يشهد العالم خلال هذا العام واحدة من أكثر موجات
الجفاف، إذ تجتاح الأزمة
المناخية من الجفاف في
أوروبا الذي يضرب من البرتغال إلى فنلندا، مرورا بموسم أمطار سادس فاشل على التوالي يعصف بالقرن الأفريقي، وصولا إلى إعلان ولاية أمريكية كاملة حالة طوارئ.
وعلى الرغم من اختلاف العوامل المباشرة التي تقف وراء كل أزمة، تشير دراسات علمية حديثة إلى وجود عامل مشترك بينها جميعا، يتمثل في التأثير المتزايد والواضح لتغير المناخ.
أوروبا تواجه واحدا من أكثر فصول الصيف جفافا
وصف
مرصد الجفاف الأوروبي التابع للمركز المشترك للأبحاث الأوروبي (JRC) صيف 2026 بأنه "أحد أبرز أحداث الحر والجفاف في أوروبا خلال السنوات الأخيرة"، موضحا أن مناطق واسعة من القارة، من البرتغال جنوب غربا إلى جنوب فنلندا شمال شرقا، تلقت هطولا أمطار أقل من المعدل بين نيسان/أبريل وحزيران/يونيو 2026.
وأدت هذه الظروف، مقترنة بموجات حر متعاقبة، إلى تزايد الجفاف وتسببها في انخفاض غير معتاد لمناسيب الأنهار وحرائق غابات واسعة، بلغت مساحتها حتى تموز/يوليو نحو 116 ألف هكتار في إسبانيا و42 ألف هكتار في فرنسا،
بحسب بيانات نظام المعلومات الأوروبي لحرائق الغابات التي استعرضتها منصة "
WWA" المتخصصة في المناخ العالمي.
وأكد فريق علمي من 13 دولة، ضم باحثين من النمسا وألمانيا والمجر ولاتفيا وهولندا ورومانيا وسلوفينيا وإسبانيا والسويد وسويسرا وجمهورية التشيك وبريطانيا والولايات المتحدة، أن ظروف الجفاف الجوي الشديدة الملاحظة بين نيسان/أبريل وحزيران/يونيو في غرب أوروبا "باتت أكثر احتمالا بنحو 80 مرة"، أو ما يعادل زيادة في شدتها بنسبة 7 بالمئة، بفعل تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري، بحسب المنصة نفسها.
أما في شرق القارة، فقد أظهر التحليل أن ظروفا مماثلة من الجفاف الجوي المسجلة بين كانون الثاني/يناير وحزيران/يونيو باتت أكثر احتمالاً بنحو 40 مرة، أي بزيادة في الشدة تقارب 8 بالمئة.
وحذرت من أن الجفاف تسبب في خسائر زراعية تاريخية، من بينها أدنى محصول ذرة تشهده فرنسا منذ 50 عاماً، وفقدان أكثر من مليون هكتار من محاصيل الذرة في رومانيا، محذرة من أن هذه الخسائر، مقترنة بالنزاعات العالمية الجارية، "قد تدفع أسعار الغذاء للارتفاع وتضر بشكل غير متناسب بالأسر منخفضة الدخل".
القرن الأفريقي.. الجفاف يدخل عامه السادس
على الجانب الآخر من العالم، يواجه القرن الأفريقي أزمة مختلفة الطبيعة لكنها لا تقل حدة؛ إذ قدرت شبكة "
فيوز نت" الأمريكية المتخصصة في رصد الأمن الغذائي أن ما بين 20 و25 مليون شخص عبر الصومال وإثيوبيا وكينيا يحتاجون إلى مساعدات غذائية إنسانية، مع كون الجفاف السبب الرئيسي وراء 50 إلى 55 بالمئة من هذه الاحتياجات.
وأوضحت منظمة "
أوكسفام" الدولية أن تكلفة المياه ارتفعت بنسبة تصل إلى 2000 بالمئة في أشد المناطق تضررا، وأن نحو 58 مليون شخص لا يحصلون على مياه شرب نظيفة في المنطقة.
وفي الصومال، كشف التصنيف المتكامل للأمن الغذائي "IPC" أن عدد الأشخاص الذين يواجهون الجوع تضاعف تقريبا منذ مطلع عام 2025 ليصل إلى 6.5 مليون شخص، مع توقع أن يكون واحد من كل ثلاثة صوماليين في مستوى "أزمة" غذائية بين شباط/فبراير وآذار/مارس 2026، بحسب "أوكسفام".
وفي إثيوبيا، قدّرت شبكة "فيوز نت" أن موسم الأمطار الرئيسي الأخير (تشرين الأول/أكتوبر-كانون الأول/ديسمبر 2025) "فشل عمليا بشكل كامل" في شرق القرن الأفريقي، مع خسائر محصولية بلغت 54 بالمئة في منطقة شرق هرارغى الإثيوبية، وحاجة 15 إلى 16 مليون إثيوبي إلى مساعدات غذائية عاجلة بحلول تموز/يوليو 2026.
أمريكا الشمالية: واشنطن وكولورادو تعلن حالة الطوارئ
في نصف الكرة نفسه لكن على القارة الأمريكية، أعلن حاكم ولاية كولورادو جاريد بوليس حالة طوارئ جفاف على مستوى الولاية بأكملها مطلع حزيران/يونيو 2026، بعدما جاء الغطاء الثلجي الشتوي أقل بكثير من المعدل الطبيعي وفشل الجريان السطحي الربيعي في التشكل بالقدر الكافي، بحسب
تقرير "آي ساينسز" لمراقبة المياه العالمية.
وأوضح التقرير أن مخزون خزانات حوض نهر كولورادو بأكمله بلغ أدنى مستوياته منذ عقود مع اقتراب موسم الذروة الصيفي للطلب على المياه، علماً أن هذا الحوض يزوّد أكثر من 40 مليون شخص بالمياه ويروي نحو 5.5 مليون فدان من الأراضي الزراعية عبر سبع ولايات أمريكية.
وأرجع التقرير جزءا من هذه الأزمة إلى ظاهرة "النينيو" (El Niño)، التي قدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية احتمال استمرارها بنسبة 80% خلال صيف 2026، معتبرة إياها واحدة من أقوى أحداث هذه الظاهرة المناخية المسجلة.
ولفت التقرير إلى مفارقة لافتة: أن ظاهرة النينيو تاريخياً تجلب هطولاً فوق المعدل الطبيعي لمنطقة الجنوب الغربي الأمريكي وحوض كولورادو، وأن التوقعات الإقليمية الأحدث لهذه الظاهرة ترجح تحوّل كولورادو إلى فائض مائي اعتباراً من خريف 2026، في وقت يخلق فيه النينيو نفسه تأثيرات متناقضة تماماً داخل أفريقيا جنوب الصحراء، إذ يكبح موسم الأمطار في القرن الأفريقي المنكوب بالجفاف بينما يطيل أمد الفيضانات في جنوب شرقها.
الأمازون تحت وطأة خامس عام من الجفاف
على النقيض من الاعتقاد السائد بأن الأمازون غابة استوائية غنية بالمياه على الدوام، تشهد أحواض الأمازون ونهر لا بلاتا في أمريكا الجنوبية موجة جفاف ممتدة منذ عام 2019، وصفتها وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" بأنها استمرت في التصاعد مطلع حزيران/يونيو 2026 وفق أرصاد الأقمار الصناعية "غريس" و"غريس-إف أو" (GRACE/GRACE-FO) المتخصصة في قياس الجاذبية الأرضية وتغيرات كتلة المياه.
ونقل
الموقع الرسمي لناسا عن الهيدرولوجي ماثيو روديل، من مركز "غودارد" لرحلات الفضاء التابع للوكالة، تصنيفه هذا الجفاف بأنه "ثاني أشد موجة جفاف تضرب أمريكا الجنوبية منذ عام 2002"، استناداً إلى حساب يجمع بين اتساع رقعة الجفاف ومدته وحجم المياه المفقودة خلاله، مرجحاً ألا يتفوق عليه شدة سوى جفاف شرق البرازيل وفنزويلا في موسم 2015-2016.
وأظهرت بيانات سابقة استعرضها المركز المشترك للأبحاث الأوروبي أن هذا الجفاف الممتد أدى إلى انكماش بنسبة 3 بالمئة في الناتج المحلي الإجمالي للأرجنتين خلال عام واحد فقط، مع تأثيرات مباشرة على إنتاج الطاقة الكهرومائية في مناطق تعيش فيها مئات الملايين من السكان بفعل ذوبان الأنهار الجليدية المتسارع الذي يفاقم شح المياه.
كما وثّقت "ناسا" في
تقرير منفصل انخفاض منسوب نهر سوليموش قرب مدينة تاباتينغا البرازيلية إلى 254 سنتيمتراً تحت خط الصفر القياسي في تشرين الأول/أكتوبر 2024، وهو أدنى مستوى مسجل لهذا النهر تاريخياً، مع انتشار حرائق واسعة في منطقة "بانتانال" الرطبة الممتدة بين جنوب البرازيل وباراغواي وبوليفيا، وصفتها "ناسا" بأنها "من بين أسوأ مواسم الحرائق منذ عقود" في تلك المنطقة تحديداً.
البحر المتوسط.. مؤشرات تعاف محدودة
في مقابل الصورة القاتمة العامة، تكشف بيانات حديثة عن حوض البحر المتوسط مفارقة لافتة تستحق التوقف عندها؛ فبعدما صنّف مركز الأبحاث المشترك الأوروبي إسبانيا والمغرب وتركيا ضمن "البؤر الساخنة" العالمية للجفاف لسنوات متتالية، شهد عام 2026 تحسنا نسبيا غير متوقع في بعض هذه الدول.
وبلغت نسبة امتلاء الخزانات المائية في إسبانيا 75.29 بالمئة اعتبارا من 14 تموز/ يوليو، بحسب
النشرة الأسبوعية لوزارة الانتقال البيئي الإسبانية، وهي نسبة أعلى من مستوى العام السابق نفسه الذي بلغ 69.72 بالمئة فقط في تموز/ يوليو 2025، بفضل بداية ماطرة نسبيا لعام 2026.
ومع ذلك، لا يزال إقليم مورسيا الإسباني يسجل أدنى معدل امتلاء للخزانات في البلاد بنسبة 29.73 بالمئة، وإن كان ذلك دون فرض قيود على استخدام السياح للمياه بفضل الاعتماد على تحلية مياه البحر وإعادة تدويرها، بحسب المصدر نفسه.
وفي المغرب، الذي عانى ست سنوات متتالية من الجفاف الحاد أدت إلى انخفاض متوسط امتلاء السدود إلى نحو 23 بالمئة فقط بحسب تقرير سابق للمركز المشترك للأبحاث الأوروبي، أشار
موقع "أتالايار" الإسباني إلى أن المملكة نجحت في رفع معدل امتلاء خزاناتها المائية إلى ما يقارب 75 بالمئة من إجمالي سعتها بحلول حزيران/يونيو 2026، وهو رقم وصفه الموقع بأنه "أثار قلق المحللين المناخيين" في الوقت نفسه الذي اعتبر فيه إنجازا، مرجعاً هذا التعافي جزئيا إلى استثمارات مغربية موسّعة في تحلية مياه البحر ومشاريع الربط المائي بين الأحواض.
في المقابل، لا تزال تركيا تصنَف من بين الدول الأكثر عرضة للجفاف في المنطقة، إذ يواجه نحو 88 بالمئة من أراضيها خطر التصحر، بحسب
تقرير المركز الوطني الأمريكي للجفاف، والذي أشار أيضاً إلى تراجع أعداد قطعان الأغنام في المغرب بنسبة 38 بالمئة خلال عقد واحد بفعل الجفاف المتراكم، رغم التحسن الأخير في مخزون السدود.
العامل الذي يربط الأزمات المتباعدة
يكشف هذا المسح الجغرافي المتباعد، من غابات الأمازون الماطرة تاريخيا إلى سهول كولورادو الجافة أصلا، أن أزمات الجفاف لعام 2026، رغم اختلاف أسبابها المباشرة وتوقيتها وحدتها من منطقة لأخرى، تتشارك أثرا واحدا، ضغطا متزايدا على إمدادات المياه والغذاء والطاقة في وقت واحد تقريباً عبر قارات متعددة.
وبينما تملك أوروبا وأمريكا الشمالية أدوات للتكيف نسبيا مع هذه الصدمة، كصناديق الاحتياط الزراعي الأوروبية أو برامج الحماية الاجتماعية سريعة الاستجابة، يواجه القرن الأفريقي الأزمة بموارد شحيحة ومتراجعة، إذ لم تتلقَ خطة الاستجابة الإنسانية للصومال لعام 2026 سوى 13.4 بالمئة فقط من التمويل المطلوب حتى مطلع آذار/مارس، بحسب "أوكسفام"، ما يجعل الفجوة بين قدرة الدول الغنية والفقيرة على امتصاص صدمة الجفاف نفسها أوضح مؤشرات هذه الخارطة العالمية المتشابكة.