حذر النائب الثاني لرئيس المجلس الأعلى للدولة في
ليبيا، موسى فرج من أي محاولة دولية لتجاوز مجلسي النواب والدولة، وأن ذلك سيعني الدخول في نفق من عدم الاعتراف القانوني ولن يخدم العملية الانتخابية بل سيعطلها.
وأكد خلال مقابلة مصورة خاصة مع "عربي21" أن المجلس الأعلى لم يطلع على تفاصيل مقترح مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط، مسعد بولس ولم يعرض عليه، وأن أي مبادرة يجب أن تمر عبر الأجسام الشرعية المنبثقة عن الاتفاق السياسي وأن لا تخلق مسارات موازية قد تزيد من تعقيد المشهد بدلا من تبسيطه.
وبما أن ذلك الخيار يواجه معارضة شديدة من أطراف خارجية، فمشروع الدستور أنجزته الهيئة التأسيسية منذ قرابة 9 سنوات، وهذه المعارضة من أطراف خارجية وكذلك من أطراف محلية، فنجد في مجلس الدولة لزاما علينا أن نتعامل مع أي مقترح من خلال تقييمنا لمدى اقترابه من تحقيق الاستقرار وإجراء الانتخابات، أما بالنسبة لخطوات البعثة الأممية فإننا نؤكد دائما على ضرورة التزامها بدورها الميسر وليس المقرر.
وموقفكم كذلك من مقترح مستشار ترامب للشرق الأوسط، مسعد بولس؟
بخصوص مقترح بولس فإننا نرى فيه محاولة لتقريب وجهات النظر الدولية، لكن نحن لم نطلع على تفاصيل هذا المقترح ولم يعرض علينا ولا نعلم إن كان هذا المقترح يعكس فهما صحيحا لطبيعة الأزمة الليبية وتشابكاتها، لكننا نؤكد أن أي مبادرة يجب أن تمر عبر الأجسام الشرعية المنبثقة عن الاتفاق السياسي وألا تخلق مسارات موازية قد تزيد من تعقيد المشهد بدلا من تبسيطه.
هناك حديث عن مقترح من البعثة تحت مسمى "الطاولة المصغّرة" لتوحيد الحكومة وتغيير الرئاسي.. ما تعليقك عليها؟ وهل هي خطوة لتجاوز المجلسين؟
فكرة الطاولة المصغرة قد تبدو جذابة كأداة لسرعة الحل، لكنها تحمل مخاطر تجزئة الأزمة،و إذا كان الهدف منها تقريب وجهات النظر الفنية فهي قد تكون مقبولة، أما إذا كان الهدف منها هو انتزاع الاختصاصات التشريعية والسياسية من مجلسي الدولة والنواب فهذا سيؤدي إلى فقدان الشرعية لأي مخرجات تخرج عنها وتفتح الباب لمزيد من الجدل، وتجاوز المجلسين يعني الدخول في نفق من عدم الاعتراف القانوني وهو ما زال لن يخدم العملية الانتخابية بل سيعطلها.
وهنا أحب أن أؤكد أن تحميل مجلسي الدولة والنواب وحدهما مسؤولية تعثر الحل أمر غير دقيق وغير منصف، لأن هناك لاعبين آخرين لديهم أدوات وقدرة على العرقلة، فعلى سبيل المثال توصل مجلس الدولة والنواب إلى اتفاق بشأن إعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات وتم توقيع هذا الاتفاق من لجنتي المجلسين وتوقيعه أيضا من رئيسي المجلسين في وثيقة أعدت في هذا الغرض ولكن للأسف تدخل البعثة وربما أطراف أخرى أفشل العملية وأعاد الوضع لحالة من الجمود.
هنا ننتقل للحديث عن طبيعة العلاقة الآن بين مجلسي النواب والدولة حاليا بخصوص التنسيق وعقد لقاء بين الرئيسين؟
العلاقة تمر بمراحل من المد والجزر بين المجلسين لكن التواصل لم ينقطع أبدا والتنسيق مستمر بخصوص القضايا المصيرية، وهناك رغبة في عقد لقاء بين الرئيسين لكسر الجمود وربما يشارك في هذا اللقاء المستقبل رئيس المجلس الرئاسي أيضا على غرار ما حصل في اللقاء الثلاثي الذي استضافته جامعة الدول العربية في القاهرة في مارس 2024، ونحن نؤمن بأن مفتاح الحل هو ليبي ليبي، الحل لن يأتينا من الخارج الأزمة أزمتنا والوطن وطننا ونحن المسؤولون عن الحل مهما حصل من اختلافات، وأن التفاهم بين المجلسين هو الضمانة الوحيدة لقبول النتائج المحلية والدولية، ونحن ندفع لتطوير هذا التنسيق ليصبح خارطة طريق تنفيذية وليس مجرد تفاهمات شفاهية.
لذا قررتم مؤخرا تشكيل لجنة للتواصل مع مجلس النواب وتفعيل اتفاق القاهرة.. لكن هل هذا مسار مواز للخارطة الأممية؟
تفعيل اتفاق القاهرة وتشكيل لجنة التواصل هو تصحيح وتفعيل للمسار وليس مسارا موازيا، ونحن نهدف إلى تعزيز الملكية الوطنية للحل، والتنسيق مع مجلس النواب هو الأصل في العملية السياسية وفقا للاتفاق السياسي الذي نص على ضرورة اتفاق المجلسين في عدة قضايا أساسية لحفظ التوازن خلال المرحلة الانتقالية، وأهدافنا هو تقديم رؤية وطنية موحدة يمكن للبعثة الأممية والمجتمع الدولي دعمها وتيسيرها بدل انتظار حلول قد تأتي وقد لا تأتي وقد لا تكون ملائمة للواقع الليبي.
لوحظ مؤخرا تركيز البعثة الأممية على لقاء شخصيات فاعلة والابتعاد عن المجلسين.. هل هي تصرفات مقصودة وما تداعيات تجاوز المجلسين؟
إذا كان هذا التوجه مقصودا به تهميش الأجسام الشرعية فهو خطأ استراتيجي سيؤدي إلى فشل المبادرة الأممية، وهنا الشخصية الفاعلة في مجتمعنا لها دور اجتماعي أو ميداني، إرشادي، تحليلي، ولها رأيها وتحليلها لما يجري لكنها لا تملك سلطة التشريع أو إصدار القوانين، لذا المؤكد أن تداعيات تجاوز المجلسين تعني ببساطة غياب السند القانوني لأي اتفاق مهما كان، وسيجعل تنفيذه على الأرض محفوفا بالمخاطر والعرقلة، ويفتح الباب أمام الطعون القانونية ويطول المدة بدلا من أن يختصرها.
مع قرب إعلان مخرجات الحوار المُهيكل بعد عشرات الجلسات.. ما مدى قبول المجلس الأعلى للمخرجات وتعاطيه معها؟
المجلس الأعلى للدولة يرحب دائما بالحوار كمنهج للعمل، أما قبول مخرجات الحوار المهيكل فيعتمد على مدى مواءمتها للثوابت الوطنية وتحقيقها لمبدأ التداول السلمي على السلطة الذي طال انتظاره، ونحن ندعم أي مخرجات تؤدي إلى قوانين انتخابية عادلة وتتسق مع المعايير المعروفة في هذا الخصوص، ولا تقصي أحدا ولا تفصل على مقاس أحد، وسنتعامل معها بمسؤولية وطنية عادية شريطة أن تكون نتاج توافق حقيقي وليس إملاءات خارجية.
وبخصوص توحيد الحكومة وفي ظل تمسك الدبيبة بمنصبه.. برأيك ما الآلية الأفضل لحل أزمة حكومة موحدة؟
بداية نحن نسعي لتشكيل حكومة واحدة وليس حكومة موحدة، وتجاوز أزمة السلطة التنفيذية يتطلب تشكيل حكومة كفاءات مصغرة لمدة محددة ولمهام محددة، وهي إيصال البلاد للانتخابات، أما التمسك بالمناصب من أي طرف فهو أمر يعيق التقدم، والآلية الأفضل هي التوافق بين المجلسين على معايير اختيار هذه الحكومة، وتنفيذ ضمانات دولية ومحلية لتمكينها من العمل في كافة ربوع البلاد، بعيدا عن سياسية الاستقطاب المالي والجهوي.
ومع كثرة الحديث عن مبادرات ومقترحات.. ما مصير العملية الانتخابية المرتقبة؟
الانتخابات ليست هدفا في حد ذاتها، بل هي وسيلة للاستقرار، وهي لا تزال المطلب الشعبي الأول، لكنها مهددة بالجمود إذا لم يتم حل معضلة القوانين وتشكيل حكومة واحدة، ونحن في المجلس الأعلى للدولة نرى أن الانتخابات ممكنة جدا خلال أشهر إذا توفرت الإرادة الصادقة، والمصير الآن معلق بقدرتنا على تحويل الخلافات السياسية إلى تنافس ديمقراطي عبر صناديق الاقتراع وليس عبر صندوق الذخيرة أو صندوق المال.
وكيف يساهم نجاح الوصول إلى اتفاق مالي موحد على توحيد باقي المؤسسات خاصة السيادية والرقابية والعسكرية؟
المال هو عصب الدولة والاتفاق على ميزانية واحدة موحدة وسياسة نقدية شفافة وفقا لأحكام القانون المالي للدولة هو حجر الأساس لتوحيد باقي المؤسسات، وعندما تتوحد الخزانة تختفي الازدواجية المالية، وسيساهم ذلك في تحقيق توحيد المؤسسات الرقابية، وسينعكس ذلك إيجابا على المسار العسكري، لأن توحيد الصرف على المؤسسة العسكرية ينهي التبعيات الجهوية، ويجعل الولاء للوطن فقط، وليس لمن يملك مفتاح خزينة المال.
في الختام.. برأيك ما أهم الخطوات الهامة التي يجب أن يتخذها مجلسي النواب والدولة الآن لفك الجمود السياسي والوصول إلى انتخابات؟
هناك خطوات هامة جدا أريد التركيز عليها والتذكير بها وهي تخص الجميع موجهة للجميع وليست للخاصة، وأهمها:
أولا: في هذه المرحلة الحساسة ينبغي على كل الليبيين وكل الأطراف تغليب المصلحة الوطنية العليا فوق المكاسب الحزبية والفئوية والجهوية والعائلية وغيرها.
ثانيا: الاتفاق الفوري على حكومة واحدة دون تدخلات لفرض آراء على من يكلف برئاسة الحكومة، يجب وينبغي أن يتم الاتفاق على رئيس الوزراء، وتترك له الحرية كاملة في تشكيل حكومته وفريق عمله دون أي ضغوط أو أي ابتزاز من أي جهة.
وأخيرا.. أدعو زملاءنا في مجلس النواب إلى تكثيف اللقاءات المباشرة بين المجلسين لصياغة مشروع وطني يفرض نفسه على الساحة الدولية والمحلية، ويؤكد أن الليبيين قادرون على قيادة دولتهم نحو الاستقرار دون وصاية، دعونا نعمل معا لنساهم في بناء الدولة التي لطالما حلم بها الليبيون ودفعوا ثمنا غاليا من أجلها.