لماذا غاب القادة العرب ووزراء دفاعهم عن حفل افتتاح "الأوكتاغون"؟

كثير من المسؤولين العرب كانوا يشاركون في افتتاح المقرات العسكرية سابقا- الهيئة العامة للاستعلامات بمصر
غاب بشكل مثير للتساؤلات رؤساء وقادة ووزراء دفاع الدول العربية والمجاورة لمصر عن افتتاح مقر وزارة الدفاع المصرية الجديدة "الأوكتاغون"، السبت الماضي، وذلك على الرغم من إعلان صفحة "العاصمة الإدارية الجديدة" عبر الإنترنت عن مشاركة دولية وعسكرية واسعة في الحدث التاريخي.


ويقع "الأوكتاغون" بين القاهرة وقناة السويس، ويشغل قلب "العاصمة الإدارية"، كمدينة محصنة بأسوار عالية وبأحدث طرز الحماية التكنولوجية ويضم "القيادة الاستراتيجية" للدولة عبر 10 مبان تضم الأفرع الرئيسية الثمانية للجيش المصري، وبطرز معمارية إسلامية وفرعونية، على مساحة 22 ألف فدان (89 كم²).

الحفل ظهر  فيه رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، بالبزة العسكرية، وإلى جواره وزير الدفاع أشرف زاهر، ورئيس الأركان أحمد خليفة وقادة القوات الرئيسية البحرية والجوية والدفاع الجوي، وسط موكب بالدراجات البخارية ثم الخيول، بسيارة مكشوفة تحمل القادة الستة، تحميهم طائرات الأباتشي، مع عروض جوية بأحدث أنواع الطائرات.

غياب الحليف


وبدا الحفل محليا خالصا حيث حضرته زوجة السيسي "انتصار"، ونجلته "آية"، وكبار مسؤولي الدولة المصرية، حيث غاب رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، الذي شارك السيسي، أغلب حفلات افتتاح القواعد العسكرية ومنشآت الجيش المصري الجديدة، بل إنه اصطحب إلى إحداها بعض أحفاده، ما جعل اختفاء حليف السيسي، وداعمه الأول منذ العام 2013، من المشهد، إحدى علامات الاستفهام، وفق مراقبين.

ابن زايد، وفي 22 تموز/يوليو 2017، حضر افتتاح قاعدتي "محمد نجيب" و"سيدي براني" العسكريتين شمال غرب مصر، ليشارك خلال كانون الثاني/يناير 2020، افتتاح قاعدة "برنيس" العسكرية علي البحر الأحمر، ليتبعها بمشاركة ومعه حفيديه "طحنون"، و"زايد" بافتتاح قاعدة "3 يوليو" البحرية بمنطقة جرجوب بمحافظة مطروح 3 تموز/يوليو 2021.

وفي تشرين الأول/أكتوبر 2024، ظهر إلى جوار السيسي، بافتتاح المقر الجديد لـ"الأكاديمية العسكرية" بالعاصمة الجديدة، كما حضر حفل تخرج طلبة الكليات والأكاديمية العسكرية؛ لكن الرجل الذي شارك حتى بمهرجان "شرم الشيخ" لسباق الهجن 2020، غاب عن حفل افتتاح المتحف المصري الكبير تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وأرسل نجله خالد نيابة عنه، ليغيب عن افتتاح "الأوكتاغون"، ويفتح بابا للتكهنات.

وعلى الرغم من الشراكة الاستراتيجية والاقتصادية بين مصر والإمارات، وتصريحات الحليفين حول علاقاتهما الأخوية، إلا أن التطورات الإقليمية الأخيرة خلقت مساحات من التباين والتشابك المكتوم في الملف السوداني حيث تميل مصر لدعم الجيش، في حين تدعم الإمارات "الدعم السريع"، الأمر الذي يمتد إلى القرن الإفريقي؛ إذ يزعج مصر التقارب الإماراتي الإثيوبي خاصة وسط صراع القاهرة وأديس أبابا حول ملفات مياه النيل وموانئ البحر الأحمر.

غيابات أخرى


غاب أيضا الليبي خليفة حفتر، والذي شارك السيسي، وابن زايد افتتاح قاعدة محمد نجيب العسكرية 22 تموز/يوليو 2017، كما لم يحضر نجليه صدام، وخالد، نائب قائد قوات الشرق الليبي، ورئيس الأركان، رغم زيارتهما القاهرة 28 حزيران/يونيو الماضي، ولقاء وزير الدفاع ورئيس الأركان المصريين.

في ذات السياق، غاب رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان، والرئيس الصومالي حسن شيخ، برغم ما تشهده علاقات القاهرة والخرطوم ومقديشو من تعاون سياسي وعسكري وصل حد توجه السيسي، والبرهان، على تفعيل "اتفاقية الدفاع المشترك"، في كانون الأول/ديسمبر 2025، إلى جانب توقيع السيسي، وشيخ، بروتوكول تعاون عسكري في كانون الثاني/يناير 2025، وإمداد مقديشيو بقوات مصرية في إطار الاتحاد الأفريقي.

الأمر الذي ينطبق على غياب أي تمثيل تركي بالاحتفال لأنقرة الحليف الجديد للقاهرة، والشريك الاستراتيجي بعدد من الصناعات الدفاعية، حيث وافقت تركيا على انضمام مصر شريكاً مطوراً ومصنعاً بإنتاج المقاتلة الشبحية التركية "قآن"، ووقعت شركة "هافيلسان" التركية اتفاقية مع "الهيئة العربية للتصنيع" في مصر لإنتاج طائرات من طراز (VTOL-UAV)، في آب/أغسطس 2025، فيما أبدت مصر اهتماماً بنقل تكنولوجيا وتصنيع "بيرقدار تي بي 2".

كذلك لم يظهر السعوديون في الصورة، برغم مشاركة نائب وزير الدفاع (آن ذاك) ووزير الدفاع السعودي الحالي الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز، افتتاح قاعدة "برنيس" العسكرية والمناورة العسكرية "قادر"، كانون الثاني/يناير 2020، وذلك قبل أن يشهد أمير منطقة مكة الأمير خالد الفيصل، ووزير الداخلية الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف افتتاح قاعدة "محمد نجيب" تموز/يوليو 2017.

ويأتي غياب كبار المسؤولين السعوديين في توقيت تشهد فيه رؤى القاهرة والرياض تقاربا وتنسيقا أمنيا واستخباراتيا وعسكريا، بملفات عديدة، وبهدف وقف انفصال اليمن، ودعم الجيش السوداني ضد مليشيات "الدعم السريع"، ومساندة الحكومة الصومالية بمقديشيو، وتأمين الملاحة بالبحر الأحمر ومضيق باب المندب.

ليغيب أيضا من الصورة، أيضا، القطريون رغم ما جمع القاهرة والدوحة من أدوار في مفاوضات إنهاء "حرب غزة"، ومع تحقيق شركة "الديار القطرية" اختراقا كبيرا لملف الطروحات المصرية بالحصول على مساحة 4900 فدان وشواطئ بطول 7.2 كيلومترات في منطقة "علم الروم" بمدينة مرسى مطروح الساحل الشمالي الغربي لمصر، في استثمار بقيمة 29.7 مليار دولار لتطوير المنطقة على مدى 15 عاما.

وبرغم مشاركة ولي العهد البحريني سلمان بن حمد آل خليفة افتتاح قاعدة "محمد نجيب" العسكرية، وحضور الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة حفل تدشين قاعدة "برنيس" العسكرية، غاب التمثيل البحريني بمستواه الرفيع، في حين يرتبط السيسي والملك حمد بن خليفة بعلاقات ودية، تبعها قرار جمهوري (رقم 432 لسنة 2016) بتملك خليفة، أراض و3 فيلات ب"خليج نعمة" في شرم الشيخ، وقرار آخر بتملك 3 قطع بمساحة 163 فدانا بمحافظة الشرقية آب/أغسطس 2017.

وتزامن افتتاح مبنى "الأوكتاغون" مع ما تشهده المنطقة العربية من حروب وتوترات جيوسياسية في قطاع غزة ولبنان، وإثر الحرب (الأمريكية- الإسرائيلية) على إيران، وما طال دول الخليج العربي خلالها من قصف، إلى جانب اشتعال الحدود الجنوبية لمصر مع حرب السودان منذ العام 2023، واستمرار تأزم الوضع في جارتها الغربية ليبيا.

سأم المظهر الباذخ


وفي قراءته لدلالات غياب جميع القادة العرب ووزراء الدفاع والمسؤولين العرب الكبار عن حفل افتتاح "الأوكتاغون"، وسر تلك المقاطعة وعلاقتها بملفات المنطقة، ومدى سأم العرب من ظهور السيسي بمظهر باذخ بأموالهم، تحدث السياسي المصري الدكتور محمد عماد صابر، لـ"عربي21".

وتساءل: "أولا: هل تم دعوتهم أصلا ولم يحضروا، أم كان الحفل لاستعراض العضلات وإرهاب الشعب المصري، الأمر الذي لن يكون متاحا إذا حضر هؤلاء؟".

ويعتقد عضو لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشعب المصري سابقا، أن "الهدف كان إرهاب الشعب في الذكرى الـ13 لانقلاب (3 تموز/يوليو) هذا للداخل؛ ورسالته للخارج هو إظهار تماسك المؤسسة العسكرية، واصطفاف الجيش خلف السيسي، وهذا ظهر واضحا في خطابه"، موضحا أن "هذا كله لا يناسب استدعاء حضور خارجي".

ويرى أن "خطاب السيسي، الركيك عن ثورة  ٢٥ يناير 2011، واعترافه المذهل ببناء هذا المقر (الأوكتاغون) خوفا من حصار الثائرين قديما يعكس رعبا حقيقيا وخوفا شديدا ولم يكن مظهر قوة".

وخلص للقول: "يبدو أن القادة العرب لن يسرهم أبدا هذا البذخ الهيستيري الذي يستعرض به السيسي، وهم يعلمون أن أموالهم ضاعت في سراديب فساد هذا النظام، حقا؛ لقد سأم العرب من ظهور السيسي بمظهر باذخ بأموالهم".

رسالة برود سياسي


في قراءته، قال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي المصري إلهامي المليجي: "لا أظن أن من الدقة السياسية وصف ما جرى بأنه (مقاطعة عربية وعسكرية لمصر)، بالمعنى الصارم للكلمة، لأن المقاطعة تحتاج إلى قرائن معلنة أو تسريبات دبلوماسية موثقة أو موقف جماعي منسق".

ويرى في حديثه لـ"عربي21"، أنه "من الصعب في المقابل التعامل مع الغياب الواسع للقادة ووزراء الدفاع العرب وكأنه تفصيل بروتوكولي عابر، خصوصًا إذا وضعناه في سياق السوابق التي شهدت حضورًا عربيًا وازنًا في افتتاح قواعد ومنشآت عسكرية مصرية خلال السنوات الماضية".


المليجي يعتقد أن "الأرجح أننا أمام رسالة برود سياسي محسوب، لا قطيعة؛ فالعواصم العربية باتت أكثر تحفظًا في منح الحضور الرمزي المجاني، وأكثر ميلًا إلى التعامل مع القاهرة وفق حسابات دقيقة: ماذا نكسب؟، وماذا نتحمل؟، وما الرسالة التي يرسلها ظهورنا في افتتاح منشأة عسكرية بهذا الحجم، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية؟".

ولفت إلى أن "هناك أكثر من مستوى لقراءة الغياب، المستوى الأول: بروتوكولي وأمني؛ فالأوكتاجون ليس قاعدة عسكرية تقليدية أو مناورة مشتركة، بل مقر قيادة وسيطرة وإدارة أزمات، أي عقل استراتيجي للدولة المصرية، وقد يكون قرار حصر الافتتاح في الطابع المحلي مقصودًا من القاهرة نفسها أو مستحسنًا من الضيوف المحتملين، بحكم حساسية المكان ووظيفته".

"لكن المستوى الثاني سياسي بامتياز؛ فمصر اليوم حاضرة بملفات غزة والسودان وليبيا والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، وفي كل ملف من هذه الملفات توجد تقاطعات واختلافات مع قوى عربية وإقليمية، لذلك لا يمكن عزل الغياب عن مناخ عام تتراجع فيه فكرة الاصطفاف العربي التلقائي خلف القاهرة، لصالح علاقات أكثر نفعية وبراغماتية، حتى بين أقرب الحلفاء"، يؤكد الكاتب المصري.

ماذا عن الإمارات؟


وحول الحالة الإماراتية تحديدًا، قال إن "الغياب أكثر لفتًا للانتباه بسبب كثافة الحضور السابق للشيخ محمد بن زايد في مناسبات عسكرية مصرية كبرى، لكن حتى هنا يجب الحذر من القفز إلى استنتاج القطيعة، ما يمكن قوله إن مستوى الحماسة الرمزية تغيّر، وأن أبوظبي، مثل غيرها، لم تعد ترى ضرورة الظهور في كل منصة مصرية كبرى، خصوصًا إذا كان المشهد قد يُقرأ داخليًا أو عربيًا بوصفه تبنيًا سياسيًا كاملًا لكل خيارات القاهرة الاقتصادية والعسكرية".

وتابع: "العامل الاقتصادي حاضر أيضًا، لكن ينبغي التعامل معه دون مبالغة، فمن الوارد أن يكون لدى بعض العواصم العربية ضيق من مشهد البذخ والإنفاق الرمزي في وقت تواجه فيه مصر أعباء اقتصادية ومعيشية كبيرة، غير أن القول إن العرب "سئموا من ظهور مصر بمظهر باذخ بأموالهم" صياغة انفعالية أكثر منها تحليلًا سياسيًا، والأدق أن نقول إن زمن الدعم المفتوح أو المجاني انتهى، وأن المساعدات والاستثمارات العربية أصبحت مشروطة بالعائد السياسي والاقتصادي، وبضمانات أكثر وضوحًا".

وخلص المليجي للقول إن "الغياب لا يرقى وحده إلى إعلان مقاطعة، لكنه يكشف تراجعًا في فائض الرمزية العربية حول النظام المصري، فلم تعد الصورة الجماعية حول القاهرة سهلة كما كانت في سنوات سابقة، وهذا لا يعني أن مصر معزولة، بل يعني أن موقعها الإقليمي أصبح محكومًا بموازين أشد تعقيدًا: شراكات قائمة، تحفظات كامنة، وتباينات في ملفات المنطقة، مع رغبة عربية واضحة في ألا تتحول المجاملات البروتوكولية إلى شيكات سياسية على بياض".