عد باحثون من مبادرة "أوبن ريستيتيوشن أفريقيا" أن خضوع مسار إعادة القطع المنهوبة لسيطرة المؤسسات الغربية، التي تحدد شروط العملية وآلياتها، يمثل خللاً في بنية عملية استعادة "
برونزيات بنين" إلى
نيجيريا، وليس مجرد خلافات سطحية.
وأكد الباحثون في المبادرة المهتمة بتتبع جهود استعادة الآثار الإفريقية المنهوبة الموجودة في المتاحف الأوروبية، أن هذا النهج يؤدي إلى تهميش مطالب الدول الإفريقية، حيث يجري تقديم ما تقوم به الدول الغربية من إعادة للبرونزيات على أنه "مبادرات طوعية" بدلاً من كونه استحقاقاً تاريخياً.
وأعادت قضية "برونزيات بنين" في نيجيريا تسليط الضوء على ملف التراث الثقافي الإفريقي المنهوب خلال الحقبة الاستعمارية، في ظل استمرار وجود آلاف القطع الفنية خارج القارة رغم تزايد الدعوات لإعادتها.
ما هي "برونزيات بنين"؟
هي مجموعة فنية تاريخية شهيرة تعود لمملكة بنين القديمة (في ما يُعرف اليوم بولاية إيدو في جنوب نيجيريا)، وتُعد البرونزيات واحدة من أبرز رموز التراث الإفريقي التي أُنتجت خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر.
وتشمل الأعمال الفنية رؤوساً ملكية ولوحات بارزة وتماثيل لحيوانات تحمل قيمة تاريخية وثقافية كبيرة، وهو ما يُعد إرثاً حضارياً وتراثياً لنيجيريا. وخلال ما عُرف بـ"حملة بنين" وتحديداً عام 1897، قامت القوات البريطانية بنهب آلاف القطع ونقلها إلى أوروبا وأمريكا الشمالية.
حيث توزعت بين متاحف ومجموعات خاصة، ولا تزال نسبة كبيرة منها معروضة حتى اليوم. مؤخراً، تسارعت عمليات الإعادة، إلا أنها لا تزال دون المستوى المطلوب، حيث أعادت ألمانيا إلى نيجيريا عشرات القطع، كما أعادت هولندا 119 قطعة إلى نيجيريا عام 2025، في أكبر عملية استرجاع حتى الآن.
كما أعاد متحف الآثار والأنثروبولوجيا في جامعة كامبريدج البريطانية 116 قطعة إلى نيجيريا عام 2026، بينما لا يزال المتحف البريطاني (الذي يحتفظ بأكبر مجموعة بنحو 900 قطعة) متردداً في إعادة بعض القطع بسبب القوانين البريطانية.
وتشير التقديرات إلى أن ما بين 90 و95 بالمئة من التراث الثقافي الإفريقي لا يزال موجوداً خارج القارة، فيما تواجه عمليات الإعادة عقبات قانونية ومؤسسية متعددة.
التشدد بذريعة الأطر القانونية
انتقد أستاذ تاريخ الفن في جامعة كاليفورنيا الأمريكية، سيلفستر أوغبيشي، المواقف تجاه إعادة القطع الأثرية إلى أفريقيا، قائلاً إنها شهدت تحولاً من الانفتاح النسبي إلى التشدد. وأشار إلى أن ألمانيا اتخذت خطوات أكثر تقدماً، بينما بقيت بريطانيا أكثر تحفظاً.
لافتاً إلى أن مقترحات "إعارة" القطع لعرضها في نيجيريا تُستخدم لتكريس ملكيتها القانونية في الغرب، وأضاف أوغبيشي إن من أبرز العقبات أمام عملية الإعادة هي تعقيد الأطر القانونية؛ حيث تضطر الدول الإفريقية إلى المطالبة بحقوقها ضمن أنظمة قانونية غربية.
وأكد أن القضية لا تتعلق فقط بإعادة القطع، بل تشمل أيضاً الاعتراف بحقوق الملكية الفكرية المرتبطة بها، محذراً من أن إقرار مثل هذه الحقوق قد يترتب عليه التزام الدول المستضيفة للقطع بدفع مقابل مالي لقاء استخدامها.
دعوات للتعويضات والحقوق
يرى خبراء أن إعادة القطع وحدها غير كافية، بل يجب أن يرافق ذلك تعويضات عن الخسائر التي تكبدتها الدول الإفريقية خلال الحقبة الاستعمارية.
بدورها، قالت مديرة مجموعة عمل "ريستيتيوشن" ديدريا فارمر بايلمان إن الأولوية بالنسبة لهم ليست التعويض المالي، بل المشاركة في عملية اتخاذ القرار المتعلقة بهذه القطع.
وشددت على أهمية أن يكون للأفارقة دور في كيفية عرض هذه الأعمال وسرد تاريخها، خصوصاً فيما يتعلق بسياق تجارة الرقيق والاستعمار.
دعوات لتدويل الملف
تؤكد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) أن عملية إعادة الممتلكات الثقافية يجب أن تقوم على التعاون الدولي، وليس على خطوات أحادية.
وتشدد المنظمة على أن التنسيق مع كيانات إقليمية مثل الاتحاد الإفريقي يمكن أن يسهم في تسريع إعادة القطع، فيما يشدد خبراء على ضرورة تبني الدول الإفريقية استراتيجية موحدة وأكثر فاعلية.