قالت مؤسسات الأسرى
الفلسطينية، إن عدد المعتقلين في سجون
الاحتلال الإسرائيلي ارتفعت بنسبة 83% منذ أعقاب جريمة الإبادة في قطاع
غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2026، استنادًا إلى المعطيات الراهنة بينهم 350 طفل.
ويطلق الفلسطينيون على أسرى الأطفال "الأشبال" الذين يقبعون خلف القضبان بانتظار نيل حريتهم.
وبحسب نادي الأسير الفلسطيني، لم تكن الطفولة يوما خارج دائرة الاستهداف منذ احتلال فلسطين، بل وضعب في قلب سياسيات الاحتلال للقمع والسيطرة، ولم تكن ظرفا طارئا أو حالة استثنائية.
ومنذ اندلاع جريمة الإبادة الجماعية في غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، شنّت سلطات الاحتلال حملات اعتقال واسعة على امتداد الأراضي الفلسطينية المحتلة، طالت أكثر من (1700) طفل في
الضفة الغربية وحدها.
ويشمل هذا الرقم كلَّ من تعرّض للاعتقال سواء أُفرج عنه لاحقًا أم بقي رهن الاحتجاز.
وإلى جانب ذلك، جرى اعتقال عشرات الأطفال من قطاع غزة خلال الحرب في ظروف بالغة الخطورة، شملت انتهاكات جسيمة وجرائم ممنهجة، من بينها الإخفاء القسري، ومنع الزيارات، وقطع سبل التواصل، مما جعل معرفة الأعداد الحقيقية أو مصير كثيرين منهم أمرًا بالغ الصعوبة.
وتُشكّل مرحلة ما بعد الإبادة المرحلةَ الأقسى على الأطفال الأسرى الذين يبلغ عددهم اليوم في سجون الاحتلال نحو (350) طفلاً، إذ غدت منظومة التعذيب البنيوية الممارَسة في سجون الاحتلال أحد أبرز أدواتها وأشكالها.
لحظات الاعتقال الأولى
وبحسب نادي الأسير، تبدأ لحظة الاعتقال غالبًا بمشهد عنيف ومفاجئ في ساعات الفجر الأولى، حيث تنفذ قوات الاحتلال اقتحامات للمنازل دون أي إنذار مسبق، فتستيقظ العائلات على أصوات الانفجارات وتكسير الأبواب، مصحوبةً بصرخات الجنود وانتشارهم داخل المنزل، في أجواء يسودها الخوف والفوضى.
عقب ذلك، يُقتاد الأطفال إلى خارج منازلهم باتجاه الآليات العسكرية، حيث يُكبَّلون بالأصفاد وتُفرض عليهم قيود صارمة على الحركة. وخلال عملية النقل التي قد تمر عبر عدة نقاط تفتيش ومراكز عسكرية، يتعرض بعضهم للضرب والمعاملة القاسية، فضلًا عن احتجازهم لساعات طويلة دون طعام أو ماء.
وفي كثير من الحالات، يُنقل الأطفال وهم معصوبو الأعين، مما يعمّق شعورهم بالخوف والارتباك، ويُخلّف آثارًا نفسية حادة منذ اللحظات الأولى للاعتقال.
أطفال في زنازين التحقيق
تُشكّل مرحلة التحقيق واحدة من أكثر مراحل اعتقال الأطفال داخل سجون الاحتلال قسوةً، إذ تُدار في بيئة تستهدف كسر إرادتهم وانتزاع اعترافاتهم.
يُحتجز الأطفال في ظروف تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، ويُخضَعون لساعات طويلة من الاستجواب المتواصل دون حضور ذويهم أو محامٍ، وتكشف الشهادات أن هذه المرحلة تُوظَّف لترهيب الطفل نفسياً ودفعه إلى الاعتراف تحت وطأة العزل والخوف.
وقد تصاعدت حدة هذه الانتهاكات بشكل خطير في ظل الإبادة الجماعية؛ فقد باتت زنازين التحقيق أشد إحكاماً وقسوةً، مع تضاعف الحرمان من النوم والراحة، في تجاهل تام لخصوصية الطفل وحقه في المعاملة الإنسانية. وتصاعدت حدة الانتهاكات خلال هذه المرحلة في أعقاب الإبادة. حيث ازدادات وحشية الأساليب المتبعة سواء من خلال ممارسة التعذيب الجسدي والنفسي بحقّ الأطفال.
وبهذا تتحول فترة التحقيق، التي يُفترض أن تكون إجراءً قانونياً، إلى مساحة انتهاك ممنهج تترك آثاراً عميقة في نفوس الأطفال ومستقبلهم، جراء التعرض لضغوط متواصلة في بيئة احتجاز تفتقر إلى أبسط الحقوق الإنسانية.
أطفال بلا تهمة
ويُشكّل الاعتقال الإداري بحق الأطفال الفلسطينيين أحد أشد وجوه المنظومة القمعية الإسرائيلية فتكاً وإيلاماً؛ إذ يُزجّ بالطفل خلف القضبان دون توجيه تهمة إليه، وضمن محاكم شكلية، استناداً إلى ما بات يُعرف بـ"الملف السري" — وثيقة يحتجب مضمونها عن المعتقل ومحاميه على حدٍّ سواء.
وصل عدد الأطفال المحتجزين إدارياً إلى مستويات لم تُسجّلها المؤسسات الحقوقية في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية، وحتى نهاية عام 2025، وبحسب ما أعلنت عنه إدارة السجون، فإن 180 طفلاً في الاعتقال الإداري،
ولا يعاني الطفل المعتقل إدارياً من وطأة الاحتجاز وحده، بل يرزح تحت ثقل تعذيب نفسي متواصل؛ فأمر اعتقاله يُجدَّد في اللحظات الأخيرة قبيل موعد الإفراج المفترض، ليجد نفسه وأسرته في دوامة من القلق والترقب لا تنتهي. وفي ظل الحرب، تضاعف هذا الاحتجاز وترافق مع عزل شبه تام: لا زيارات عائلية، ولا تواصل مع المحيط الخارجي، مما يجعل الطفل عرضةً لسياسات التجويع والإذلال والترهيب داخل الزنازين.
وتحظر المواثيق والاتفاقيات الدولية صراحةً احتجاز القاصرين دون محاكمة.
وتُمثّل هذه الممارسات انتهاكا لاتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، التي تحظر الاعتقال التعسفي للأطفال، وتُلزم بأن يكون الاحتجاز ملاذًا أخيرًا ولأقصر مدة ممكنة، مع ضمان المعاملة الإنسانية وصون الكرامة. كما تنتهك هذه الممارسات المادةَ (37) من الاتفاقية ذاتها، التي تحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية، وتكفل حق الطفل في التواصل مع أسرته والحصول على مساعدة قانونية، فضلًا عن خرقها لمبادئ القانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقيات جنيف، التي تفرض حماية خاصة للأطفال بوصفهم فئةً مدنية، وتحظر كل أشكال الإساءة والإهمال بحقهم.