تظهر التفاهمات الجديدة
بين واشنطن وطهران تحولاً واضحاً في مسار المواجهة التي بدأت بشعارات أمريكية متشددة
وصلت إلى حد المطالبة بـ"الاستسلام غير المشروط" لإيران، قبل أن تنتهي إلى
هدنة مؤقتة تؤجل الملفات الخلافية الكبرى إلى جولات تفاوض لاحقة.
وقالت صحيفة
فايننشال
تايمز، في تقرير أعده أندرو إنغلاند ونيري زيبلر، إن
ترامب انتهى عملياً إلى القبول
بهدنة مريحة مع
إيران، بعدما كان قد أعلن، عقب اندلاع الحرب ضدها في نهاية شباط / فبراير
الماضي، أنه لن يقبل سوى باستسلام إيراني غير مشروط.
وأضافت الصحيفة أن
أكثر من مئة يوم من المواجهات والمفاوضات انتهت باتفاق أرجأ القضايا الجوهرية التي
كانت في الأساس سبباً لاندلاع الحرب، فيما أشاد ترامب باتفاق يعكس قدرة الجمهورية الإسلامية
على الصمود أمام الضربات الأمريكية والإسرائيلية، ويبرز في الوقت نفسه نفوذها المتزايد
الناتج عن قدرتها على تعطيل حركة الطاقة العالمية عبر
مضيق هرمز.
وبحسب مسؤولين أمريكيين،
فإن الاتفاق لا يقتصر على إعادة فتح مضيق هرمز، بل يمثل أيضاً مساراً قد يقود إلى تفكيك
البرنامج النووي الإيراني بشكل نهائي، وهو أحد الأهداف الرئيسية التي لطالما تبناها
ترامب.
ورغم الترحيب الذي
أبدته بعض الأطراف بالاتفاق باعتباره خطوة تضع حداً للحرب، فإن الصحيفة رأت أنه في
الوقت نفسه يؤجل قضايا أساسية ويكشف حجم المعضلة التي تواجه الرئيس الأمريكي بعد أكثر
من مئة يوم من الصراع.
ونقلت الصحيفة عن السفير
الأمريكي السابق لدى إسرائيل دان شابيرو وصفه الاتفاق بأنه أضعف بكثير مقارنة بالأهداف
التي أعلنتها واشنطن في بداية الحرب، موضحاً أن جوهره يتمثل حالياً في إعادة فتح مضيق
هرمز، الذي تحول إلى القضية الأكثر أهمية في المشهد بأكمله.
وأضاف شابيرو أن ذلك
يكشف حجم النفوذ الذي امتلكته إيران لإقناع ترامب بأن إنهاء الحرب، حتى بشروط محدودة،
أفضل من استمرارها.
وأشارت الصحيفة إلى
أن محللين يرون أن الطرفين كانا يرغبان في إنهاء الحرب، إلا أن ترامب واجه خيارات صعبة
للوصول إلى هذه النتيجة، خاصة بعد تشجيع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو له
على خوض المواجهة العسكرية.
وبموجب الهدنة الجديدة،
ستقوم
الولايات المتحدة وإيران بتمديد وقف إطلاق النار الهش، الذي تم الاتفاق عليه
في الثامن من أبريل، لمدة ستين يوماً إضافية.
وفي المقابل، ستعيد
إيران فتح مضيق هرمز تدريجياً بعد إزالة الألغام، مع الامتناع عن فرض رسوم على حركة
الشحن البحري طوال فترة التمديد.
وترى الصحيفة أن هذه
الخطوة تعالج واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً بالنسبة لترامب، وهي أزمة الطاقة العالمية
التي تفاقمت نتيجة الحرب، بعدما تجاوزت أسعار البنزين في الولايات المتحدة أربعة دولارات
للجالون قبل أشهر قليلة من انتخابات التجديد النصفي التي يستعد الحزب الجمهوري لخوضها.
ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي
مطلع على المحادثات قوله إن تمديد وقف إطلاق النار لمدة ستين يوماً يوفر مكاسب للطرفين،
إذ يمدد التهدئة ويعيد فتح المضيق ويضع أساساً لمفاوضات نووية جديدة، بالتوازي مع تخفيف
الضغوط عن إيران.
وأضاف الدبلوماسي أن
الخطأ الأكبر يتمثل في الاعتقاد بأن هذه التفاهمات تمثل الاتفاق النهائي بين الجانبين.
وأكد أن ما جرى لا
يمكن اعتباره استسلاماً كاملاً، وأن الولايات المتحدة تدرك هذه الحقيقة جيداً، مشيراً
إلى أن فريق ترامب يرى إمكانية العمل مع الحكومة الإيرانية الحالية، وأن السعي وراء
استسلام كامل قد يؤدي إلى تقوية التيار المتشدد داخل إيران وخلق وضع أكثر تعقيداً،
لذلك يجري التعامل مع الاتفاق باعتباره خطوة نحو استقرار طويل الأمد.
وبحسب بنود الاتفاق،
أعادت إيران التأكيد على التزامها بعدم امتلاك أو تطوير أسلحة نووية، كما توصلت واشنطن
وطهران إلى تفاهمات بشأن معالجة ملف مخزون اليورانيوم المخصب وفق آلية متفق عليها بين
الطرفين.
وأوضح مصدر مطلع على
المفاوضات أن الحد الأدنى من الالتزامات يتضمن تخفيف مستويات تخصيب اليورانيوم داخل
المواقع الإيرانية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ولفتت الصحيفة إلى
أن إيران تمتلك مخزوناً يتجاوز تسعة آلاف كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، معظمها بمستويات
منخفضة، بينما يوجد نحو 440 كيلوغراماً مخصباً بدرجات تقترب من المستوى اللازم لإنتاج
أسلحة نووية، وهو ما يصفه ترامب بـ"الغبار النووي".
ورغم إصرار الرئيس
الأمريكي في تصريحاته على ضرورة تخلي إيران عن هذا "الغبار النووي"، فإن
المفاوضات الحاسمة المتعلقة بمستقبل البرنامج النووي لن تبدأ بصورة جدية إلا بعد التوقيع
الرسمي على مذكرة التفاهم المقرر يوم الجمعة.
وأضافت الصحيفة أن
إيران معروفة بسياسة إطالة أمد المفاوضات، في حين أن الثابت الوحيد في تصريحات ترامب
طوال الأزمة كان رفضه امتلاك إيران لسلاح نووي، رغم أن الحرب نفسها افتقدت منذ البداية
إلى أهداف واضحة ومحددة.
وفي المقابل، واصلت
طهران التأكيد على حقها في تخصيب اليورانيوم، مستندة إلى فتوى أصدرها المرشد الإيراني
الراحل آية الله علي خامنئي تحظر استخدام الأسلحة النووية.
وأشارت الصحيفة إلى
أن أي تخفيف للعقوبات المفروضة على إيران، بما في ذلك الإفراج عن الأصول الإيرانية
المجمدة، سيكون تدريجياً ومرتبطاً بمستوى التقدم الذي ستحققه المفاوضات النووية المقبلة.
وفي الوقت ذاته، ستمنح
الولايات المتحدة إيران استثناء يسمح لها بمواصلة بيع النفط طوال فترة تمديد وقف إطلاق
النار البالغة ستين يوماً، وفقاً لمصدر مطلع على المفاوضات.
ورأت الصحيفة أن تحقيق
مكاسب اقتصادية يشكل أولوية كبيرة بالنسبة لطهران، لأنه يمنحها فرصة للبدء في إصلاح
الأضرار الكبيرة التي خلفتها الضربات الأمريكية والإسرائيلية.
وأضافت أنه رغم الخسائر
التي تعرضت لها ترسانتها العسكرية ومقتل عدد من قياداتها، فإن النظام الإيراني تمكن
من الاستمرار، كما تم تعيين مجتبى خامنئي مرشداً جديداً خلفاً لوالده.
وأبرز التقرير أن إيران
أثبتت، بعد سنوات طويلة من التهديدات، قدرتها الفعلية على إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر
عبره نحو خمس صادرات النفط والغاز العالمية، كما أثبتت قدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة
ضد دول الخليج والقواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
وقال شابيرو إن هذه
المعطيات تمنح إيران أوراق ضغط قوية خلال المفاوضات النووية المقبلة، خصوصاً فيما يتعلق
بمصير اليورانيوم عالي التخصيب، إلى جانب قدرتها التقليدية على إطالة أمد المفاوضات.
وفي المقابل، من غير
المتوقع أن تتضمن مذكرة التفاهم الجديدة أي بنود تتعلق بترسانة إيران من الصواريخ والطائرات
المسيرة أو بدعمها لحلفائها الإقليميين.
وأوضحت الصحيفة أن
هذه الملفات شكلت لسنوات طويلة مصدر قلق ليس لإسرائيل وحدها، وإنما أيضاً للدول العربية
التي حذرت ترامب من الانخراط في الحرب، وفي الوقت نفسه دعمت الجهود الرامية إلى إنهاء
الصراع.
وأضافت أن ترامب كان
قد أعلن في بداية الحرب أن الولايات المتحدة ستقضي على صناعة الصواريخ الإيرانية، إلا
أن الجمهورية الإسلامية واصلت توجيه ضربات إلى جيرانها رغم ذلك.
وتساءل بعض المحللين
حول قدرة الاتفاق على الصمود والوصول إلى مراحله التالية، مستشهدين بخطة ترامب السابقة
لإنهاء الحرب في غزة، التي توقفت عند مرحلتها الأولى رغم الضجة الكبيرة التي رافقت
الإعلان عنها في أكتوبر الماضي.
ونقلت الصحيفة عن سنام
وكيل، الباحثة في مركز تشاتام هاوس بلندن، قولها إن الولايات المتحدة وإيران تحتجزان
بعضهما البعض بشكل متبادل، حيث تستخدم واشنطن العقوبات والتهديد بالضربات العسكرية،
بينما تعتمد إيران على سيطرتها على مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية.
وأضافت أن الأزمة لم
تنته بعد، وأن معرفة أسلوب ترامب تشير إلى أن هذه المرحلة قد تستمر لفترة أطول من ستين
يوماً، وهو ما يحمل مخاطر كبيرة.
وأكد خبراء أن إسرائيل
كانت ستجد صعوبة كبيرة في مواصلة عملياتها العسكرية ضد إيران من دون الدعم الأمريكي،
نظراً لاعتمادها الكبير على منظومات الدفاع الجوي التي توفرها واشنطن.
كما أشارت الصحيفة
إلى أن نتنياهو، الذي يستعد لخوض انتخابات جديدة في وقت لاحق من العام الجاري، لن يكون
متحمساً للدخول في مواجهة سياسية علنية جديدة مع رئيس أمريكي.
ونقلت عن الباحثة في
مؤسسة راند شيرا إيفرون قولها إن إسرائيل كانت تفضل استمرار الضغوط الاقتصادية على
إيران على أقل تقدير، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أنه لا يوجد ما يضمن نجاح هذه
الاستراتيجية، مضيفة أن فرضية استسلام إيران تحت وطأة الضغوط العسكرية انقلبت تماماً،
وأنه سيكون من الصعب جداً تقديم ما جرى داخل إسرائيل باعتباره نجاحاً حقيقياً.