كشف الاحتلال الإسرائيلي، الخميس، عن خريطة جديدة تظهر توسع نطاق سيطرة قواتها داخل الأراضي
اللبنانية، في خطوة اعتبرها مراقبون تحديا مباشرا لبنود مذكرة التفاهم الأمريكية
الإيرانية التي نصت على احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه، فيما أكدت تل أبيب تمسكها بالإبقاء على قواتها داخل الجنوب اللبناني ومواصلة عملياتها العسكرية عند الضرورة.
وقالت وكالة "رويترز" إن الجيش الإسرائيلي نشر خريطة محدثة توضح اتساع ما يسميه "المنطقة الأمنية" في جنوب لبنان، مشيرا إلى أن قواته باتت تعمل في مناطق أعمق داخل الأراضي اللبنانية، بعضها يقع قرب مدينة النبطية شمال نهر الليطاني، المعروفة بأنها من أبرز معاقل
حزب الله.
ونقلت الوكالة عن مسؤول إسرائيلي كبير قوله إن تل أبيب تخوض "مفاوضات عصيبة" مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب بهدف الإبقاء على انتشار قواتها بعمق يصل إلى عشرة كيلومترات داخل جنوب لبنان، تحت ذريعة ملاحقة عناصر حزب الله.
ويأتي هذا الموقف رغم أن مذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران الأربعاء الماضي لإنهاء الحرب بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى، نصت على إنهاء الأعمال العسكرية في جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وضمان "وحدة أراضي لبنان وسيادته".
الاحتلال يرفض الانسحاب
ورفض الاحتلال الإسرائيلي الدعوات المتزايدة للانسحاب من المناطق التي سيطرت عليها في جنوب لبنان عقب حملتها العسكرية البرية التي بدأت في آذار/ مارس الماضي، ردا على هجمات صاروخية نفذها حزب الله.
وبحسب "رويترز"، أسفرت العمليات العسكرية الإسرائيلية وتدمير القرى الحدودية عن سقوط آلاف الضحايا وحدوث موجات نزوح واسعة، فيما واصل حزب الله خلال الأيام الأخيرة تنفيذ هجمات ضد القوات الإسرائيلية، بينها هجمات بطائرات مسيرة متفجرة أوقعت قتلى وجرحى في صفوف الجنود.
وفي الخريطة الجديدة، التي نشرها جيش الاحتلال٬ تم تمييز المنطقة الخاضعة لسيطرته باللون الأحمر الداكن تحت عنوان: "المنطقة الأمنية التي يعمل فيها جنود جيش الدفاع الإسرائيلي في جنوب لبنان".
وقال مسؤول عسكري إسرائيلي إن الجيش "سيواصل القضاء على التهديدات التي يرصدها ضد الجنود والمدنيين في دولة إسرائيل بما يتجاوز المنطقة الأمنية"، في إشارة واضحة إلى إمكانية تنفيذ عمليات عسكرية أعمق داخل الأراضي اللبنانية.
حزب الله يرفض
وفي أول رد على الطرح الإسرائيلي، رفض الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، الاعتراف بأي مناطق أمنية يفرضها الاحتلال الإسرائيلي داخل لبنان.
وقال في خطاب متلفز مساء الأربعاء الماضي: "لا يوجد مناطق تجريبية ولا مناطق آمنة لإسرائيل، ولا صفراء ولا حمراء ولا خضراء، على إسرائيل أن ترحل وسترحل".
وأشارت "رويترز" إلى أن الأسابيع الأخيرة شهدت تباينات متزايدة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين
نتنياهو، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تثبيت اتفاقها مع إيران وإنهاء الحرب التي خاضتها إلى جانب إسرائيل ضد طهران.
وأبدى مسؤولون إسرائيليون استياءهم من الاتفاق الأمريكي الإيراني، معتبرين أنه لا يبدد المخاوف الإسرائيلية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، كما أنه يفرض قيودا على حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية في لبنان.
وفي أول تعليق له منذ توقيع الاتفاق، أكد نتنياهو أن "إسرائيل تقدر علاقتها مع الولايات المتحدة"، لكنه شدد على أولوية الأمن الإسرائيلي.
وقال: "يتطلب ذلك الاحتفاظ بشريط أمني في جنوب لبنان ويتطلب ذلك عدم المغادرة من هناك ما دام الأمن الإسرائيلي يتطلب ذلك".
في المقابل، لم يخف ترامب امتعاضه من النهج الإسرائيلي، إذ انتقد عمليات القصف الواسعة التي تستهدف المناطق السكنية في لبنان، معتبرا أنه "ليس من الضروري قصف مبان سكنية بأكملها لملاحقة مقاتلي حزب الله".
ورغم هذه الانتقادات، لم تظهر حتى الآن أي مؤشرات على توجه الإدارة الأمريكية لاتخاذ إجراءات عملية ضد الاحتلال الإسرائيلي، مثل تقليص المساعدات العسكرية أو تأخير شحنات الأسلحة.
رسالة سياسية قبل مفاوضات واشنطن
ويرى خبراء أن توقيت نشر الخريطة الجديدة يحمل رسائل سياسية واضحة قبل جولة محادثات مرتقبة بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي برعاية أمريكية في واشنطن الأسبوع المقبل.
وقال الضابط السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية والباحث في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، داني سيترينوفيتش، إن نشر الخريطة يهدف إلى توجيه رسالة مفادها: "سنبقى هنا.. هذا مكاننا، ولن ننسحب من هنا".
في المقابل، أكد مسؤولون إسرائيليون لـ"رويترز" أن تل أبيب قد تدرس الانسحاب من بعض المناطق إذا أحرزت المفاوضات مع لبنان تقدما ملموسا، خصوصا في ملف نزع سلاح حزب الله، بينما يتمسك الجانب اللبناني بمطلب الانسحاب الإسرائيلي الكامل.
من جهته، قال الباحث في جامعة بار إيلان الإسرائيلية، جوناثان راينهولد، إن الاتفاق الأمريكي الإيراني يمنح إسرائيل "مساحة للمناورة".
وأضاف: "الإشارة إلى وحدة أراضي لبنان وسيادته تعني بالتأكيد أن على إسرائيل أن تنسحب، لكنها تعني أيضا أنه لا ينبغي أن يحتفظ حزب الله بأسلحة تشكل تهديدا لسيادة الدولة اللبنانية".