شهد الأسبوع الأول من
كأس العالم 2026 المقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسكيك، العديد من الأحداث البارازة والقصص الاستثنائية، ولعل أبرزها وأكثرها غرابة كان اللون
الوردي الذي غزا أقدام اللاعبين في مختلف المنتخبات المشاركة.
ومن المباراة الافتتاحية بين المكسيك وجنوب أفريقيا، ظهرت أعداد كبيرة من اللاعبين، سواء داخل الملعب أو على مقاعد البدلاء، وهم يرتدون أحذية بدرجات مختلفة من الوردي والفوشيا والألوان الفلورية، في ظاهرة امتدت لاحقا إلى معظم مباريات البطولة، حتى باتت السمة البصرية الأبرز للمونديال الحالي.
وبدا انتشار الأحذية الوردية وكأنه حملة موحدة بين الشركات المصنعة الكبرى، بعدما طرحت "نايكي - Nike"، و"أديداس - adidas"، و"بوما - PUMA"، و"نيو بالانس - New Balance"، مجموعات متقاربة للغاية من حيث الألوان، رغم المنافسة الشرسة بينها في سوق المعدات الرياضية، بحسب تقرير لموقع "
إن إس إس سبورت".
من الأسود إلى الفوشيا
على مدى عقود طويلة، ارتبطت كرة القدم بالأحذية السوداء التقليدية التي كانت تهيمن على الملاعب حول العالم. لكن العقدين الأخيرين شهدا تحولا تدريجيا نحو الألوان الزاهية، قبل أن يصل هذا التحول إلى ذروته في مونديال 2026.
وترى مجلة "
جي كيو" أن كأس العالم يترك دائما "بصمة بصرية" في ذاكرة الجماهير؛ ففي مونديال 2010 ارتبطت البطولة بكرة "جابولاني" الشهيرة، بينما ارتبطت نسخة 2022 بصورة الأرجنتيني ليونيل ميسي وهو يرفع الكأس بالبشت العربي، أما نسخة 2026 فقد تُعرف مستقبلا بأنها "بطولة الأحذية الوردية".
وتوضح المجلة أن
اللون الوردي كان في الماضي خيارا يقتصر على اللاعبين الباحثين عن لفت الأنظار، مثل الدنماركي نيكلاس بيندتنر، والبرازيلي نيمار، لكنه تحول اليوم إلى خيار جماعي تتبناه معظم العلامات التجارية واللاعبين على أعلى المستويات.
سباق تسويقي
قبل انطلاق البطولة بأسابيع قليلة، كشفت الشركات الرياضية العالمية عن مجموعاتها الخاصة بالمونديال، والتي تمحورت جميعها تقريبا حول اللون الوردي أو الألوان القريبة منه.
ففي 25 أيار/ مايو الماضي، أطلقت نايكي مجموعة "Breakout Pack"، التي صممت خصيصا لكأس العالم 2026. وضمت المجموعة خمسة نماذج رئيسية، أبرزها حذاء Mercurial Superfly 11 الذي يرتديه البرتغالي كريستيانو رونالدو والفرنسي كيليان مبابي، بالإضافة إلى Mercurial Vapor 17 الذي يرتديه البرازيلي فينيسيوس جونيور وعدد من نجوم البطولة.
كما شملت المجموعة حذائي Phantom 6 وTiempo Maestro، اللذين ارتداهما لاعبون بارزون مثل الهولندي فيرجيل فان دايك والألماني جمال موسيالا والبلجيكي كيفن دي بروين. وتميزت جميع النماذج بدرجات قوية من اللون الوردي مع مساحات محدودة باللون الأبيض.
ولم تنتظر أديداس طويلا للرد على منافستها الأمريكية، إذ أطلقت في الثاني من حزيران/ يونيو مجموعة "Road to Glory Pack"، التي ضمت أحذية F50 وPredator وCopa الشهيرة، مع اعتماد لون "Solar Red" القريب جدا من الوردي الفاقع، وإضافة تفاصيل باللونين الأسود والذهبي إلى جانب صورة كأس العالم للمرة الأولى على بعض التصاميم.
وارتدى هذه الأحذية عدد من أبرز نجوم البطولة، بينهم الإسباني لامين يامال والإنجليزي جود بيلينغهام، في إطار حملة تسويقية ضخمة هدفت إلى ربط المنتج مباشرة بأكبر حدث كروي في العالم.
أما شركة نيو بالانس، فقد سبقت الجميع بإطلاق مجموعة "Pure Ambition Pack" في آذار/ مارس، وضمت حذائي Furon V8 وTekela V5 بلون أطلقت عليه اسم "Pink Heat". وارتدى هذه الأحذية عدد من المواهب الصاعدة والنجوم، من بينهم البرازيلي إندريك.
كما قدمت بوما مجموعة "Showtime Pack" التي اعتمدت اللون الوردي بدرجة أقل من منافسيها، لكنها حافظت على الفكرة العامة القائمة على الألوان الفاقعة عالية الظهور، خاصة في نماذج Ultra 6 وFuture 9 Ultimate التي ارتداها نجوم مثل ممفيس ديباي وكودي غاكبو ونيمار.
لماذا الوردي؟
تشير التفسيرات إلى تداخل عوامل تسويقية ونفسية وثقافية وراء هذا التوجه، فبحسب المجلة الأسترالية، تغيّرت طريقة مشاهدة كرة القدم بصورة جذرية خلال السنوات الأخيرة. فالمباريات لم تعد تُستهلك عبر شاشات التلفاز فقط، بل أصبحت اللقطات القصيرة والإعادات السريعة ومقاطع "تيك توك" و"إنستغرام" جزءا أساسيا من تجربة المشاهدة.
وفي هذا السياق، تحتاج العلامات التجارية إلى ألوان قادرة على جذب الانتباه خلال ثوان معدودة. ونقلت المجلة عن تقارير متخصصة أن اللون الوردي يتمتع بدرجة تباين مرتفعة مع العشب الأخضر، ما يجعله من أكثر الألوان وضوحا في البث التلفزيوني والإعادات البطيئة واللقطات الرقمية القصيرة.
الجانب النفسي
من جهتها، قدمت نايكي تفسيرا إضافيا يتعلق بعلم النفس الرياضي، ووفقا لتقرير نقل
تصريحات أودينغا نيماكو، أحد المسؤولين عن قسم أحذية كرة القدم العالمية في الشركة، فإن الدراسات التي أجرتها نايكي أظهرت أن اللاعبين يفضلون ارتداء الألوان الأكثر جرأة وسط الضغوط الكبيرة للمباريات الكبرى.
وأوضح نيماكو أن اللاعبين يعتبرون الأحذية الوردية بمثابة رسالة ثقة بالنفس، إذ إن ارتداء لون صاخب وملفت يتطلب أداء يوازي هذا الحضور البصري. وأضاف أن اللون الوردي أصبح يحظى بقبول ثقافي واسع عالميا، ما يجعله جذابا أيضا للمستهلكين خارج الملاعب.
كما كشفت الشركة أن اختبارات التصميم أثبتت أن اللون الوردي هو الأكثر بروزا على أرضية الملعب الخضراء مقارنة بمعظم الألوان الأخرى، وهو ما عزز قرار اعتماده في المجموعة المخصصة للمونديال.
بالاتجاهات الاستهلاكية
وراء هذا التوافق اللافت بين الشركات المنافسة تقف صناعة كاملة قائمة على تحليل الاتجاهات المستقبلية، فقد أشارت التقارير إلى أن وكالة التنبؤ العالمية WGSN كانت قد حددت منذ عام 2024 لون "Electric Fuchsia" باعتباره أحد أبرز ألوان ربيع وصيف 2026.
وتعتمد شركات الأزياء والملابس الرياضية على هذه التوقعات عند تطوير منتجاتها، خاصة أن تصميم الأحذية الرياضية وإنتاجها يبدأ قبل عامين أو أكثر من طرحها في الأسواق. ولذلك يرجح خبراء الصناعة أن الشركات المختلفة وصلت إلى الخيار نفسه لأنها استندت إلى الدراسات والتوقعات ذاتها.
وقال مصمم الأحذية الشهير كريستيان تريسر، صاحب تصاميم أيقونية لدى نايكي، إن ما يحدث "هو نتيجة طبيعية عندما تستخدم أقسام التسويق وتحليل الاتجاهات المصادر نفسها".
لا أحد يبرز
أوجد الانتشار الكبير للون الوردي مشكلة غير متوقعة للشركات المصنعة، فبينما كان الهدف الأساسي من استخدام اللون هو تمييز اللاعبين المرتبطين بعلامة تجارية معينة، أدى اعتماد جميع الشركات للون نفسه تقريبا إلى نتيجة عكسية؛ إذ أصبح من الصعب على المشاهد العادي التمييز بين منتجات نايكي وأديداس وبوما ونيو بالانس خلال المباريات.
وأشار تقرير نايكي إلى أن انتشار اللون على نطاق واسع جعل اللاعبين الذين لا يرتدون أحذية وردية هم الأكثر لفتا للانتباه في بعض الأحيان، وهو ما منح بعض العلامات الصغيرة أو النماذج ذات الألوان المختلفة فرصة أفضل للظهور.
أصل الحكاية
رغم أن الظاهرة تبدو جديدة، فإن جذورها تعود إلى عام 2008 عندما ارتدى المهاجم الدنماركي نيكلاس بيندتنر حذاء Nike Mercurial Vapor IV Rosa الوردي خلال مباراة في دوري أبطال أوروبا.
وأثار الحذاء آنذاك ضجة إعلامية واسعة، حتى أن صحيفة "ذا صن" البريطانية خصصت له عنوانا ساخرا في اليوم التالي. ومنذ ذلك الوقت، واصلت الشركات تطوير عشرات الإصدارات الوردية ضمن سلاسل Mercurial وPredator وTiempo وغيرها، لكن أي نسخة سابقة لم تشهد هذا المستوى من الانتشار الجماعي.
ولهذا السبب يرى متابعون أن
كأس العالم 2026 قد يدخل تاريخ اللعبة باعتباره النسخة التي تحولت فيها الأحذية الوردية من مجرد موضة رياضية إلى ظاهرة تسويقية واقتصادية عالمية تعكس تداخل كرة القدم مع صناعة الأزياء وتحليل البيانات وسلوك المستهلكين.
"GTA VI" وميامي
ولم تقتصر تفسيرات موجة الأحذية الوردية على التسويق الرياضي أو اتجاهات الموضة العالمية، إذ رأى متابعون على منصات التواصل الاجتماعي أن المشهد البصري للمونديال الحالي يذكّر بصورة لافتة بالعالم البصري للعبة GTA 6 المرتقبة.
فاللون الفوشي الكهربائي الذي هيمن على أحذية اللاعبين يتقاطع مع الهوية البصرية التي اعتمدتها شركة روكستار في الترويج للعبة، والمستوحاة من أجواء مدينة ميامي وولاية فلوريدا بألوان النيون الوردية والبنفسجية.
ويزداد هذا الربط حضورا مع استضافة ميامي عددا من مباريات كأس العالم 2026 وتحولها إلى إحدى العواصم الثقافية للبطولة، حيث امتزجت كرة القدم بالموضة والفنون والثقافة الشعبية في مشهد يعكس "صيف ميامي" أكثر مما يعكس مجرد بطولة كرة قدم.
ويرى خبراء تسويق أن التشابه لا يعود بالضرورة إلى تنسيق مباشر بين شركات الأحذية الرياضية ومنتجي ألعاب الفيديو، بل إلى اعتماد الطرفين على الاتجاهات الاستهلاكية ذاتها، بحسب موقع "
إكسيوس".
فوكالات التنبؤ بالموضة كانت قد حددت منذ عام 2024 لون "Electric Fuchsia" باعتباره أحد ألوان عام 2026، وهو اللون نفسه الذي يهيمن على أحذية كأس العالم وعلى جزء كبير من الثقافة البصرية السائدة حاليا، من الأحذية الرياضية والأزياء إلى الحملات الترويجية المرتبطة بميامي وفلوريدا.