أثار حكم محكمة الاستئناف البريطانية القاضي بتأييد قرار وزارة الداخلية تصنيف حركة "فلسطين أكشن" منظمة إرهابية موجة واسعة من الانتقادات داخل الأوساط الحقوقية والقانونية، وسط تحذيرات من انعكاسات القرار على الحريات العامة وحق الاحتجاج في المملكة المتحدة.
ويأتي القرار بعد سلسلة من الأحكام القضائية التي استهدفت عددا من نشطاء الحركة، الأمر الذي دفع مراقبين إلى التساؤل بشأن مستقبل النشاط المؤيد لفلسطين في
بريطانيا، خاصة في ظل تصاعد الضغوط السياسية والإعلامية المرتبطة بالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
محام: الحكم "إجهاض للعدالة"
وفي هذا السياق، نقلت إذاعة "إل بي سي" المحلية البريطانية عن المحامي البريطاني البارز في مجال حقوق الإنسان مايكل مانسفيلد انتقاده الشديد للأحكام الصادرة بحق أعضاء الحركة.
وقال مانسفيلد إن الحكم على أربعة نشطاء من "فلسطين أكشن" بصفتهم إرهابيين يعد "أمرا مرعبا"، معتبرا أن ما جرى يمثل "إجهاضا للعدالة".
ويعد مانسفيلد من أبرز المحامين في بريطانيا، واشتهر بتوليه قضايا بارزة تتعلق بحقوق الإنسان، من بينها قضية مقتل ستيفن لورنس وحريق برج غرينفيل.
كما كان من بين عشرات المحامين الذين وقعوا على رسالة قانونية أكدت أن "الحكم على النشطاء بصفتهم إرهابيين من شأنه أن ينتهك المبادئ القانونية الأساسية".
قاض يحذر من "خلل خطير"
وفي تصريحات أخرى لإذاعة "إل بي سي"، قال القاضي السابق في المحكمة العليا البريطانية اللورد جوناثان سومبشن إن هناك "خللا خطيرا" في تطبيق قانون مكافحة الإرهاب فيما يتعلق بقضية "فلسطين أكشن".
واعتبر أن استخدام التشريعات الخاصة بالإرهاب ضد الحركة يثير تساؤلات قانونية مهمة حول حدود التفسير الحكومي للقانون ومدى توافقه مع الحقوق الأساسية المكفولة للمواطنين.
تأسست حركة "فلسطين أكشن" عام 2020 في بريطانيا باعتبارها شبكة من النشطاء تتبنى أسلوب "العمل المباشر" للضغط على الشركات والمؤسسات التي ترى أنها تشارك في تزويد
الاحتلال الإسرائيلي بالأسلحة أو تقدم دعما للصناعات العسكرية المرتبطة بها.
وبدأت الحركة نشاطها باستهداف مقر شركة "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية للصناعات العسكرية في لندن، قبل أن توسع عملياتها لتشمل عشرات المواقع والمنشآت المرتبطة بقطاع الصناعات الدفاعية داخل بريطانيا.
وتعتمد الحركة في أنشطتها على الاعتصامات المفتوحة، وإغلاق مداخل المصانع، واحتلال المباني، ورش الطلاء الأحمر الرمزي، إضافة إلى إتلاف بعض المعدات التي تعتبرها مرتبطة بصناعة السلاح.
وتقول الحركة إن هدفها يتمثل في تعطيل أنشطة الشركات المتعاونة مع الجيش الإسرائيلي، بينما تصف الحكومة البريطانية والشركات المستهدفة تلك الأنشطة بأنها أعمال تخريبية وغير قانونية.
من يقود الحركة؟
أسس الحركة الناشط البريطاني ريتشارد برنارد والناشطة البريطانية الفلسطينية هدى عموري، التي تحولت إلى أحد أبرز وجوه الحراك المؤيد لفلسطين في المملكة المتحدة.
وتؤكد الحركة أن غايتها الأساسية تتمثل في إنهاء ما تصفه بالدعم البريطاني للاحتلال الإسرائيلي، ومساندة حق الفلسطينيين في تقرير المصير وعودة اللاجئين.
وشهدت أنشطة الحركة تصاعدا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، ما دفع الحكومة البريطانية في تموز/ يوليو 2025 إلى حظرها بموجب قانون الإرهاب، في خطوة أثارت انقساما واسعا بين مؤيدين ومعارضين.
ورغم نجاح الحركة في شباط/ فبراير الماضي بالحصول على حكم من المحكمة العليا اعتبر قرار الحظر غير قانوني، فإن محكمة الاستئناف ألغت ذلك الحكم الاثنين 15 حزيران/ يونيو 2026.
وأكدت محكمة الاستئناف في حيثيات حكمها أن قرار وزارة الداخلية بحظر الحركة جاء ضمن الصلاحيات القانونية المخولة للحكومة.
وقالت المحكمة إن القرار "حقق توازنا عادلا" بين حماية الأمن العام وضمان الحقوق القانونية، معتبرة أن المحكمة العليا أخطأت في تفسير سياسة الحظر وتقييم مبدأ التناسب الذي استند إليه القرار الحكومي.
ويأتي هذا التطور في سياق مواجهة أوسع بين السلطات البريطانية والحركات المناصرة لفلسطين، وسط اتهامات من النشطاء بوجود ضغوط متزايدة لتقييد الاحتجاجات المنتقدة للاحتلال الإسرائيلي.
اتهامات بتوسيع استهداف أنصار فلسطين
ويرى ناشطون أن استهداف "فلسطين أكشن" لا يتعلق بالحركة وحدها، بل يمثل جزءا من توجه أوسع لتضييق الخناق على النشاط المؤيد لفلسطين داخل بريطانيا.
ويشير هؤلاء إلى محاولات سابقة لتقييد التظاهرات المؤيدة للفلسطينيين، بينها الإجراءات التي تبنتها وزيرة الداخلية السابقة سويلا برافرمان خلال حكومة ريشي سوناك، قبل إقالتها على خلفية الجدل السياسي المتعلق بالحرب على غزة.
كما يتهم ناشطون جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل بالسعي إلى توسيع تعريف "معاداة السامية" ليشمل انتقاد السياسات الإسرائيلية أو المطالبة بوقف الدعم البريطاني لتل أبيب.
هدى عموري: لن نستسلم
من جهتها، أكدت المؤسسة المشاركة للحركة هدى عموري أن "فلسطين أكشن" ستواصل معركتها القانونية رغم قرار محكمة الاستئناف.
وقالت عموري، في تصريحات لصحيفة "الغارديان" البريطانية، إنها واثقة من أن الطعن القانوني ضد الحظر سينجح في نهاية المطاف، سواء عبر المحاكم البريطانية أو من خلال اللجوء إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
وأعربت عن خيبة أملها من القرار، لكنها شددت على أن الحظر يبقى "غير متناسب" مع مبادئ حرية التعبير وحق الاحتجاج، مؤكدة أن الإجراءات القانونية والسياسية ستستمر حتى إلغاء القرار أو تعديله.
وتعد قضية "فلسطين أكشن" من أكثر القضايا إثارة للجدل في بريطانيا خلال السنوات الأخيرة، إذ يرى منتقدو القرار أنها المرة الأولى التي يتم فيها استخدام قانون الإرهاب لحظر حركة احتجاجية مباشرة، بينما تؤكد الحكومة أن نشاط الحركة تجاوز حدود الاحتجاج السلمي وأصبح يشكل تهديدا للأمن والنظام العام.