لماذا لا يستطيع بعض المسؤولين التنفيذيين التوقف عن العمل؟

تؤكد البحوث أن العديد من القادة نشؤوا في بيئات كان فيها الحب مشروطًا بالإنجاز، والراحة دليلاً على الضعف، والإنتاجية دليلاً على القمة - cco
تصاعدت المخاوف حول ثقافة "العمل المستمر" داخل المؤسسات، بعد أن أثار بعض قادة الأعمال جدلاً واسعاً بسبب تمسكهم بالحضور الدائم دون انقطاع، وتأثير ذلك على صحة الموظفين وإنتاجيتهم.

نشر موقع "سايكولوجي توداي" تقريراً يتناول ثقافة "العمل المستمر" التي يرى بعض قادة الأعمال أنها ضرورية لتحقيق النجاح.

وقال الموقع في هذا التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إن الرئيس التنفيذي لشركة "ماركس آند سبنسر" ستيوارت ماشين أثار جدلاً واسعاً بعد أن قال إنه لا يحب أرباب الأعمال الذين يأخذون إجازات وينفصلون تماماً عن العمل، ولا يقنعه "الحديث عن التوازن بين العمل والحياة".

وردّ أحد الخبراء بأن تصريحه إساءة فهم لمفهوم القيادة، وتحوّلت التعليقات إلى استفتاء حول ثقافة العمل المستمر وتأثيراتها النفسية.

بين الالتزام والتفاني

يقول الموقع: إنه من المؤكد أن القيادة عالية المخاطر تتطلب التزامًا كبيرًا قد يجعل المسؤولين التنفيذيين يعملون دون راحة.

لكن هناك فارقًا جوهريًا بين التفاني والعمل دون توقف؛ فحين يضع المدير التنفيذي عجزه عن الانقطاع عن العمل معيارًا للقيادة، ويتحول الحضور المستمر إلى قاعدة، فإن الرسالة تنتقل إلى كل مستويات الموظفين، ويصبح إطفاء الهاتف في العاشرة مساءً مخاطرة كبيرة.

ضريبة "الحضور الدائم"

يؤكد الموقع أن ثقافة الحضور المستمر في العمل أشبه بضريبة على المؤسسة تتراكم فاتورتها مع كل ليلة أرق بسبب كثرة العمل، وكل رسالة في وقت متأخر من الليل، وكل إجازة لا يتمتع بها الموظف.

تظهر النتائج لاحقًا في شكل استقالات واستبدال للموظفين، واحتراق وظيفي، وتركيز على إظهار الالتزام بدلًا من السعي لتحسين الإنتاجية، وهما أمران مختلفان تمامًا.

وقد أكدت الأبحاث أن سلوك القادة لا يبقى محصورًا في القمة، بل ينتشر في كل مستويات المؤسسة، وحينها ينخفض الأمان النفسي في بيئة العمل وتصبح الراحة مخاطرة، ويتخذ الموظفون قراراتهم بناءً على ما يبدو لهم صحيحًا، لا ما هو صحيح فعلًا.

فإذا كان قائد المؤسسة يقدم نموذجًا على أن الحضور المستمر هو ثمن الحفاظ على الوظيفة، فكيف يمكن لمرؤوسيه التفكير بشكل مختلف؟.

نمط متكرر في كل المستويات

يضيف الموقع أن مشكلة الحضور الدائم ليست حكرًا على الرؤساء التنفيذيين، بل هي نمط يتكرر في كل المستويات داخل أي مؤسسة تعمل بوتيرة عالية.

فهناك مدير القسم الذي يجدول اجتماعات خلال فترة الغداء خوفًا من أن يبدو غير ملتزم بما يكفي، والمدير الذي يرد على رسائل غير عاجلة في منتصف الليل، وقائد الفريق الذي لم يأخذ إجازة منذ 3 سنوات بدعوى التفاني في العمل.

تُشكّل هذه السلوكيات -حسب الموقع- انحرافًا بطيئًا وغير مرئي في ثقافة العمل، يتسلل من الأعلى إلى الأسفل دون أي قرارات أو مذكرات رسمية من قمة المؤسسة.

أسباب نفسية عميقة

يضيف الموقع أن الإجابات المعتادة عندما تُطرح معضلة العمل المتواصل هي "ضع حدودًا" أو "لا تُجِب على البريد الإلكتروني بعد الساعة الثامنة مساءً"، لكن الأمر ليس بهذه البساطة.

وحسب الموقع، هناك بُعد ثقافي أعمق، حيث بُني نموذج القيادة حول فكرة أن القوة الحقيقية في إدارة الأعمال تعني العمل بلا توقف وعدم طلب المساعدة وعدم أخذ قسط من الراحة، وهو ما يمكن تسميته "أسطورة القائد الذي لا يهتز"، وأبرز تجلياتها الرئيس التنفيذي الموجود دائمًا في العمل.

ويؤكد الموقع أن اعتبار عدم القدرة على الانقطاع عن العمل مجرد مشكلة انضباطية يُغفل حقيقة هذه الظاهرة، التي تقف وراءها دوافع نفسية خفية تجعل القائد عاجزًا عن أخذ قسط من الراحة.

اندماج الهوية بالوظيفة

يتحول العمل بالنسبة للعديد من المسؤولين التنفيذيين أصحاب الإنجازات الكبيرة إلى جوهر كيانهم الذي ينعدم دونه معنى الأنا، ويغدو التوقف عن العمل أمراً لا يُحتمل.

قلق السيطرة

يعمل بعض القادة بشكل مستمر ليس لأنهم بحاجة إلى اتخاذ القرارات، بل لأن عدم معرفة ما يحدث أمر لا يطاق.

ويرجع هذا غالباً إلى بيئات عمل سابقة كانت الأمور تنهار فيها عندما لا يراقبها أحد، والمشكلة أن هذا النمط ما زال مهيمناً في قاعة اجتماعات صُممت بشكل مختلف تماماً.

القيمة تساوي الإنتاج

تنشأ العديد من القادة في بيئات كان فيها الحب مشروطًا بالإنجاز، والراحة دليلاً على الضعف، والإنتاجية دليلاً على القمة.

ولا يختفي هذا النمط عند الترقية، بل يكتسي لغة مهنية. ما البديل؟ يؤكد الموقع أن الذهاب في إجازة أو تثبيت مؤقتات للتطبيقات ليس إلا حلولاً سطحية لمشكلة أعمق، ويقترح عدداً من الحلول ومنها:

اسأل نفسك:

في المرة القادمة التي تشعر فيها بالرغبة في تفقد هاتفك في يوم الإجازة، لا تقاومها فحسب، بل اسأل نفسك: ما الذي أخشى أن أفوته؟ ماذا سيحدث إذا لم أفعل هذا؟ أي شعور سأتعامل معه من خلال هذه الاستجابة؟ الإجابة هي دليل مباشر على سبب الإدمان. دوّنها. كلمة واحدة تكفي للبدء.

فصل الهوية عن الدور الوظيفي:

خصص وقتاً يومياً بعيداً عن أي ارتباط مهني. الهدف ليس تحقيق توازن بين العمل والحياة، بل إثبات وجودك وأهميتك خارج نطاق العمل.

كن نموذجاً للآخرين:

أفضل ما يستطيع القائد في بيئة العمل فعله هو أن يكون قدوة في السلوك المثالي؛ فالاهتمام بالنفس مع التحلي بالمسؤولية والاستجابة هو جوهر القيادة الحقيقية.