ذاكرة القهر الصامت.. كيف تكشف "الساقطات" وجهاً خفياً من تاريخ إيرلندا الأخلاقي؟

تُعرف "مغاسل ماغدالين" بأنها شبكة مؤسسات احتجاز قسري للنساء والفتيات في إيرلندا، نشأت منذ أواخر القرن التاسع عشر واستمرت حتى إغلاق آخرها عام 1996.
نشر الروائي الأيرلندي البارز جون بانفيل قراءته النقدية لكتاب الساقطات The Fallen للباحثة لويز برانغان في صحيفة "الغارديان" البريطانية، مقدّماً تفكيكاً أدبياً وفكرياً لإحدى أكثر الصفحات قتامة في التاريخ الاجتماعي الحديث لإيرلندا، والمتعلقة بمؤسسات "مغاسل ماغدالين"، التي تحولت إلى رمز عالمي للقمع الأخلاقي المقنّع بالدين والإصلاح الاجتماعي.

شهادة أدبية على تاريخ مُثقل بالصمت


في قراءته المنشورة في  "الغارديان"، يقدّم بانفيل نصاً يتجاوز حدود المراجعة الأدبية التقليدية، ليقترب من شهادة فكرية على منظومة قمع ممتدة، حيث يرى في كتاب برانغان عملاً يثير “غضباً مكبوتاً ممزوجاً بالحزن والشعور بالذنب”، لأنه يعيد فتح ملف آلاف النساء والفتيات اللواتي جرى احتجازهن في مؤسسات دينية مغلقة خارج إطار القانون.

وتقوم قراءة بانفيل على إبراز الطابع الصادم لهذه التجربة التاريخية، إذ يكشف كيف تحوّلت "مغاسل ماغدالين" إلى ما يشبه السجون الأخلاقية، حيث لا يُعاقَب الفعل فقط، بل يُعاقَب الوجود الاجتماعي نفسه للنساء اللواتي وُصفن بأنهن “ساقطات” أو غير صالحات وفق المعايير المحافظة السائدة.

مغاسل ماغدالين.. مؤسسة خارج القانون داخل المجتمع


تُعرف "مغاسل ماغدالين" بأنها شبكة مؤسسات احتجاز قسري للنساء والفتيات في إيرلندا، نشأت منذ أواخر القرن التاسع عشر واستمرت حتى إغلاق آخرها عام 1996. وقد أُنشئت تحت غطاء "الإصلاح الأخلاقي"، لكنها عملياً شكّلت نظاماً عقابياً موازياً للسجون الرسمية.

تعود تسميتها إلى مريم المجدلية، في إحالة رمزية إلى فكرة "الخلاص من الخطيئة"، غير أن هذا التصور تحول إلى أداة اجتماعية لضبط النساء، في سياق كانت فيه الكنيسة الكاثوليكية تمارس نفوذاً واسعاً على المجتمع والدولة في آن واحد.

داخل هذه المؤسسات، كانت النساء يُجبرن على العمل القسري في مغاسل ضخمة دون أجر، ويخضعن لنظم صارمة من الانضباط، تشمل تغيير الأسماء، وسلب الهوية، والعمل لساعات طويلة، في بيئة يغيب عنها أي شكل من أشكال الحماية القانونية أو القضائية.

من هنّ "الساقطات"؟


يكشف الكتاب أن النساء اللواتي أُودعن هذه المؤسسات لم يكنّ بالضرورة مرتكبات جرائم، بل شملت الفئات المستهدفة: فتيات قاصرات وُصفن بأنهن "غير منضبطات"، أمهات غير متزوجات، ضحايا عنف أسري أو فقر مدقع، عاملات منزليات ويتيمات، نساء اعتُبرن "عبئاً اجتماعياً".

وبذلك، لم يكن "الذنب" فعلاً محدداً، بل وضعاً اجتماعياً أو وجوداً خارج المعايير الأخلاقية المفروضة.

الدولة والكنيسة.. منظومة مزدوجة للضبط


تكشف قراءة بانفيل، كما يعرضها الكتاب، أن هذه المؤسسات لم تكن مجرد مبادرات دينية معزولة، بل نتاج تداخل معقّد بين الدولة والكنيسة. فبينما تولّت الرهبانيات الدينية إدارة المغاسل، كانت الدولة تحيل النساء إليها وتستفيد من خدماتها، ما خلق نظاماً مزدوجاً من الشرعية الصامتة.

هذا التداخل جعل من “مغاسل ماغدالين” جزءاً غير معلن من منظومة العقاب الاجتماعي، بعيداً عن الرقابة القضائية أو المساءلة السياسية.

إرث الصمت.. المجتمع كطرف ثالث


من أبرز ما يلفت إليه بانفيل في قراءته، أن مأساة هذه المؤسسات لا تكمن فقط في عنفها الداخلي، بل في صمت المجتمع الذي أحاط بها. فقد كانت المغاسل موجودة في قلب المدن، لكن الناس كانوا يمرون بجوارها بصمت متواطئ، كأنها جزء طبيعي من النظام الأخلاقي العام.

هذا الصمت، الذي تصفه برانغان بـ“إرث الصمت”، هو ما سمح باستمرار المنظومة لعقود طويلة دون مساءلة حقيقية، محولاً القمع من ممارسة مؤسسية إلى بنية اجتماعية مقبولة ضمنياً.

امتداد العنف.. من المغاسل إلى بيوت الأمومة


يربط الكتاب بين مغاسل ماغدالين ومؤسسات أخرى مثل “بيوت الأمومة والطفولة”، حيث تكشفت لاحقاً فضائح واسعة، من بينها اكتشاف مقابر جماعية لأطفال في مواقع تابعة لمؤسسات دينية، ما يعزز فرضية أن ما جرى لم يكن استثناءً، بل جزءاً من نظام أوسع للضبط الاجتماعي القائم على الإقصاء.

لويز برانغان.. تفكيك البنية العقابية


تُعد لويز برانغان أكاديمية متخصصة في علم الجريمة والدراسات العقابية، وتركز أعمالها على تاريخ المؤسسات العقابية في إيرلندا، خصوصاً العلاقة بين الدولة والكنيسة في إنتاج أشكال من الاحتجاز خارج القانون.

وفي كتابها "الساقطات: مغاسل المجدلية وإرث الصمت الأيرلندي"، تقدم برانغان دراسة تجمع بين التحليل التاريخي والشهادات الإنسانية، لتفكيك البنية التي جعلت من "الإصلاح الأخلاقي" غطاءً لعقود من الاحتجاز والعمل القسري للنساء والفتيات.

الأخلاق حين تتحول إلى سلطة


في النهاية، يقدّم كل من بانفيل وبرانغان قراءة تتجاوز حدود التاريخ المحلي لإيرلندا، لتطرح سؤالاً كونياً حول العلاقة بين الأخلاق والسلطة: كيف يمكن لمجتمع أن يحوّل الفضيلة إلى أداة قمع، وأن يبني نظاماً كاملاً من الإقصاء باسم النظام الاجتماعي؟

إن "مغاسل ماغدالين" ليست مجرد ذاكرة وطنية مؤلمة، بل نموذجاً تحذيرياً عن هشاشة الحدود بين الأخلاق والسلطة، حين تُترك دون مساءلة، وحين يصبح الصمت جزءاً من الجريمة ذاتها.