الأمومة بين الغرب والعالم العربي.. رواية جديدة تثير أسئلة الحرية والأسرة والانتماء

منذ عصر التنوير، ثم مع الثورات الصناعية والاجتماعية المتعاقبة، جرى التعامل مع تحرير المرأة باعتباره جزءا من تحرير الإنسان من البنى التقليدية التي كانت تحكم المجتمع، وفي مقدمتها الأسرة والدين والأعراف الموروثة.
سلطت الكاتبة والروائية البريطانية ديانا إيفانز الضوء على التحولات النفسية والاجتماعية التي تفرضها تجربة الأمومة على النساء، وذلك في مراجعة أدبية لرواية "كارثة طبيعية" (Natural Disaster) للكاتبة البريطانية ليزا أوينز، معتبرة أن العمل يقدم صورة دقيقة ومؤثرة للأمومة الحديثة بما تحمله من تناقضات بين الحب والإنهاك، والواجب والرغبة في استعادة الذات.

وفي مقال نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، ورصدته "عربي21"، وصفت إيفانز الرواية بأنها "أفعوانية كوميدية" تنطلق من يوم يبدو عاديا في حياة أم لطفلين، لكنه يتحول إلى رحلة عاطفية وفكرية تكشف الضغوط الخفية التي تعيشها النساء خلال سنوات التربية الأولى.

وتدور أحداث الرواية حول أم لم يُكشف عن اسمها تقضي آخر يوم من إجازة الأمومة قبل عودتها إلى العمل، فتقرر تخصيص ما يسمى "يوم الموافقة" لطفليها، حيث تستجيب لرغباتهما وتحاول صناعة ذكريات سعيدة قبل انتهاء المرحلة الاستثنائية من حياتها. غير أن اليوم لا يسير كما خططت له، إذ تتداخل مشاعر القلق والذنب والإرهاق مع تفاصيل الحياة اليومية لتتحول التجربة إلى مرآة مكبرة للأمومة المعاصرة.

الأمومة باعتبارها التجربة العاطفية الأهم


وتستعيد إيفانز في مراجعتها مقولة الأكاديمية الأمريكية إي آن كابلان إن "الأمومة هي التجربة العاطفية الكبرى في حياتي الراشدة"، معتبرة أن رواية أوينز تنجح في تجسيد هذا المعنى من خلال تقديم عالم الأمومة بوصفه فضاء مزدحما بالتفاصيل لكنه في الوقت ذاته شديد الوحدة.

وترى أن الرواية لا تكتفي بسرد يوميات التربية، بل تحاول إعادة تقديم التجربة الإنسانية المشتركة للأمهات بصورة خاصة وفريدة، عبر تفاصيل دقيقة وصادقة تكشف التغيرات العميقة التي تطرأ على هوية المرأة بعد الإنجاب.

وتلفت المراجعة إلى أن بطلة الرواية تبدو بلا اسم حقيقي طوال العمل، إذ لا يناديها الآخرون إلا بصفة "الأم"، في إشارة رمزية إلى الكيفية التي يمكن أن تبتلع بها متطلبات الأمومة هوية المرأة الفردية، لتصبح شخصيتها مرتبطة حصرا باحتياجات أطفالها ومسؤولياتهم اليومية.

سؤال الهوية في زمن التربية


وتبرز الرواية، بحسب إيفانز، تحولات العلاقة بين الزوجين بعد الإنجاب، حيث يظهر الزوج الغائب عن معظم الأحداث بوصفه حضورا مؤثرا رغم بعده الجسدي، فيما تتراكم لدى الزوجة مشاعر التوتر والاستياء والشكوك التي تعكس الضغوط التي تعيشها المرأة وهي تحاول التوفيق بين مسؤوليات الأسرة ومتطلبات الحياة المهنية.

لا يمكن قراءة رواية "كارثة طبيعية" لليزا أوينز بمعزل عن السياق الفكري والثقافي الذي تشكلت فيه. فالرواية ليست مجرد حكاية عن أم منهكة في آخر يوم من إجازة الأمومة، بل هي انعكاس لسجال فلسفي واجتماعي عميق رافق الحداثة الغربية منذ قرون، وتمحور حول إعادة تعريف المرأة والأسرة والعلاقات الاجتماعية.
كما تتوقف المراجعة عند النجاح اللافت للكاتبة في رسم شخصيات الأطفال، وهي مهمة تعتبر من أكثر التحديات صعوبة في الأدب الروائي. وتؤكد أن الطفلين يبدوان نابضين بالحياة ومقنعين في تصرفاتهما ومشاعرهما، بما يمنح الرواية دفئا إنسانيا خاصا، ويجعل القارئ قادرا على فهم العلاقة المعقدة بين الحب العميق الذي يكنه الوالدان لأطفالهما وبين الإرهاق الذي تفرضه عملية التربية.

ورغم إشادتها بالعمل، تشير إيفانز إلى أن الرواية تنغمس أحيانا في تفاصيل الحياة اليومية إلى درجة قد تبطئ الإيقاع السردي، من خلال التوقف المطول عند مسائل لوجستية بسيطة تتعلق بالأطفال والمنزل. لكنها ترى أن هذا البطء نفسه يعكس واقعا معيشا، حيث تتغير علاقة الأم بالزمن، وتصبح الأيام أطول وأكثر امتلاء بالتفاصيل الصغيرة التي تستنزف الطاقة والانتباه.

"امتلاك كل شيء".. وهم أم إمكانية؟


وتتجاوز الرواية حدود الحكاية الشخصية لتطرح أسئلة فكرية أوسع تتعلق بمكانة المرأة في المجتمعات الحديثة، ولا سيما فكرة "امتلاك كل شيء" التي تروج لها الثقافة المعاصرة، أي النجاح في الحياة المهنية مع الحفاظ في الوقت نفسه على دور الأم المثالية.

وتسأل الرواية، وفق قراءة إيفانز، ما إذا كان من الأفضل أن تتفرغ المرأة لأطفالها خلال سنواتهم الأولى أم أن تستمر في العمل مع الاعتماد على دور الحضانة والمربيات؟ وهل يمكن للمرأة أن تحافظ على هويتها السابقة بعد تجربة الأمومة أم أن هذه التجربة تعيد تشكيلها بصورة دائمة لا رجعة فيها؟

وترى المراجعة أن قوة الرواية لا تكمن في تقديم إجابات حاسمة عن هذه الأسئلة، بل في قدرتها على تجسيد التعقيدات النفسية والعاطفية التي ترافقها، وتقديم صورة واقعية عن تجربة إنسانية تتكرر عبر الأجيال لكنها تظل مختلفة لدى كل امرأة.

وتخلص إيفانز إلى أن "كارثة طبيعية" تمثل إضافة مهمة إلى الأدب المعاصر الذي يتناول الأمومة والأسرة، لأنها تجمع بين السخرية والواقعية والتأمل الفكري، وتنجح في تحويل تفاصيل الحياة اليومية المرهقة إلى مادة أدبية ثرية تطرح أسئلة عميقة حول الهوية والحب والعمل ومعنى النجاة من تحديات الإنجاب والتربية.

الأمومة بين سردية التحرر وسؤال المعنى..


لا يمكن قراءة رواية "كارثة طبيعية" لليزا أوينز بمعزل عن السياق الفكري والثقافي الذي تشكلت فيه. فالرواية ليست مجرد حكاية عن أم منهكة في آخر يوم من إجازة الأمومة، بل هي انعكاس لسجال فلسفي واجتماعي عميق رافق الحداثة الغربية منذ قرون، وتمحور حول إعادة تعريف المرأة والأسرة والعلاقات الاجتماعية.

لقد كانت قضية المرأة في الغرب أحد أهم مرتكزات المشروع الحداثي الأوروبي. فمنذ عصر التنوير، ثم مع الثورات الصناعية والاجتماعية المتعاقبة، جرى التعامل مع تحرير المرأة باعتباره جزءا من تحرير الإنسان من البنى التقليدية التي كانت تحكم المجتمع، وفي مقدمتها الأسرة والدين والأعراف الموروثة. ولم يكن الأمر مقتصرا على منح المرأة حقوقا قانونية أو سياسية، بل امتد إلى إعادة بناء مفهوم الأسرة نفسه، وتحويل الفرد ـ رجلا كان أو امرأة ـ إلى وحدة مستقلة عن الروابط التقليدية التي كانت تشكل هويته وانتماءه.

تتجاوز الرواية حدود الحكاية الشخصية لتطرح أسئلة فكرية أوسع تتعلق بمكانة المرأة في المجتمعات الحديثة، ولا سيما فكرة "امتلاك كل شيء" التي تروج لها الثقافة المعاصرة، أي النجاح في الحياة المهنية مع الحفاظ في الوقت نفسه على دور الأم المثالية.
ومن هنا يمكن فهم سبب الحضور الكثيف لموضوعات الأمومة والهوية النسوية في الأدب الغربي المعاصر. فالأدب الغربي لا ينظر إلى الأمومة باعتبارها وظيفة اجتماعية أو قيمة أخلاقية فحسب، بل باعتبارها تجربة وجودية تضع المرأة أمام أسئلة الذات والحرية والاستقلال وتحقيق الطموح الشخصي. ولهذا تركز رواية أوينز على مشاعر الإرهاق والعزلة والاختناق وفقدان الهوية، أكثر مما تركز على الأمومة باعتبارها مصدرا للسكينة أو الامتداد الإنساني.

وفي هذا السياق تبدو البطلة بلا اسم، إذ تختزل إلى كلمة "الأم"، وكأن الرواية تريد أن تقول إن الأمومة قد تتحول إلى عملية محو للذات الفردية التي سعت الحداثة الغربية أصلا إلى تحريرها وإبراز استقلالها. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فبعد عقود طويلة من النضال النسوي من أجل استقلال المرأة، عاد الأدب الغربي ليطرح سؤالا جديدا؛ هل أفضت هذه الاستقلالية فعلا إلى مزيد من السعادة والاكتمال الإنساني، أم أنها أدخلت المرأة في صراع دائم بين مقتضيات الأمومة ومتطلبات تحقيق الذات؟

هذه الأسئلة ليست جديدة في الأدب الغربي. فمنذ أعمال الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار، مرورا بالأدب النسوي الأمريكي والبريطاني المعاصر، ظل السؤال المركزي هو كيفية التوفيق بين الأمومة بوصفها التزاما عميقا وبين الحرية الفردية بوصفها قيمة عليا في المجتمعات الحديثة.

أما في الأدب العربي، فإن المقاربة التاريخية كانت مختلفة إلى حد بعيد. فالمرأة لم تُقدَّم غالبا باعتبارها فردا منفصلا عن الأسرة، بل باعتبارها ركنا من أركانها ومحورا لاستقرارها واستمرارها. ولذلك ارتبطت صورة الأم في المخيال الأدبي العربي بمعاني التضحية والاحتواء والعطاء والدفء الروحي أكثر من ارتباطها بأسئلة الهوية الفردية والاستقلال الشخصي.

في روايات نجيب محفوظ، وعبد الرحمن منيف، وحنان الشيخ، وأحلام مستغانمي، وغيرها من التجارب العربية، حضرت المرأة بوصفها شخصية فاعلة ومؤثرة، لكنها بقيت في الغالب ضمن شبكة العلاقات العائلية والاجتماعية، لا خارجها. وحتى عندما تناول الأدب العربي معاناة المرأة أو قيود المجتمع الذكوري، فإنه كان يفعل ذلك من داخل فكرة إصلاح الأسرة أو إعادة التوازن إليها، لا من خلال التشكيك في مركزيتها أو في قيمتها الحضارية.

ولهذا يبدو الفارق بين الأدبين أعمق من مجرد اختلاف في الموضوعات. فالأدب الغربي المعاصر يناقش الأمومة من زاوية التوتر بين الفرد والأسرة، بينما يناقشها الأدب العربي غالبا من زاوية التوازن بينهما. الأول ينطلق من أولوية الفرد وحقه في تحقيق ذاته، والثاني ينطلق من أولوية الجماعة والعائلة باعتبارهما الإطار الطبيعي لتشكل الذات الإنسانية.

ومع ذلك، فإن التحولات الاجتماعية المتسارعة في العالم العربي بدأت تدفع الأدب العربي بدوره إلى الاقتراب من بعض الأسئلة التي شغلت الأدب الغربي لعقود، خاصة ما يتعلق بعمل المرأة خارج المنزل، وتأخر الزواج، وتراجع معدلات الإنجاب، وتبدل الأدوار التقليدية داخل الأسرة. غير أن هذه الأسئلة لا تزال تُطرح في السياق العربي ضمن إطار قيمي مختلف، حيث تبقى الأسرة ـ رغم كل التغيرات ـ مرجعية أساسية للهوية والمعنى الاجتماعي.

ولعل القيمة الحقيقية لرواية "كارثة طبيعية" لا تكمن فقط في تصويرها الدقيق لمتاعب الأمومة، بل في أنها تكشف عن أزمة أعمق يعيشها المجتمع الغربي نفسه؛ أزمة البحث عن صيغة توازن جديدة بين الفرد والأسرة، وبين الحرية والمسؤولية، وبين تحقيق الذات والحاجة الإنسانية الدائمة إلى الانتماء. وهي أسئلة لا تخص الغرب وحده، بل باتت اليوم جزءا من النقاش الإنساني العالمي حول مستقبل الأسرة ومكانة المرأة ومعنى الحياة المشتركة في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.