من النووي إلى نتنياهو.. ما العقبات التي تهدد بنسف الاتفاق بين واشنطن وطهران

سيعتمد نجاح المفاوضات على قدرة الطرفين على إدارة خلافاتهما بشأن القضايا الجوهرية وتقديم تنازلات متبادلة.. الأناضول
رغم أن التفاهم المؤقت الذي جرى التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران فتح الباب أمام مرحلة جديدة من المفاوضات بعد أشهر من التصعيد العسكري والسياسي، فإن الطريق نحو اتفاق نهائي لا يزال محفوفا بتحديات معقدة قد تعصف بالجهود الدبلوماسية الجارية.

وبين الخلافات العميقة بشأن البرنامج النووي الإيراني ومستقبل العقوبات الاقتصادية، والتباينات حول أمن الملاحة في مضيق هرمز، فضلا عن تأثير إسرائيل والضغوط الداخلية في البلدين، يُخشى من أن مهلة الستين يوما المحددة لاستكمال المفاوضات قد لا تكون كافية لتجاوز الملفات الشائكة التي ظلت لعقود سببا رئيسيا في تعثر أي تسوية شاملة بين الطرفين.

اليورانيوم المخصب وفرق التفتيش
ويبرز الملف النووي بوصفه العقبة الأكثر حساسية في المفاوضات المقبلة، إذ لا يزال الطرفان مختلفين بشأن مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، وآليات التخصيب المستقبلية، فضلا عن مستوى الرقابة والتفتيش الدولي على المنشآت النووية الإيرانية.

ففي حين تطالب واشنطن بتقييد البرنامج النووي بصورة صارمة، ترفض طهران التخلي عن ما تصفه بحقها السيادي في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية.

كما يمثل مضيق هرمز أحد الملفات الشائكة، بعدما تحول خلال الأشهر الماضية إلى نقطة توتر رئيسية أثرت على حركة الطاقة العالمية. وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى ضمان حرية الملاحة دون قيود، تتمسك إيران بالحفاظ على دور مؤثر في إدارة الممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية.

رفع سريع للعقوبات
وتضيف العقوبات الاقتصادية بعدا آخر للخلافات، إذ تطالب طهران برفع سريع للعقوبات والإفراج عن الأصول المالية المجمدة، بينما تصر واشنطن على ربط أي تخفيف للعقوبات بمستوى التزام إيران ببنود الاتفاق. ويرى مراقبون أن هذه القضية قد تتحول إلى اختبار حقيقي لمدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة.

انعدام الثقة وضغط المتشددين
ويضاف إلى ذلك عامل انعدام الثقة المتراكم بين الطرفين، إذ تنظر طهران بريبة إلى الإدارة الأمريكية بعد الضربات العسكرية الأخيرة، فيما تخشى واشنطن من استخدام إيران للمفاوضات كوسيلة لكسب الوقت وتحسين شروطها التفاوضية. كما أن مواقف التيارات المتشددة داخل البلدين قد تلعب دورا حاسما في عرقلة أي تسوية، خاصة إذا اعتبرت أن التنازلات المقدمة تتجاوز الخطوط الحمراء السياسية أو الأمنية.

وفي ظل هذه التعقيدات، سيعتمد نجاح المفاوضات على قدرة الطرفين على إدارة خلافاتهما بشأن القضايا الجوهرية وتقديم تنازلات متبادلة، وإلا فإن السيناريو الأقرب قد يتمثل في تمديد المحادثات أو التوصل إلى اتفاق محدود، مع بقاء احتمالات عودة التوتر والمواجهة العسكرية قائمة في أي لحظة.


ما هي التحديات التي يمكن أن تعرقل الاتفاق النهائي؟
رجح تحليل لوكالة "رويترز"، أن يواجه المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون حال بدء التفاوض في المرحلة المقبلة، مجموعة من العقبات التي يمكن أن تعرقل الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق سلام شامل.

ووفق تقرير أعده مات سبيتالنيك، فإن معظم المحللين يشككون في قدرة الطرفين على التوصل إلى تسوية نهائية خلال فترة الستين يوماً المنصوص عليها في مذكرة التفاهم التي اتفق عليها الرئيس دونالد ترامب والقادة الإيرانيون هذا الأسبوع، رغم أن هناك احتمالاً قائماً بحدوث انفراجة.

وقد أرجأ هذا الاتفاق المؤقت القضايا الأصعب إلى المرحلة التالية من المفاوضات، دون أي ضمانات بأن يتم حلها على الإطلاق. وفيما يلي العوامل التي قد تفسد التوصل إلى اتفاق:

هل يمكنهما تجاوز خلافات الملف النووي؟
ربما يكون مصير البرنامج النووي الإيراني، الذي قال ترامب إنه السبب الرئيسي لدخوله الحرب، هو العامل الذي ينطوي على أكبر قدر من المخاطر بالنسبة للمفاوضات.

ولطالما كرر ترامب في الآونة الأخيرة تصريحاته بأن إيران التزمت بعدم تطوير سلاح نووي أبداً، لكن هذا في الواقع لا يعدو كونه تكراراً لحد كبير لتعهدات سبق أن قطعتها طهران على نفسها.

ومن المرجح أن تتعثر المفاوضات عندما يصل الحديث لنقطة كيفية التعامل مع مخزون إيران من اليورانيوم المخصب لمستوى قريب من المستوى اللازم للاستخدام في صنع القنابل.

خاصةً وأن الرئيس ترامب قال إنه يريد نقله إلى الخارج أو تدميره، ولا تقبل إيران بأي من الخيارين، لكنها أبدت استعداداً محتملاً لتخفيف تركيز المادة.

ومن النقاط الخلافية الأخرى مسألة تخصيب إيران لليورانيوم في المستقبل؛ فقد طالبت الولايات المتحدة في بعض الأحيان بوقف التخصيب تماماً في إيران، في المقابل تقول طهران إنها لن تتنازل عن حقها في التخصيب.

وأفادت مصادر بأن الجانبين ناقشا في السابق إمكانية فرض وقف مؤقت يتراوح بين خمسة و20 عاماً، لكن التوصل إلى حل وسط لا يزال بعيد المنال.

وأيضاً، فإن من ضمن المسائل الخلافية هو فيما إذا كانت إيران ستقبل من جديد بمستوى التفتيش الدولي الذي جرى بموجب الاتفاق النووي الذي توصلت له مع الرئيس السابق باراك أوباما في عام 2015، والذي انسحب منه ترامب في عام 2018.

هل يمكن أن يعقّد مضيق هرمز الأمور؟
لا تزال هناك تساؤلات تُطرح حول المضيق، الذي أوقفت إيران بشكل فعلي حركة المرور عبره، مما تسبب في صدمة عالمية في إمدادات الطاقة بعد الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل عليها في 28 شباط/فبراير.

وبموجب مذكرة التفاهم، ستتم إعادة فتح الممر المائي، الذي كان يمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية، لكن شركات الشحن لا تزال حذرة، وتؤكد واشنطن أن المرور سيكون بدون رسوم.

أما إيران، التي اكتسبت نفوذاً من خلال سيطرتها على الممر، وهو أمر لم يكن كذلك قبل الحرب، فتتمسك بأن يظل لديها دور في إدارة الممر المائي الاستراتيجي.

ماذا عن العقوبات والأصول المجمّدة؟
من العوائق الأخرى رغبة إيران الملحة في أن يرفع ترامب العقوبات بسرعة، ويتيح لها الوصول للمليارات المجمّدة، في حين تقول الولايات المتحدة إن التخفيف سيكون تدريجياً ومرتبطاً بامتثال إيران.

ووفقاً لنص مذكرة التفاهم التي تلاها مسؤولون أمريكيون الأربعاء، ستحصل إيران على الفور على إعفاءات لبيع النفط مرة أخرى، وهي بادرة وُصفت بالـ"تصالحية"، إلا أنها زادت من انتقادات المتشددين تجاه إيران الذين اعتبروا أن ترامب يقدم تنازلات أكثر من اللازم.

ومع ذلك، ربما يكون ترامب غير متحمس لأن يُرى وهو يسلم أموالاً لإيران في أي وقت قريب. وقد بدأت بالفعل المقارنات بين مذكرة التفاهم وبين الاتفاق الذي أبرمه أوباما، وهو الاتفاق الذي كثيراً ما انتقده ترامب بسبب إعادة بعض الأموال لإيران.

هل يمكن أن تحاول إسرائيل إفساد الأمور؟
يصر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي ساعد في إقناع ترامب بشن الحرب، على أن تل أبيب ليست ملزمة بأي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران في حربها ضد "حزب الله" في لبنان.

ورغم أن الأعمال القتالية هناك قد خفت منذ أن انتقد ترامب نتنياهو هذا الأسبوع، فإن أي تصعيد إضافي قد يهدد المفاوضات، وتواصل طهران تأكيدها أن الاتفاق يتطلب أيضاً وقفاً لإطلاق النار في لبنان.

هل يمكن أن تتصادم أساليب التفاوض؟
رجح تحليل "رويترز" أن يواجه الفريق الأمريكي، الذي يضم جيه. دي. فانس نائب الرئيس، والمبعوث ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر صهر ترامب، صعوبة في التوفيق بين أساليب التفاوض المتباينة مع نظرائهم الإيرانيين.

فمن المعروف أن ترامب يريد دوماً نتائج سريعة، بينما تفضل إيران المفاوضات المطولة. وقد شكّل هذا مشكلة في الجولات السابقة التي عادةً ما انتهت بالفشل، ويمكن أن يؤدي لنتيجة مماثلة هذه المرة أيضاً.

ورغم أن ترامب أبلغ الصحفيين بأن هذه المرحلة من المفاوضات ستكون "أسهل" من الأولى، ويسعى الطرفان إلى إنهاء الصراع؛ فالرئيس يتعرض لضغوط متزايدة في الداخل بسبب ارتفاع أسعار البنزين، في حين تلقت إيران ضربات عسكرية واقتصادية موجعة.

ومع ذلك، من المتوقع أن يفتقر الفريق الأمريكي إلى الخبرة الفنية التي تُمكّنه من مجاراة مفاوضين مخضرمين معروفين بتاريخهم في إطالة أمد المفاوضات، وهو ما يعني أن فترة الستين يوماً قد تكون قصيرة جداً لصياغة اتفاق مفصل؛ فقد استغرق إبرام اتفاق أوباما حوالي عامين.

وحتى في حال التوصل إلى اتفاق، ربما تكون هناك شكوك حول تنفيذه؛ فقد سبق وساهم ترامب في التوسط لإبرام وقف لإطلاق النار العام الماضي في الحرب بين دولة الاحتلال وحركة المقاومة حماس في غزة، لكن العملية تراوح مكانها منذ ذلك الحين.

هل يمكن أن يكون غياب الثقة عاملاً مؤثراً؟
ما زالت إيران تراودها الشكوك إزاء ترامب الذي شن هجومين عليها خلال عام واحد بينما كان الجانبان يجريان مفاوضات، كما أن استعداد الإيرانيين لتقديم تنازلات ربما يتوقف على موقف المرشد مجتبى خامنئي الذي يعتبر أكثر تشدداً من والده.

في المقابل، ستكون الولايات المتحدة أيضاً متشككة، وستراقب ما إذا كانت إيران تتعمد المماطلة، خاصة وأن مساعدي ترامب سبق وأكدوا أنهم رصدوا هذا الأسلوب من قبل.

وإذا لم يتمكن الطرفان من تجاوز الخلافات للتوصل إلى تسوية شاملة، فسيظل هناك احتمال للتوصل إلى اتفاق محدود أو تمديد المفاوضات، وسيكون خطر تجدد الأعمال القتالية حاضراً دوماً في الأفق.

عوامل أخرى ربما تؤدي لفشل المفاوضات
هناك جملة من العوامل التي قد تتعثر بسببها المفاوضات، ومنها إذا ما رضخ ترامب لضغوط المتشددين إزاء إيران الرافضين لتقديم تنازلات، أو إذا أجبر غلاة المتشددين في إيران مفاوضيهم على اتخاذ موقف أكثر تعنتاً.

وكذلك، إذا أدت التفسيرات المتضاربة بالفعل لمذكرة التفاهم إلى خلق توقعات غير واقعية، وأيضاً إذا أطلق ترامب تهديدات عنيفة على شاكلة تلك التي أطلقها خلال الصراع، وهو ما سيدفع إيران إلى الانسحاب من المفاوضات.