق تكنولوجي وتوافق مع مصالح
دول الخليج وفي مقدمتها الإمارات، من شأنه أن يحد من تهميش إسرائيل، ويعزز موقعها كركيزة
جيو-اقتصادية أساسية، وكأداة لدفع مسار التطبيع وإقامة تحالفات إقليمية جديدة".
وفي المحصلة،
"هذا الممر؛ ليس مجرد مبادرة لتطوير البنية التحتية أو مشروع نقل إقليمي، بل يمثل
دليلا حيا على تحول عميق في ميزان القوى وإعادة تعريف مراكز النفوذ الاقتصادي في الشرق
الأوسط، وهو يؤشر إلى الانتقال نحو مرحلة تصبح فيها السيطرة على الاتصال والربط - بشقيه
المادي والرقمي -مصدرا رئيسيا للقوة".
أما بالنسبة لـ"تل
أبيب"، خلصت الخبيرة، أنه "ينبغي على إسرائيل أن تقرأ الخريطة قراءة صحيحة،
وأن تتحلى بالمرونة الإستراتيجية والقدرة على التكيف السريع، وتنخرط في منظومة الممرات
الإقليمية الجديدة من موقع يستند إلى تفوقها التكنولوجي والأمني"، موضحا أن
"مدى قدرتها على التحرك بصورة صحيحة وفي الوقت المناسب هو الذي سيحدد ما إذا كانت
ستواصل أداء دور اللاعب الرئيس في رسم مستقبل المنطقة، أم ستدفع إلى هامش رقعة التنافس
الجيو-استراتيجي".