مقال في "واشنطن بوست" يكشف آراء مسؤولين صينيين بحرب ترامب على إيران

مسؤولون صينيون أكدوا أن الولايات المتحدة تعيد العالم إلى "قانون الغاب"- الأناضول
نشرت صحيفة "واشنطن بوست" مقالًا للصحفي فريد زكريا، قال فيه إن هناك أمرًا مُحيِّرًا يحدث على الساحة العالمية. فقد أثارت الولايات المتحدة غضب الكثيرين حول العالم بتصرفاتها المتهورة والمتقلبة والخارجة عن القانون، من خلال شنّ عمليات عسكرية أحادية الجانب، وزعزعة الاقتصاد العالمي، وتقويض التحالفات، والتعامل مع الأعراف الراسخة على أنها مجرد عائق.

ومع ذلك، لم تُدلِ الصين، القوة العظمى الصاعدة في العالم، بأي تصريحات مدوية تُندد بها، ولم تُعلن نفسها البديل المسؤول للولايات المتحدة غير الموثوقة. إن فهم الأسباب يُساعدنا على فهم استراتيجية بكين طويلة الأمد بشكل أفضل.

وأضاف أنه قضى الأسبوع الماضي في الصين، وقد أدهشه اختلاف آراء الكثيرين هناك حول هذه الحرب الأمريكية الأخيرة في الشرق الأوسط مقارنة بالحرب الكبرى السابقة. فخلال حرب العراق، بدا الاستراتيجيون الصينيون وكأنهم مبتهجون بمشهد الولايات المتحدة وهي غارقة في الصحراء.

أما هذه المرة، فقد كان المسؤولون وباحثو مراكز الأبحاث وقادة الأعمال في حيرة من أمرهم إزاء السياسة الأمريكية الفوضوية، وقلقين بشأنها، ومترددين للغاية بشأن ما قد يفعله الرئيس دونالد ترامب لاحقًا.

وأوضح أن جزءًا من هذا يرجع إلى المصلحة الذاتية. فالصين بحاجة إلى النفط والغاز اللذين يمران عبر مضيق هرمز. وبشكل أعم، فإن الصين ليست دولة مارقة مثل روسيا، فهي تدرك أن نموها يعتمد على الممرات البحرية المفتوحة، والأسواق الفعّالة، وقواعد اللعبة الثابتة.

وقال الكاتب إن المسؤولين الصينيين أخبروه مرارًا وتكرارًا - مرددين ما قاله شي جين بينغ - إن الولايات المتحدة تعيد العالم إلى "قانون الغاب". وعلّق الكاتب بالقول إن ذلك ليس نقدًا أخلاقيًا بقدر ما هو قلق استراتيجي. في عالم معولم، عندما يصبح المهيمن المسيطر غير قابل للتنبؤ به تمامًا، يصبح ذلك ضارًا بالجميع.

وأشار إلى أن المسؤولين الصينيين يزعمون أن بلادهم لا تسعى إلى الحلول محل الولايات المتحدة. ويؤكد قادة الأعمال الصينيون أن الولايات المتحدة لا تزال الاقتصاد الأكثر ابتكارًا. ورغم فتور العلاقات الأمريكية مع الصين، لا يزال هؤلاء القادة يُعجبون بوادي السيليكون، والجامعات الأمريكية، وحجم السوق الأمريكية وتطورها.

وأكد أن استراتيجية الصين تتمثل في استغلال هذه الأزمة لتعزيز قوتها الاقتصادية ونفوذها العالمي. وتُضاعف الصين استثماراتها في التقنيات الرائدة التي تعتقد أنها ستُحدد ملامح عصر النمو القادم: الطاقة النظيفة، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي المُطبق في الصناعات الحقيقية، والتصنيع والخدمات المتقدمة. وقد بلغت هيمنتها في بعض هذه القطاعات مستوى مذهلًا بالفعل. فهي تُنتج 80% من الألواح الشمسية في العالم، ونحو 60% من توربينات الرياح، و75% من البطاريات. كما تُزوّد 70% من جميع المركبات الكهربائية في العالم.

وأشار إلى أن الصين استغلت الصدمات الاقتصادية الثلاث الماضية لتعزيز هيمنتها. خلال الجائحة، سارعت الشركات الصينية إلى تزويد معظم دول العالم بالمعدات الطبية. ومع ازدهار الذكاء الاصطناعي، أصبحت الصين محورًا أساسيًا في بنائه المادي: المعادن، والمعدات الكهربائية، والبطاريات، وأنظمة التبريد، والمكونات الصناعية اللازمة لمراكز البيانات. والآن، أدت الحرب الإيرانية إلى سباق عالمي محموم نحو مصادر الطاقة الجديدة. وهنا أيضًا، تبرز الصين كقوة لا غنى عنها؛ فهي تهيمن على التقنيات الخضراء - الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والبطاريات، والمركبات الكهربائية - التي ستحتاجها الدول لتقليل اعتمادها على النفط والغاز المستوردين.

وقال إن بكين تُحوّل هذه المزايا الصناعية إلى نفوذ. فهي توفر التمويل والبنية التحتية وسلاسل التوريد، وتُلزم الدول بالأنظمة الصينية، وتُظهر للحكومات أن الولايات المتحدة تجلب التقلبات، بينما تجلب الصين المعدات والائتمان والاستمرارية. ومن عام 2000 إلى عام 2025، موّلت بكين مشاريع في موانئ 90 دولة حول العالم. وفي الشهر الماضي، عرضت بكين على تايوان صفقة من نوع ما: قبول إعادة التوحيد السلمي، مقابل ضمان الصين لأمنها الطاقي.

وأكد أن توسع نفوذ الصين القادم أمر بالغ الأهمية. أعلن شي جين بينغ مؤخرًا عن طموح بكين لتحويل الرنمينبي إلى عملة احتياطية عالمية. وأوضح مسؤول سابق كيف ستعمل الصين على توسيع سوق السندات والبنية التحتية المالية بشكل مطّرد، بحيث يكون لدى المستثمرين بديل إذا ما اعتبروا الولايات المتحدة محفوفة بالمخاطر. وقد حملت الأسابيع الأخيرة مؤشرًا غامضًا، ولكنه يُنذر بالخطر: فقد تمكنت مؤسسات مثل البنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي من إصدار سندات دين بأسعار فائدة منخفضة تكاد تُضاهي تلك التي تقدمها سندات الخزانة الأمريكية.

وأوضح أن كل هذا يهدد بإنهاء ما يُسمى بـ"امتياز أمريكا الباهظ" المتمثل في امتلاكها العملة الاحتياطية العالمية. وإذا ما تآكل هذا الامتياز، فستتلقى أمريكا صدمة قاسية عندما تعجز حكومتها وأسرها عن الاقتراض بهذا القدر من الرخص.

واختتم بالقول إن الصين تستغل هذه اللحظة لتحسين صورتها، ولكن في المقام الأول لتعزيز قوتها. فإذا ما مالت موازين القوى لصالحها، وإذا استمرت الولايات المتحدة في تبديد نفوذها العالمي، فقد تُقرر بكين يومًا ما أنها ترغب في تولي زمام المبادرة كقوة عالمية رائدة. وعند تلك النقطة، سيكون الأوان قد فات بالنسبة لواشنطن للقيام بأي شيء حيال ذلك.