تمكن باحثون بمساعدة التعلُّم الآلي، وهو أحد فروع
الذكاء الاصطناعي، من فهم
رموز سرية غير مفهومة، تضمنتها
رسائل ووثائق تاريخية، حيث عجز كثيرون عن فهم محتواها في مكتبات وأرشيفات منتشرة في شتى أرجاء العالم.
ووفقاً لتحقيق نشرته الـ"
بي بي سي"، فإن كتاباً داخل أرشيف مكتبة
الفاتيكان، ظل مخطوطاً باليد، ويحتوي على الكثير من الرموز الغريبة، ظل غير مقروء لما يزيد على أربعة قرون، ويبدو أن صفحاته المشفّرة كانت تُخفي وصفات علاجية سرّية لـ"أمراض الجسد البشري".
ووفقاً لما توصل له الباحثون، فإن النص المكتوب على الغلاف، يشير إلى ممارسات علاجية تنطوي على سرّية تامة في ذلك الوقت لكونها تستدعي الشكوك أو حتى اتهامات بممارسة السحر.
وبحسب التحقيق، يُعرف هذا المخطوط باسم "شفرة بورغ"، وهو مؤلف من 408 صفحات، معظم محتواه غير مفهوم، إذ يحتوي على رموز سرّية "مُشفّرة" باستخدام 34 رمزاً غامضاً إلى جانب عدد محدود من الحروف الرومانية وصفحة افتتاحية مكتوبة باللغة العربية.
وبسبب تلك الرموز، لم يكن متاحاً كشف مضمون النص المشفّر، كما أن بعض الصفحات تعرضت للتلف بفعل الزمن، وهو ما زاد من صعوبة قراءة الرموز السرّية.
بدورها، تقول بياتا ميغيشي، أستاذة اللسانيات الحاسوبية في جامعة ستوكهولم بالسويد، وعضوة الفريق الذي نجح في فهم شفرة النص: "الأمر أشبه بعمل تحقيقي، إذ يمكن لكل رمز أو نمط أو حل جزئي أن يقربنا من أسرار شخص ما ومن عالم تاريخي مفقود".
وحالياً، تقود ميغيشي وزملاؤها جهوداً تهدف إلى استخدام الذكاء الاصطناعي باتجاه حل الرموز السرية التاريخية بقدر أكبر من الكفاءة، على نحو يتيح الاستفادة من ثروة المعلومات غير المعروفة من الماضي، والتي ظلت صعبة الفهم في السابق.
وتشير بعض التقديرات إلى أن نحو واحد في المئة من المواد المحفوظة في أرشيفات ومكتبات حول العالم غير مفهومة و"مشفّرة" بالكامل أو جزئياً، ويعود تاريخ بعض أقدم أنظمة التشفير المعروفة إلى الحضارتين اليونانية والرومانية القديمتين.
وبحسب تحقيق الـ"بي بي سي"، تتضمن الوثائق المشفّرة معلومات استخباراتية دبلوماسية، وطقوس الجمعيات السرية، ووصفات طبية، وعلاقات عاطفية، فضلاً عن تفاصيل الحياة اليومية التي حرص أصحابها على إبقائها طي الكتمان.
ومن الأمثلة الحديثة على الرسائل المشفّرة، تلك التي كُتبت بواسطة ملكة اسكتلندا، ماري، خلال فترة سجنها الطويلة في إنجلترا، حيث كشفت عن ضلوعها في مؤامرات لاستعادة عرشها، كما كشفت طبيعة علاقتها المتوترة بابنها جيمس السادس الذي أصبح لاحقاً الملك جيمس الأول ملك إنجلترا.
وقبل الشروع في عملية فك شفرات النصوص، يتعين على الباحثين أولاً تحويل المخطوطات المشفّرة المكتوبة بخط اليد إلى وثائق رقمية يمكن إدخالها إلى برامج كمبيوتر لتحليل الشفرات، وقد يؤدي سوء الخط وتلاشي الحبر بمرور الزمن إلى زيادة صعوبة هذه المهمة.
واستعانت ميشيل فالدسبيول، أستاذة اللسانيات الألمانية بجامعة أوسلو في النرويج، وزملاؤها بمنصة ذكاء اصطناعي تُعرف باسم "ترانسكريبس" لنسخ رسالة بعث بها زيغيسموند هويسنر فون فاندرسليبن إلى المستشار الأعلى للسويد، أكسل أوكسينستيرنا، عام 1637، في ذروة حرب الثلاثين عاماً، وهي حرب دينية أودت بحياة الملايين وخلفت دماراً واسعاً في أنحاء كبيرة من أوروبا.
وجرت برمجة هذه الأداة على مجموعة متنوعة من اللغات وأنماط الكتابة والخطوط التي تمتد لعدة قرون، وبعد تحميل صورة الوثيقة إلى النظام، يتعرف الذكاء الاصطناعي على كتل النصوص والأسطر المنفردة، ثم يجري عملية مسح للنص كاملاً حرفاً بعد حرف لتحويله إلى صيغة رقمية.
ورغم الحاجة إلى إجراء بعض التصحيحات اليدوية، فإن الأداة أثبتت فعالية ملحوظة في التعامل مع رسالة فاندرسليبن، والتي كانت مشفّرة جزئياً فقط باستخدام أرقام تفصل بينها نقاط، وقد كُتبت بصورة منظمة مع وجود فراغات واضحة بينها.
وتواجه منصات النسخ الآلي المعتمدة على الذكاء الاصطناعي صعوبات متكررة عند التعامل مع المخطوطات المشفّرة باستخدام رموز غير مألوفة، مثل العلامات المستحدثة أو الرموز الفلكية أو الأرقام المكتوبة بأساليب غير تقليدية.
إلا أن ميغيشي وفالدسبيول وزملاءهما يعملون على تطوير أداة ذكاء اصطناعي خاصة لتحويل النصوص التاريخية المكتوبة بخط اليد، والتي تتضمن رموزاً أو أنظمة كتابية غامضة، إلى وثائق قابلة للمعالجة والقراءة آلياً، وذلك ضمن مشروع "ديسكريبت" الدولي متعدد الجنسيات.
ويمكن حل الشفرات البسيطة غالباً عبر تحليل معدلات تكرار الرموز ومقارنتها بتكرار الحروف في اللغة المعنية، ففي اللغة الإنجليزية، على سبيل المثال، يُعد الحرف "E" الأكثر شيوعاً، في حين تُعد الحروف "Z" و"Q" و"X" أقل ظهوراً.
وأوضحت فون فاندرسليبن، في رسالته المرسلة من جبهة حرب الثلاثين عاماً، أنه استخدم نحو ثمانية رموز مختلفة للدلالة على الحرف "E"، ولذلك استلزم فك الشفرة مزيجاً من المحاولة والخطأ، إلى جانب خبرة فالدسبيول باللغة الألمانية القديمة، حتى أمكن التوصل إلى الحل تدريجياً.
وتقول فالدسبيول: "اعتمدت العملية بدرجة كبيرة على التفاعل المستمر بين الآلة والمدقق البشري، وربما يتمكن الذكاء الاصطناعي مستقبلاً من إنجاز ذلك بصورة مستقلة تماماً".
وقد أخفت الشفرة تحذيرات وجهها فون فاندرسليبن بشأن الخطر الذي كانت تمثله بعض الفصائل المنتمية إلى الحلفاء البروتستانت للسويد في الحرب، وأبلغ أوكسينستيرنا بأنه اضطر إلى تنفيذ عمليات انسحاب استراتيجية من القتال بعد أن علم بوجود مؤامرة بين بعض حلفائه.
تعمل ميغيشي وفريقها حالياً على استكشاف سبل تجعل الذكاء الاصطناعي قادراً على تجاوز مرحلة النسخ بالكامل، من خلال تحليل صور الصفحات مباشرة لفهم الرسائل السرّية، وقد أوضح الفريق مؤخراً إمكانية نجاح هذا النهج مع الشفرات البسيطة التي يُستعاض فيها عن كل حرف برمز واحد.
واختبر الباحثون النظام من خلال الاستعانة بمخطوط يتألف من 105 صفحات كانوا قد تمكنوا سابقاً من حل رموزه السرّية، ويُعرف باسم "شفرة كوبيال"، ويحتوي هذا المخطوط على وصف لطقوس وقواعد ومبادئ جمعية سرّية ألمانية تعود إلى القرن الثامن عشر.
وبعد برمجة النظام على أنماط عامة من الكتابة اليدوية، ثم على صور لسطور محددة من الشفرة مقرونة بالنص الألماني المعروف المقابل لها، تمكّن الذكاء الاصطناعي من حل أجزاء من النصوص التي لم يسبق له الاطلاع عليها.
ويواصل فالدسبيول وزملاؤها في مشروع "ديسكريبت" البحث في الأرشيفات القديمة عن نصوص مشفّرة لإدراجها ضمن قاعدة بيانات متخصصة، وقد يشكّل ذلك عنصراً حاسماً في توفير قدر كافٍ من البيانات اللازمة لبرمجة أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على حل الرموز السرّية.
فالنماذج اللغوية الضخمة التي تعتمد عليها تطبيقات المحادثة الذكية، مثل "تشات جي بي تي"، تُدرَّب على تريليونات الكلمات المستمدة من الكتب والمقالات والمواقع الإلكترونية، أما توفير كمية مماثلة من البيانات المتعلقة بالنصوص المشفّرة فيمثل تحدياً كبيراً.
ومن بين المواد التي جمعها الفريق نحو 400 بطاقة بريدية غامضة كُتبت برموز سرّية خاصة خلال الفترة من أواخر القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن العشرين، وأظهرت الأجزاء القليلة التي جرى حلها حتى الآن أن بعض هذه البطاقات لم يكن سوى رسائل حب مكتوبة باللغة الألمانية.
واستعان فريق ميغيشي بنتائج هذا العمل في تطوير أداة قائمة على الذكاء الاصطناعي تشبه روبوتات الدردشة، وتجمع بين عمليتي النسخ وحل الرموز في مرحلة واحدة، وتدمج هذه الأداة خوارزميات لحل الرموز مبرمجة على أزواج من الرموز السرّية والنصوص المقابلة لها.
كما يجري دمج خوارزميات للتعرف على الصور مبرمجة على عينات مشروحة من الكتابة اليدوية، وعلاوة على ذلك، ستتمكن الأداة من تطوير أدائها باستمرار من خلال الاستفادة من عمليات تصحيح يجريها الخبراء.
كما اختبر الفريق النظام مؤخراً على شفرتين إضافيتين سبق أن تمكّن من حلهما، وتمثلان عصوراً ولغات وأنواعاً مختلفة من الرموز السرّية، فضلاً عن مستويات متفاوتة من التعقيد، وقد نجح النظام في حلهما بسرعة أيضاً، ما يدل على قدرته على التعامل مع مجموعة واسعة من الرموز السرّية.
وتقول ميغيشي: "تتمثّل أبرز مزايا الذكاء الاصطناعي في قدرته على التعامل مع الأحجام الكبيرة من البيانات، وتسريع العمل، واكتشاف الأنماط، ودمج المهام المختلفة"، ومن المرجح أن تشكل هذه الأدوات عنصراً أساسياً في حل الرموز السرّية التاريخية التي استعصت على الحل حتى الآن.