رغم مُضيِّ كل هذه
الشهور الطويلة على بدء حرب الإبادة على غزة، وباقي الجبهات المحيطة، لكن القناعات
الاسرائيلية أثبتت أنه بعد كل هذه الخسائر في صفوفه، والدمار لدى الفلسطينيين، فإن
الاحتلال لم يحقق أهدافه المعلنة، لأن الحرب كشفت عن حدود قوة المناورة العسكرية لديه.
وقال العقيد في جيش
الاحتلال حانوخ دوبا، إن "964 يوماً مرت منذ 7 أكتوبر 2023، من الحرب، وآلاف القتلى
والجرحى، ومئات الآلاف من أيام الاحتياط، ومئات مليارات الشواقل، وتكلفة اقتصادية واجتماعية
وأمنية لا يزال من الصعب تقديرها بشكل كامل، حيث استثمرت إسرائيل كل الموارد الممكنة،
العسكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، على أساس أن النصر الكامل سيتحقق بهذه
الطريقة، لكن ذلك لم يتحقق".
وأضاف في مقال
نشرته
القناة 12، وترجمته "عربي21" أنه "عندما ذهبت إسرائيل إلى الحرب، كانت
أهدافها واضحة: تقويض القدرات الحكومية والعسكرية لحماس، وإعادة المختطفين، وإزالة
التهديد من حدودها، وإعادة الأمن لمواطنيها، ومع تطور الحرب، أضيفت أهداف أوسع: تغيير
وجه الشرق الأوسط، والقضاء على البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، ونزع سلاح حزب
الله، والإضرار بمحور المقاومة، وتعزيز الردع".
وأوضح أنه "الآن،
بعد مرور ما يقرب من ثلاث سنوات على بدء الحرب، من المناسب ألا ننظر إلى النوايا، بل
إلى وضعنا في كل ساحة من ساحات الحرب، حيث تعرضت إيران لضربة قوية، لكن النظام نجا،
بل وأظهر شعوراً بالحصانة والأمن، وأدركت جيداً مدى ضعف الجبهة الداخلية الإسرائيلية
أمام الصواريخ والطائرات بدون طيار، ومن المرجح أن تتقدم عملية بناء قوتهم بوتيرة أسرع
من وتيرة إسرائيل".
وأشار أن "ما
كشفته الحرب عن جزء كبير من القدرات الاستخباراتية والعملياتية التي بنتها إسرائيل
على مر السنين، فإن إعادة بنائها سيتطلب وقتا طويلا وميزانيات ضخمة، ولا يتوقع أن يعود
التفوق الاستثنائي الذي تمتعت به إسرائيل في هذه الحرب سريعا".
وأوضح أنه "بالنسبة
لغزة، ورغم الدمار الهائل والأضرار التي لحقت بالتسلسل القيادي لحماس، لكنها تكيّفت
مع الواقع الجديد، ولم تعد تميل للقتال المباشر، بل تم دمجها في السكان، وتستمر بالحفاظ
على سيطرتها ونفوذها، ورغم طبول الحرب وصور الانفجارات، فلا يوجد حل عسكري حقيقي في
غزة".
وأضاف أنه "في
لبنان، تلقى
حزب الله ضربة موجعة، لكن وقف الأعمال العدائية استُخدم لاستعادة آليات
بقائه الأساسية، ويواصل الحفاظ على قوته العسكرية، ونفوذه السياسي، وأصبح تهديد الطائرات
بدون طيار وإطلاق النار الحاد أحد التحديات الرئيسية لإسرائيل، بينما يواصل الحزب شن
حرب استنزاف متواصلة، والحفاظ على موقعه في الساحة اللبنانية، ولم يتم بعد إنشاء واقع
أمني جديد وأكثر استقرارا في الشمال".
وأكد أن "الوضع
في الضفة الغربية يقترب من نقطة الغليان، فتحت رعاية الحرب، يقترب مشروع الاستيلاء
على مناطق (ج) من النفاد، ويتوسع تدريجياً نحو مناطق (ب)، كما أن وقف دخول العمال الفلسطينيين،
واحتجاز أموال المقاصة للسلطة الفلسطينية، والتدهور الاقتصادي، يخلق ضائقة متزايدة
في الشارع الفلسطيني، كما أن عنف المستوطنين وحوادث إطلاق النار والأضرار التي تلحق
بالممتلكات والأرواح بدأت بإنتاج منظمات أمنية مدنية في القرى الفلسطينية، وكل ذلك
قد يكون حافزاً لانتفاضة عنيفة أخرى".
وأضاف أنه "على
الساحة الدولية، يبدو التآكل المستمر لشرعية إسرائيل واضحا، بجانب الإدانات والضغوط
والتحركات السياسية والقانونية، وبدأت تفقد تدريجياً الدعم التلقائي الذي تمتعت به
لعقود من الزمن في الولايات المتحدة، صحيح أنها تعتمد حاليًا على ترامب، لكنه قد يختار
تعويض الخسائر، وإعلان النصر، وتحويل انتباهه لساحات أخرى، وهنا قد تجد نفسها مع عدد
أقل من الأصول التي يمكن التفاوض عليها، ودعم دولي أقل، وحرية عمل أكثر محدودية".
وأوضح ان "استعراض
كل هذه الساحات يستدعي الحديث حول مفهوم النصر، فعلى المستوى التكتيكي، لاشك أن الجيش
الإسرائيلي وبقية الأجهزة الأمنية حققوا إنجازات كبيرة، وتعرض العدو لأضرار جسيمة،
لكن على المستوى النظامي، تبدو الصورة أكثر تعقيدا، وعلى صعيد الحكومة نفسها، الصورة
أكثر صعوبة، دون القدرة على الإجابة عن التساؤلات الهامة: كم دفعنا، وما هو وضعنا الحقيقي،
وما هو المطلوب لكي تعود إسرائيل آمنة وقوية ومزدهرة".