ذكرت
صحيفة "التايمز" البريطانية أن رئيس الوزراء البريطاني المستقيل كير
ستارمر، الذي بنى اسمه كأحد أبرز محامي حقوق الإنسان في
بريطانيا خلال عمله في مؤسسة "دوتي ستريت تشامبرز"، قد لا يجد ترحيبا بالعودة إلى المؤسسة القانونية التي شهدت صعوده المهني، رغم أن مستقبله قد يتجه نحو الساحة الدولية بدلا من العودة إلى ممارسة المحاماة.
ونقلت الصحيفة عن مصادر مقربة من محامين في المؤسسة القانونية الواقعة وسط لندن أن ستارمر فقد كثيرا من رصيده لدى زملائه السابقين بسبب سياستين أثارتا جدلا واسعا خلال فترة توليه رئاسة الحكومة.
وبحسب المصادر، فإن أولى نقاط الخلاف تمثلت في محاولة حكومته تقليص عدد القضايا التي تنظرها هيئات المحلفين في المحاكم الجنائية، ضمن خطة لمعالجة التراكم القياسي للقضايا أمام محاكم التاج في إنجلترا وويلز.
وكان ستارمر ووزير العدل ديفيد لامي قد دافعا عن المشروع باعتباره الوسيلة الوحيدة لمعالجة التأخير الكبير في النظام القضائي، إلا أن المقترح واجه معارضة واسعة داخل البرلمان، بما في ذلك من بعض نواب حزب العمال.
أما القضية الثانية التي أثارت غضبا داخل الأوساط القانونية، فكانت تصريحات ستارمر خلال عرضه ورقة الحكومة البيضاء بشأن الهجرة قبل أكثر من عام، عندما قال إن غياب "القواعد العادلة" للهجرة قد يجعل بريطانيا "جزيرة من الغرباء لا أمة تسير معا".
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه العبارة أثارت انتقادات حادة بسبب تشابهها، في نظر منتقديه، مع خطاب "أنهار الدماء" الشهير الذي ألقاه السياسي البريطاني اليميني إينوك باول عام 1968.
ورغم أن ستارمر قدم اعتذارا لاحقا في مقابلة مع صحيفة "الأوبزرفر"، قائلا: "لم أكن لأستخدم تلك الكلمات لو كنت أعلم أنها ستفسر أو يمكن أن تفسر على أنها صدى لخطاب باول. لم أكن أعلم ذلك، وكذلك كتاب خطاباتي"، فإن الاعتذار لم ينجح في تهدئة الانتقادات.
ونقلت الصحيفة عن أحد المصادر قوله: "لا توجد أي فرصة على الإطلاق لعودة كير ستارمر إلى دوتي ستريت، حتى لو أراد ذلك. هناك قدر كبير من الاستياء بسبب سياسة المحلفين وتصريحات الغرباء".
في المقابل، استبعد عدد من المقربين من ستارمر أن يكون مهتما أصلا بالعودة إلى العمل القانوني التقليدي، حتى في المناصب المربحة المرتبطة بالتحكيم القانوني الدولي.
وقال أحد المحامين المقربين منه: "العودة إلى ما كان يفعله قبل عشرين عاما لن تكون أمرا مرضيا بالنسبة له".
وأشارت مصادر سياسية وقانونية تحدثت للصحيفة إلى أن بقاء ستارمر نائبا في البرلمان عن دائرة هولبورن وسانت بانكراس حتى الانتخابات المقبلة يبقى احتمالا ضعيفا.
وقال مصدر بارز في حزب العمال: "لا أعتقد أنه يرغب في العودة إلى مجلس العموم مجددا إذا استطاع تجنب ذلك".
وبحسب الصحيفة، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا يتمثل في انتقاله إلى منصب دولي رفيع المستوى.
ومن بين المناصب المطروحة، منصب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، خاصة في ظل الأزمة التي يواجهها المدعي العام الحالي كريم خان، الذي يواجه اتهامات تتعلق بالتحرش الجنسي أدت إلى تعليق مهامه، رغم نفيه ارتكاب أي مخالفات.
ورأت الصحيفة أن خبرة ستارمر السابقة كمدير للادعاء العام في بريطانيا لمدة خمس سنوات قبل دخوله البرلمان عام 2015 قد تجعله مرشحا مناسبا للمنصب.لكن بعض المقربين منه اعتبروا أن المنصب قد لا يرقى إلى مستوى طموحاته الحالية.
وقال أحد المحامين المقربين من ستارمر: "المحكمة الجنائية الدولية تعد هامشا بالنسبة للمحامين الدوليين، وهي ليست المكان المناسب لشخص يريد إحداث تغيير منهجي في المجتمع والعالم".
وأضاف المصدر ذاته أن ستارمر "قد يتم استقطابه لمنصب دولي كبير، وربما حتى لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة".
ولفتت الصحيفة إلى أن هذا الاحتمال يكتسب زخما مع اقتراب انتهاء ولاية الأمين العام الحالي للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الذي يتعين عليه مغادرة منصبه بنهاية العام الجاري.
وأكدت أن عملية البحث عن خليفة لغوتيريش بدأت بالفعل، وأن دخول ستارمر السباق سيتطلب حصوله على دعم الحكومة البريطانية المقبلة.
ونقلت عن أحد المصادر قوله إن ستارمر "يحظى باحترام كبير على المستوى الدولي باعتباره شخصية موثوقة ومتزنة ومجتهدة"، مضيفا أن "العمل الدولي لا يتطلب الاستعراض السياسي الذي تفرضه السياسة الداخلية، كما أن الجميع على الساحة العالمية ينظرون إليه باعتباره سياسيا متميزا".
وفي السياق ذاته، أشارت الصحيفة إلى أن النائب العام البريطاني الحالي اللورد ريتشارد هيرمر، الذي يعد من المقربين من ستارمر، قد يعود إلى العمل القانوني بعد انتهاء الحكومة الحالية.
ونقلت عن أحد المصادر قوله إن هيرمر "حتى لو لم يعد إلى نقابة المحامين، فسيكون من السهل أن تستقطبه إحدى شركات المحاماة الأمريكية الكبرى العاملة في لندن، التي تبدو مولعة بهذا النوع من التعيينات".