"إيكونوميست": صراع السلطة داخل إيران يربك مفاوضات واشنطن

وفد إيران في إسلام آباد ضم نحو 80 شخصا وكشف حجم الانقسام الداخلي- جيتي
سلطت مجلة "إيكونوميست" الضوء  في تقرير على حالة الاضطراب والتناقض في المواقف الأمريكية والإيرانية بشأن مضيق هرمز، معتبرة أن هذا التذبذب يعكس صراعا داخليا على السلطة داخل إيران في ظل غياب قيادة عليا حاسمة، وما يرافق ذلك من انقسامات حادة داخل مؤسسات الدولة تنعكس مباشرة على مسار المفاوضات مع واشنطن وإمكانية التوصل إلى اتفاق مستقر.

وشهدت الأيام القليلة الماضية في الشرق الأوسط تقلبات حادة، مع تذبذب في المواقف الأمريكية والإيرانية بشأن مضيق هرمز، في وقت تعكس فيه الرسائل المتضاربة من طهران صراعا داخليا على السلطة داخل الجمهورية الإسلامية.

وفي 17 نيسان/أبريل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، وهو ما أكده وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، غير أن وسائل إعلام مرتبطة بالحرس الثوري انتقدت عراقجي في اليوم نفسه لعدم إعلانه شروط إعادة فتح الممر، قبل أن يعلن متحدث عسكري في اليوم التالي إغلاق المضيق مجددا، مع تعرض سفن لإطلاق نار أثناء محاولتها العبور.

وسخر ترامب من إعادة إغلاق المضيق، مؤكدا أن الحصار الأمريكي يضمن بقاءه مغلقا أمام السفن الإيرانية.


وقال في 20 نيسان/أبريل إن البحرية الأمريكية أطلقت النار على سفينة شحن إيرانية وصعدت على متنها، وذلك بعد يوم من إعلانه عودة وفد أمريكي إلى إسلام آباد لاستئناف المحادثات مع إيران، مكررا تهديداته بقصف البنية التحتية المدنية الإيرانية في حال فشل المفاوضات.

ولفتت المجلة إلى أن تذبذب ترامب لم يعد مفاجئا، إلا أن التناقض في التصريحات الإيرانية يكشف وجود صراع على السلطة داخل إيران، التي تفتقر حاليا إلى قائد أعلى حاضر، للمرة الثانية فقط خلال 47 عاما، مشبهة الوضع بـ"غابة من الصراع على السلطة"، على غرار المرحلة الأولى بعد ثورة 1979.

وبيّنت أن وسائل الإعلام الرسمية تشير إلى أن المسؤولين الإيرانيين لا يميلون حاليا لاستئناف محادثات السلام، ما يطرح تساؤلا بشأن الجهة التي سيتفاوض معها الوفد الأمريكي في حال تغير هذا الموقف.

وأوضحت أن الجولة الأولى من المحادثات في إسلام آباد يومي 11 و12 نيسان/أبريل كشفت هذه الانقسامات، حيث ضم الوفد الإيراني نحو 80 شخصا، بينهم نحو 30 من صناع القرار، في خروج عن النمط المعتاد للوفود الصغيرة والمنضبطة.

وأشارت إلى أن التباين داخل الوفد كان واضحا بين شخصيات مثل ماجد تخت روانجي، الذي شارك في صياغة اتفاق 2015، ومحمود نبويان الذي يهاجم الولايات المتحدة ويصفها بـ"الكلب الأصفر الشرس"، لافتة إلى أن الخلافات بلغت حدا دفع الوسطاء الباكستانيين لقضاء وقت في التوفيق بين الإيرانيين أنفسهم، قبل تعليق المحادثات مؤقتا عند تصاعد التوتر.

وعزت المجلة هذه التوترات إلى فراغ في القيادة بعد سبعة أسابيع على اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في غارة أمريكية إسرائيلية، مع عدم تحديد موعد جنازته حتى الآن، في حين يُعتقد أن ابنه وخليفته مجتبى خامنئي غير قادر على فرض سلطته أو ضعيف في ممارستها.


وأضافت أن الحروب والاغتيالات التي نفذتها دولة الاحتلال أدت إلى تقليص أعداد القيادات الموالية، فيما أبدى خلفاؤهم ترددا في التخلي عن استقلاليتهم التي اكتسبوها خلال الحرب، بعد تخفيف المركزية في إدارة الدولة.

وأشارت إلى أنه منذ إعلان وقف إطلاق النار في 8 نيسان/أبريل بدأ تماسك النظام في التراجع، رغم أن السلطة رسميا بيد المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يضم الرئيس ورئيس البرلمان ورؤساء الأجهزة الأمنية، حيث تم تعيين محمد باقر قاليباف كبيرا للمفاوضين وعراقجي نائبا له، إلا أن هذا التوجه قوبل بردود فعل حادة، خصوصا من الحرس الثوري الذي يضم 190,000 مقاتل.

ولفتت إلى أن هذه الانقسامات ظهرت في التصريحات المتناقضة بشأن مضيق هرمز، مع تصاعد نفوذ العسكريين، حيث بدأت الحشود المرتبطة بالحرس الثوري بمهاجمة قاليباف وعراقجي، في حين حلت البيانات العسكرية محل الخطابات الدينية، وتراجعت قواعد اللباس المحافظة، إذ قادت امرأة غير محجبة هتافات في تجمع جماهيري، في سابقة منذ أربعة عقود.

وطرحت وسائل إعلام مرتبطة بالحرس الثوري فكرة تأجيل الانتخابات البلدية المقررة في 1 أيار/مايو، في مؤشر إضافي على تصاعد دور المؤسسة العسكرية.

وأوضحت المجلة أن بعض هذه التحركات قد يكون تكتيكيا لانتزاع تنازلات عبر إظهار معارضة متشددة، مشيرة إلى أن الانقسامات داخل إيران ليست جديدة، لكنها اليوم تتخذ شكلا مختلفا بين قوميين براغماتيين وإسلاميين أيديولوجيين.

وبينت أن القوميين يميلون للتخلي عن شبكات الوكلاء مقابل تخفيف العقوبات، بينما يتمسك الإسلاميون بها ضمن ما يسمونه "محور المقاومة"، في حين يرى القوميون أن التصعيد النووي يعرض البلاد للخطر، بينما يسعى الإسلاميون لامتلاك سلاح نووي على غرار كوريا الشمالية.


كما أضافت أن هناك براغماتيين يرون في مضيق هرمز ورقة ضغط لعقد اتفاقات أمنية أوسع مع دول الخليج، مقابل أيديولوجيين يعتبرونه ممرا اقتصاديا تحت سيطرة إيران.

وأشارت إلى أن المصالح الاقتصادية تزيد المشهد تعقيدا، مع بروز جنرالات استفادوا من خرق العقوبات، في وقت تشير فيه تقارير إلى سيطرة شبكات مرتبطة بمجتبى خامنئي وقاليباف على أصول عقارية خارجية.

وأكدت أن غياب علي خامنئي أعاد شخصيات مهمشة إلى الواجهة، كل منها يحمل أجندته الخاصة، ما ينعكس على اختلاف المواقف داخل الوفد الإيراني بشأن الملفات الأساسية، مثل البرنامج النووي ودور الوكلاء والسيطرة على مياه الخليج.

وأشارت إلى زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران في 15 نيسان/أبريل، في محاولة لإيجاد أرضية مشتركة، وسط تقديرات بحجم أضرار الحرب بنحو 270 مليار دولار، مؤكدة أنه حتى في حال عودة إيران للمفاوضات، فإن الانقسامات العميقة داخلها تجعل التوصل إلى اتفاق أمرا صعبا، وقد يؤدي إلى انهياره سريعا.