سويسرا تعيد فتح ملفات لجوء السوريين.. هل تجبرهم على العودة؟

يمنح استئناف دراسة الطلبات السلطات مساحة أوسع لاتخاذ قرارات فردية - الأناضول
استأنفت السلطات السويسرية دراسة طلبات اللجوء المقدمة من السوريين بعد تعليق استمر منذ أواخر عام 2024، في خطوة أعادت إلى الواجهة تساؤلات واسعة بشأن ما إذا كانت برن تمهد فعليًا لمرحلة جديدة عنوانها تشجيع العودة إلى سوريا، رغم استمرار التحذيرات من هشاشة الأوضاع الأمنية والإنسانية داخل البلاد.

وأعلنت أمانة الدولة السويسرية لشؤون الهجرة أن العمل سيستأنف اعتبارًا من مطلع أيار / مايو المقبل على ملفات السوريين التي جرى تجميدها عقب سقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد في كانون الأول / ديسمبر 2024، حين كانت السلطات تعتبر أن الوضع الميداني شديد التعقيد ولا يسمح بإجراء تقييم دقيق لكل حالة على حدة.

وبحسب القرار الجديد، فإن الجهات المختصة ستعود إلى دراسة طلبات اللجوء الفردية وإصدار قرارات بشأنها بعد مراجعة التطورات الأمنية والسياسية التي شهدتها سوريا خلال الأشهر الماضية، في وقت تشير فيه البيانات الرسمية إلى أن مئات الملفات السورية ما زالت معلقة بانتظار الحسم.

وبحسب وكالة رويترز لم يأت هذا التحول منفصلًا عن مسار أوسع تتبناه الحكومة السويسرية، إذ يترافق مع إطلاق برنامج رسمي لدعم العودة الطوعية إلى سوريا، يتضمن مساعدات مالية واستشارات لإعادة الاندماج، في إشارة واضحة إلى أن برن بدأت تنظر إلى إمكانية عودة بعض السوريين بوصفها خيارًا قابلًا للنقاش بعد سنوات من التعامل مع البلاد كمنطقة حرب مفتوحة.

ورغم ذلك، فإن القرار السويسري فتح نقاشًا حادًا في الأوساط السياسية والحقوقية والإعلامية حول مدى واقعية هذا التوجه، خاصة أن التقييمات الميدانية لا تزال تؤكد أن سوريا لم تبلغ بعد مستوى الاستقرار الذي يسمح بعودة آمنة وواسعة النطاق.

وفي هذا السياق، نقلت وسائل إعلام سويسرية عن خبيرة الشرق الأوسط بينته شيلر قولها إن الوضع داخل سوريا "أفضل بكثير مقارنة بالسنوات السابقة، لكنه لا يزال محاطًا بدرجة عالية من عدم اليقين"، مشيرة إلى أن أعدادًا مقلقة من المدنيين ما زالت تُقتل بصورة مستمرة، سواء نتيجة جرائم عادية أو أعمال انتقامية أو اشتباكات متكررة بين القوات الحكومية وجماعات مسلحة مختلفة.

وأكدت شيلر أن الأمن ما زال غائبًا في أجزاء واسعة من سوريا، موضحة أن البلاد لا تزال تعاني من صدامات بين القوات الحكومية والأكراد والدروز وتنظيمات مسلحة أخرى، ما يعني أن الحديث عن عودة مستقرة لا يزال سابقًا لأوانه في كثير من المناطق.

وأضافت أن أكثر من نصف السكان داخل سوريا يعتمدون حاليًا على المساعدات الإنسانية، في ظل تدهور حاد في الخدمات الأساسية وغياب البنية التحتية الصحية والتعليمية القادرة حتى على تلبية الاحتياجات المحلية، فضلًا عن الانهيار الاقتصادي الذي يجعل تأمين سبل العيش تحديًا يوميًا لملايين السوريين.

وأشارت الخبيرة إلى أن التراجع النسبي في الاهتمام الدولي بالملف السوري لا يعود إلى تحسن جذري في الداخل، بل إلى تزاحم الأزمات الإقليمية الأخرى، لافتة إلى أن النزاعات الدائرة بين إيران وإسرائيل ولبنان دفعت الملف السوري إلى الخلفية الإعلامية والسياسية، رغم أن تداعيات هذه الصراعات انعكست أيضًا على سوريا نفسها، بما في ذلك موجات نزوح جديدة باتجاه أراضيها.

وفي مقابل المخاوف من العودة المتسرعة، برز سؤال آخر داخل النقاش السويسري يتعلق بما إذا كان السوريون المقيمون في الخارج يمكن أن يشكلوا عنصرًا حاسمًا في إعادة الإعمار مستقبلًا.

وترى شيلر أن خبرات السوريين الذين عاشوا لسنوات في أوروبا واكتسبوا مهارات مهنية وتعليمية تمثل رصيدًا بالغ الأهمية لسوريا في المرحلة المقبلة، إلا أنها شددت على أن الاستفادة من هذه الطاقات لا يمكن أن تتحقق عبر الضغط على الناس للعودة أو دفعهم بحوافز قصيرة الأجل دون توفير شروط الحياة الأساسية.

وقالت إن أي عودة يراد لها أن تكون مجدية يجب أن تسبقها عملية واسعة لإعادة الإعمار وإطلاق برامج تعليم وتأهيل وبناء بنية اقتصادية قادرة على استيعاب العائدين، لأن السوريين لن يتمكنوا من الإسهام في إعادة بناء بلدهم إذا كانوا عاجزين أصلًا عن تأسيس حياة مستقرة لأنفسهم.

ويعكس هذا الطرح حجم التباين بين المقاربة الإدارية التي تتبناها السلطات السويسرية وبين التقديرات الحقوقية والإنسانية التي ترى أن مجرد تحسن نسبي في بعض المؤشرات الأمنية لا يكفي وحده للحديث عن مرحلة عودة فعلية.

فمن الناحية القانونية، يمنح استئناف دراسة الطلبات السلطات مساحة أوسع لاتخاذ قرارات فردية قد تشمل القبول أو الرفض أو إعادة تقييم الحاجة إلى الحماية، لكنه لا يعني بالضرورة أن سوريا أصبحت بلدًا آمنًا بشكل كامل، بل يشير إلى انتقال برن من سياسة التجميد الشامل إلى سياسة الفرز بحسب كل حالة.

ويرى متابعون أن هذه الخطوة تنسجم مع توجه أوروبي آخذ في الاتساع لإعادة النظر في وضع اللاجئين السوريين بعد التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد منذ نهاية 2024، حيث بدأت عدة دول في مراجعة سياسات الحماية التي كانت مطبقة بصورة شبه تلقائية طوال سنوات الحرب.

لكن في المقابل، يحذر مختصون من أن أي قراءة متفائلة أكثر من اللازم قد تتجاهل حقائق ميدانية قاسية، أبرزها أن غياب الاستقرار الأمني، وارتفاع نسب الفقر، واستمرار اعتماد السكان على المعونات، كلها عوامل تجعل العودة الجماعية أو حتى الواسعة محفوفة بمخاطر كبيرة.

وبينما تمضي سويسرا في استئناف فحص الملفات السورية وإطلاق برامج العودة الطوعية، يبقى السؤال الأكثر حضورًا بين آلاف السوريين المقيمين هناك: هل تغيرت سوريا فعلًا بما يكفي للعودة، أم أن أوروبا بدأت فقط في تقليص مظلة الحماية دون أن تكون الأرض مهيأة لاستقبال العائدين؟