سيطرت تساؤلات
عميقة حول مستقبل النظام الدولي ودور
الولايات المتحدة على نقاشات منتدى أنطاليا
التركية، حيث ناقش مسؤولون وقادة وخبراء من دول متعددة، سبل تعامل القوى المتوسطة
مع حالة عدم الاستقرار في السياسة الخارجية الأمريكية.
أكدت صحيفة "
نيويورك
تايمز"، في تقرير لمدير مكتبها في إسطنبول بن هوبارد، أن المؤتمر الدبلوماسي السنوي
لتركيا، الذي انعقد في مدينة أنطاليا الساحلية المطلة على البحر الأبيض المتوسط خلال
عطلة نهاية الأسبوع، شهد نقاشات واسعة حول تحولات النظام الدولي، رغم أن الولايات المتحدة
لم تكن الموضوع الرسمي المطروح على جدول الأعمال.
وأشارت الصحيفة إلى
أن تساؤلات سيطرت على مداولات آلاف المشاركين في المؤتمر، ومن بينهم عشرات رؤساء الدول
ووزراء خارجية ومسؤولون رفيعو المستوى من أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، حول
كيفية التعامل مع واقع تتراجع فيه الثقة في الدور الأمريكي، وتتزايد فيه حالات تجاهل
واشنطن لحلفائها، إلى جانب تراجع التزامها بالنظام الدولي الذي طالما اعتُبرت راعيته.
وتابعت "نيويورك
تايمز" أن حالة الفوضى التي رافقت السياسة الخارجية الأمريكية خلال ولاية الرئيس
دونالد ترامب الثانية، وما تبعها من اضطرابات واسعة نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية
على إيران، ساهمت في تعزيز نقاشات داخل المؤتمر حول ضرورة إعادة صياغة علاقة الدول
المتوسطة بالقوى الكبرى، والاتجاه نحو تقليل الاعتماد عليها، مقابل تعزيز التعاون الإقليمي
بين الدول المجاورة لإدارة شؤون مناطقها.
وأوضحت الصحيفة أن
هذا الاتجاه برز بشكل متكرر خلال جلسات "منتدى أنطاليا للدبلوماسية"، الذي
اختتم أعماله يوم الأحد، حيث طغت فكرة الاعتماد على الذات الإقليمية بدل انتظار الدعم
الخارجي على معظم المداخلات والنقاشات.
ونقلت "نيويورك
تايمز" عن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، قوله في المؤتمر الصحفي الختامي،
إن استمرار انتظار “منقذ خارجي” سيجعل المنطقة عالقة في أزماتها دون حل، مضيفًا أن
على الدول أن تتكاتف لتحمل مسؤولية قضاياها الإقليمية بشكل مباشر، بدل الاعتماد على
تدخلات القوى الكبرى.
وأضافت الصحيفة أن
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وفي كلمته الافتتاحية، قال إن النظام العالمي يمر بـ"أزمة
أخلاقية ووجودية"، مؤكدًا أن العالم أكبر من خمس دول في إشارة إلى تركيبة مجلس
الأمن الدولي، ومجددًا انتقاداته للنظام الدولي الحالي، حيث اتهم إسرائيل بارتكاب ما
وصفه بالإبادة الجماعية في غزة، إلى جانب توسعها العسكري في لبنان وسوريا وإيران.
وأشارت الصحيفة إلى
أن أردوغان أعلن استعداد
تركيا للمساعدة في التوسط لإنهاء الحرب في أوكرانيا، دون توجيه
انتقادات مباشرة لروسيا، كما وجه انتقادات حادة للحرب في إيران دون أن يذكر الولايات
المتحدة أو الرئيس ترامب، رغم العلاقات الودية التي تجمعه به.
وتابعت "نيويورك
تايمز" أن المؤتمر في نسخته الخامسة استقطب مسؤولين من دول غير غربية بشكل أساسي،
وعكس ما وصفته السلطات التركية بشبكة علاقات دبلوماسية واسعة تجعل من تركيا وسيطًا
إقليميًا قادرًا على التواصل مع مختلف الأطراف الدولية، في ملفات معقدة ومتداخلة.
وأوضحت الصحيفة أن
اليوم الأول من المؤتمر شهد عرضًا قدمه كبير الدبلوماسيين الأوكرانيين حول تطورات الحرب
مع روسيا، بينما قدم نظيره الروسي في اليوم التالي رؤية مغايرة اتهم فيها الغرب بالتعامل
غير العادل مع موسكو، في مشهد يعكس التباين الحاد في المواقف داخل قاعة واحدة تجمع
الأطراف المتصارعة سياسيًا.
كما أشارت إلى أن مسؤولين
أمريكيين وإيرانيين كانوا موجودين في المؤتمر ذاته، وتواجدوا في أماكن متقاربة خلال
فعاليات مختلفة، بما في ذلك الاصطفاف لشراء الطعام والمشروبات، إلا أنهم لم يعقدوا
أي لقاءات مباشرة رغم اقترابهم الجغرافي داخل الحدث.
ونقلت الصحيفة عن السفير
الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا توم باراك، قوله خلال جلسة علنية، إن
هذا الجزء من العالم لا يحترم سوى القوة، وإن أي طرف لا يُظهر القوة سيبقى في موقع
ضعف دائم، مضيفًا أن الأنظمة التي نجحت في الشرق الأوسط كانت غالبًا ملكيات أو أنظمة
حكم مركزية قوية، على حد تعبيره.
وأشارت "نيويورك
تايمز" إلى أن هذا التصريح أثار جدلًا داخل المؤتمر، خاصة مع حديثه عن فشل بعض
التجارب الديمقراطية في المنطقة، مستشهدًا بانتفاضات الربيع العربي التي أدت إلى تجارب
حكم ديمقراطي لم تستمر طويلًا في دول مثل مصر وتونس.
وتابعت الصحيفة أن
أحد أبرز مظاهر التحول نحو التعاون الإقليمي كان اجتماعًا عُقد على هامش المؤتمر يوم
السبت، جمع وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان، حيث ناقشوا سبل تعزيز التنسيق
والتعاون بين دولهم في عدد من الملفات الإقليمية.
وأشارت إلى أن خبراء
مشاركين في المؤتمر أكدوا أن هذه التحالفات الإقليمية، رغم أهميتها، لا يمكنها سد الفراغ
الكامل الذي تتركه الولايات المتحدة في النظام الدولي، محذرين من أن اعتماد الدول على
قوى غير مستقرة أو غير متوقعة يخلق معادلة معقدة يصعب إدارتها.
ونقلت الصحيفة عن الباحث
في مركز "تشاتام هاوس" غالب دالاي، قوله إن المشكلة الأساسية تتمثل في أن
الولايات المتحدة لا تزال ضرورية للعديد من الفاعلين الإقليميين، لكنها في الوقت نفسه
غير موثوقة وقسرية، متسائلًا عن كيفية التعامل مع قوة لا غنى عنها لكنها في الوقت ذاته
غير متوقعة ومتقلبة.