تشهد
تركيا تطورات متسارعة في ملف الهجوم المسلح الذي استهدف مدرسة في ولاية كهرمان مرعش الأربعاء، وسط تحقيقات أمنية وقضائية واسعة تكشف تباعا تفاصيل جديدة عن منفذ الهجوم وخلفياته، في وقت تؤكد فيه السلطات أن الحادث "فردي" ولا يرتبط بأي تنظيم إرهابي، رغم مؤشرات مقلقة على تأثره بنماذج
عنف خارجية، وتزامنه مع حوادث مشابهة في ولايات أخرى.
كما تم ضبط طالب في ولاية مرسين دخل إلى مدرسته بسلاح ناري الخميس، قبل أن تتمكن الإدارة والشرطة من السيطرة على الوضع دون وقوع إصابات.
معلمون يضربون احتجاجا على العنف
أثارت هذه الحوادث المتتالية حالة من الصدمة والقلق في الشارع التركي، دفعت نقابتي التعليم "Eğitim-İş" و"Eğitim-Sen" إلى إعلان
إضراب عام لمدة 3 أيام، احتجاجا على "تصاعد العنف في المؤسسات التعليمية".
وقالت النقابتان في بيان مشترك: "العنف في
المدارس بلغ مستوى لا يمكن قبوله، ولن نصمت أمام هذه الهجمات"، مضيفتين: "نضرب دفاعا عن حق
الطلاب في الحياة، وعن سلامة العاملين في قطاع التعليم".
في هذا السياق، أعلنت المديرية العامة للأمن التركية، في بيان رسمي نشرته عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي الخميس، أن التحقيقات في حادثة مدرسة كهرمان مرعش لا تزال جارية "من جميع الجوانب"، مشيرة إلى اعتقال والد منفذ الهجوم، أوغور مرسينلي، الأربعاء، قبل أن يتم توقيفه بقرار قضائي.
وأوضحت أن عمليات التفتيش التي نُفذت في منزل العائلة ومركبتها أسفرت عن ضبط مواد رقمية جرى التحفظ عليها، وهي تخضع حاليا للفحص الفني، في محاولة لفهم الدوافع الحقيقية وراء الهجوم الذي نفذه الطالب عيسى آراس مرسينلي (14 عاما).
وكشفت التحقيقات الأولية أن المهاجم استخدم صورة في حسابه على تطبيق "واتساب" تعود إلى إليوت رودجر، منفذ هجوم مسلح في الولايات المتحدة عام 2014، وهو ما اعتبرته السلطات مؤشرا على احتمال تأثره بخطاب العنف العالمي، دون أن يرقى ذلك إلى وجود ارتباط تنظيمي.
وشددت المديرية العامة للأمن على أنه "لم يتم العثور على أي دليل على صلة الهجوم بالإرهاب"، مؤكدة أن الحادث "يُصنف كهجوم فردي".
وأسفر الهجوم عن مقتل 9 أشخاص، بينهم معلمة و8 طلاب، حيث تم تحديد هوياتهم على النحو التالي: المعلمة آيلا كارا (56 عاما)، والطلاب مصطفى أصلان، شورانور سيفجي كازيجي، زينب كيلينتش، فرقان سنجاق بالال (11 عاما)، بيرام نبي شيشيك (10 أعوام)، بليناي نور بويراز (10 أعوام)، عدنان غوكتورك يشيل (11 عامًا)، وكرم أردم غونغور.
وفيما يتعلق بالمصابين، أفادت السلطات بأن 11 شخصا غادروا المستشفيات بعد تلقي العلاج، بينما لا يزال 9 آخرون يتلقون الرعاية الطبية في 5 مستشفيات مختلفة، من بينهم 6 حالات وصفت بالحرجة.
وفي موازاة التحقيقات الأمنية، بدأت تتكشف ملامح شخصية المهاجم من خلال شهادات معلمين وزملاء، حيث نقلت وسائل إعلام تركية، بينها تقرير للصحفية غولسيفين أوزكان، إفادات تشير إلى سلوكيات "منعزلة وغير طبيعية".
شهادات زملائه ومعلمه
وقال أحد معلمي الطالب: "كان يحضر الحصص لكنه لا يستمع إطلاقا، يضع رأسه على المقعد، وأحيانا يخربش في دفتره لساعات طويلة"، مضيفا: "كان يتجول وحيدا في فترات الاستراحة، ولم يكن يتفاعل مع زملائه، ولم أره يوما في ساحة المدرسة".
وتابع المعلم: "لم يكن عنيفا أو مثيرا للمشاكل، ولم يسجل بحقه أي إجراء تأديبي، لكنه كان يعيش في عالمه الخاص، ويبدو مختلفا عن بقية الطلاب".
كما أظهرت لقطات مصورة تم تداولها لاحقا، سلوكيات غير مستقرة للمهاجم داخل الفصل، حيث بدا وهو يتجول دون هدف ويقوم بحركات لافتة، الأمر الذي عزز روايات معلميه حول حالته النفسية.
وفي شهادات أخرى، قال أحد الطلاب إن المهاجم سبق أن أطلق تهديدات مباشرة، مضيفا: "قال لصديقنا: سأقتلكم.. وبعد سماع إطلاق النار، أصبنا بحالة من الذعر، ورأينا طلابا يحاولون الهروب من النوافذ".
على الصعيد الرسمي، أعلن وزير الداخلية التركي مصطفى الأربعاء تشيفتشي تعليق الدراسة في ولاية كهرمان مرعش لمدة يومين، مؤكدا أن الحادث "فردي".
وقال في تصريحاته: "أدعو الله أن يرحم ضحايانا من الطلاب والمعلمة، وأتقدم بخالص التعازي لأسرهم"، مضيفا: "أؤكد مجددا أن الحادث لا علاقة له بالإرهاب، بل هو عمل فردي قام به أحد الطلاب".
وأشار إلى أن الحكومة أبلغت الرئيس التركي بكافة تفاصيل الحادث منذ اللحظات الأولى، وأن الوزراء المعنيين توجهوا فورا إلى موقع الهجوم.
بدوره، أعلن وزير العدل بدء تحقيق فوري بإشراف 3 مدعين عامين و4 نواب، مع فرض حظر نشر "لضمان سلامة التحقيق وسريته"، داعيا وسائل الإعلام إلى الالتزام بذلك.
كما كشفت وزارة الداخلية عن تكليف 8 مفتشين، بينهم 4 مفتشين إداريين و4 مفتشين شرطة، للتحقيق في جميع ملابسات الحادث.
وفي تطور لافت، امتدت التحقيقات إلى الفضاء الرقمي، حيث أعلنت المديرية العامة للأمن بدء إجراءات قانونية بحق 591 حسابا على مواقع التواصل الاجتماعي، قالت إنها تنشر "محتوى مضللا يمجد الجريمة ويثير الكراهية".
وجاء في البيان: "لن يتم التساهل مع أي محتوى يهدد النظام العام أو يروج للعنف"، مؤكدة أن الإجراءات القضائية تنفذ بحق المتورطين في نشر أو ترويج هذه المواد.
ملاحقة التحريض على الإنترنت
كما تم رصد مجموعات على تطبيق "تلغرام"، أبرزها مجموعة تضم نحو 100 ألف عضو، حيث تم تداول محتوى يمجد الهجمات ويحدد أهدافا مستقبلية، بما في ذلك "قوائم أسعار" لتنفيذ هجمات جديدة، ما دفع السلطات إلى إغلاق المجموعة وبدء ملاحقات قضائية بحق المشاركين فيها.
وفي سياق متصل، أعلنت وزارة العدل أن "الدوريات الافتراضية" تتابع بشكل مكثف الأنشطة الرقمية، بالتنسيق مع 171 نيابة عامة في عموم البلاد، لرصد أي محتوى إجرامي واتخاذ الإجراءات اللازمة، بما في ذلك التوقيف والتفتيش.
كما تم توقيف شخصين في كهرمان مرعش بتهمة خرق حظر النشر، بعد نشرهما محتوى يتعلق بالتحقيق.
وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد مقلق لحوادث العنف المدرسي في تركيا، حيث شهدت ولاية شانلي أورفا قبل يوم واحد فقط هجوما مسلحا نفذه شاب يبلغ 19 عاما داخل مدرسة ثانوية، أسفر عن إصابة 16 شخصا قبل أن ينهي حياته.
وتعكس هذه التطورات مشهدا معقدا، تتداخل فيه الأبعاد الأمنية والاجتماعية والنفسية، وسط جهود رسمية لاحتواء تداعيات الهجمات ومنع تكرارها، في وقت يزداد فيه القلق من انتقال تأثيرات العنف إلى فئة الشباب والطلاب.