من العراق إلى غزة ثم كوبا.. كيف تقتل عقوبات أمريكا شعوب العالم؟

قالت النائبة ألكساندريا أوكاسيو إن ما يحدث في كوبا سبق وشهدناه في غزة بسبب حالة الانحطاط التي لا تمنح ضمانات لحماية المدنيين - موقع سفارة كوبا في أمريكا
لطالما تميزت الولايات المتحدة عن غيرها باستخدام "الحصار" كأداة لمعاقبة الدول التي تعتبرها مناهضة لسياساتها، مُبررةً ذلك بأنه الحل الأمثل للضغط على الحكومات الاستبدادية، في سعي منها لتقديم نفسها كمنقذٍ للشعوب المقهورة.

ويكتظ سجل أمريكا بعدد الدول التي حاصرتها اقتصادياً وسياسياً، بدءاً من دول أمريكا اللاتينية مثل بنما وكولومبيا وفنزويلا وتشيلي ونيكاراغوا، مروراً بالصين وإيران، وللعرب حصتهم، مثل العراق وليبيا والسودان وسوريا، وأسفر ذلك عن وفاة مئات آلاف المدنيين جوعاً ومرضاً.

وفاة نصف مليون طفل عراقي كانت "ثمناً مقبولاً"

تتضح عدم المبالاة الأمريكية بمصير الشعوب جلياً عبر تصريح مادلين أولبرايت التي عدّت موت نصف مليون طفل عراقي بسبب العقوبات ضد العراق خلال تسعينيات القرن المنصرم "كان ثمناً مقبولاً بالنسبة لما حققته أمريكا".

وفي مقابلة لها عام 1996، مع ليزلي ستال في برنامج "60 دقيقة" على قناة CBS، تحدثت عن الحصار الاقتصادي الذي فرضته الولايات المتحدة على العراق بعد حرب الخليج الأولى عام 1991.


حيث قالت شتال: "سمعنا أن نصف مليون طفل عراقي ماتوا، وهذا عدد أطفال أكثر من الذين ماتوا في هيروشيما، هل الثمن يستحق؟"، فأجابت أولبرايت قائلة: "أعتقد أن ذلك خيار صعب جداً، ولكن نعتقد أن الثمن يستحق ذلك".

ورغم أن أولبرايت عبرت عن ندمها على كلماتها خلال مقابلة مع "Democracy Now" عام 2004، حيث قالت إنها ندمت "5000 مرة" على هذا التصريح، واصفة إياه بأنه "غبي"، ولكن هل يعيد الندمُ الحياةَ لنصف مليون طفل عراقي، أو يعوض ذويهم عن الضرر وألم الفقد؟.

ترامب دعم حصار غزة

وفي غزة، تلك المدينة التي تعرضت لأطول حصار وفق ما أكده المدير التنفيذي لمنظمة "إغاثة اللاجئين في الشرق الأدنى الأمريكية"، شون كارول، والتي عدها حالة طوارئ إنسانية كارثية وفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز"، والتي تسببت بوفاة آلاف الفلسطينيين.


ورغم هذا، فقد جعلت إدارة الرئيس ترامب معاناة الفلسطينيين سياسة رسمية للبلاد بسماحها للاحتلال بمواصلة حصار غزة دون حساب ولا عقاب، وفق مقال نشرته مجلة "فورين بوليسي" للكاتبين أندرو ميلر الزميل في مركز التقدم الأمريكي، وفيليب غوردون الباحث في معهد بروكينغز.

ترامب يهدد كوبا.. "الدولة التالية بعد فنزويلا وإيران"

دخلت أزمة الطاقة التي تعاني منها كوبا منذ سنوات منعطفاً خطيراً جديداً الشهر الماضي، بعد أن وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يفرض رسوماً جمركية على أي دولة تبيع أو تزود كوبا بالنفط.

وجاء ذلك القرار بعد أسابيع فقط من إطاحة ترامب بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وإعلانه عن عدم ذهاب المزيد من النفط الفنزويلي إلى كوبا، وفي أحدث تصريح له أشار الرئيس الأمريكي إلى أن كوبا قد تكون "الدولة التالية" بعد فنزويلا وإيران، واصفاً الوضع هناك بأنه "فوضوي" و"دولة فاشلة".



سلسلة عدوان طوال 65 عاماً

يعد تصعيد ترامب الفصل الأخير في سلسلة عدوان شنّها 12 رئيسًا أمريكيًا متعاقبًا طوال 65 عاماً على كوبا، مع فترة توقف وجيزة للغاية عندما اتخذ الرئيس باراك أوباما خطوات دبلوماسية نحو عودة الأمور إلى طبيعتها في عامه الأخير في منصبه.

وقد شمل هذا العدوان غزوًا فاشلًا من قبل الرئيس جون إف. كينيدي عام 1961 في خليج الخنازير، ومحاولات اغتيال سرية متعددة ضد الرئيس الكوبي فيدل كاسترو، وهجمات كيميائية وبيولوجية سرية على الزراعة والثروة الحيوانية في كوبا بهدف تقويض اكتفاء كوبا الذاتي من الغذاء.

وشنت الولايات المتحدة الحرب لإسقاط الثورة الاشتراكية الكوبية التي أطاحت بـ"فولغينسيو باتيستا" الذي حكم البلاد لفترة طويلة، والذي سمح لعصابات المافيا والشركات الأمريكية بالسيطرة على الجزيرة.

امتلكت الشركات الأمريكية نحو 90% من مناجم كوبا، و80% من المرافق العامة، و50% من السكك الحديدية، و40% من إنتاج السكر، و25% من الودائع المصرفية، والأمر الأكثر خطورة هو أن كينيدي فرض في عام 1962 حصارًا اقتصاديًا على كوبا ردًا على هزيمته في خليج الخنازير.

ولطالما صوتت الأمم المتحدة مرارًا وتكرارًا، على مدى 33 عامًا متتالية، مطالبةً بإنهاء الحصار، وكان آخرها في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي بأغلبية 165 صوتًا مقابل 7، وانضمت خمس دول حليفة فقط من اليمين إلى الولايات المتحدة من تلك التي تعتمد على أمريكا في توفير الأسلحة ضد روسيا.

وتعتمد كوبا، التي تنتج 40% فقط من وقودها الخاص وتعتمد إلى حد كبير على النفط لتزويد الجزيرة بالطاقة، على حلفاء مثل فنزويلا والمكسيك وروسيا لسد عجزها في مجال الطاقة. لكن تلك الشحنات قد جفت الآن.


ويعاني نظام توليد الكهرباء المتقادم في كوبا حالةً يرثى لها، وقد أصبحت انقطاعات الكهرباء اليومية التي تصل إلى 20 ساعةً أمراً معتاداً في أجزاء من الجزيرة التي تفتقر إلى الوقود اللازم لتوليد الطاقة.

من غزة إلى كوبا

يصف موقع "كومون دريمز" الحرب على كوبا بأنها "غير معلنة" وغير قانونية بموجب القانون الدولي، ودون موافقة الكونغرس. ومع ذلك، لا يبدي سوى عدد قليل من المشرعين الأمريكيين معارضتهم.

النائب عن ولاية ماساتشوستس، جيم ماكغفرن، قدّم مشروع قانون "HR 7521" في أوائل شباط/فبراير، ولم يحظَ حتى الآن إلا بتأييد 18 عضوًا، ويدعو المشروع إلى إنهاء الحظر، على غرار تشريع مماثل قدّمه العام الماضي عضوا مجلس الشيوخ عن ولاية أوريغون، رون وايدن وجيف ميركلي.

يقول ماكغفرن: "حان الوقت للتخلي عن السياسات القديمة والبالية والفاشلة، وتجربة شيء مختلف. دعونا نركز على شعب كوبا، ولنعاملهم كبشر يرغبون في عيش حياتهم بكرامة وحرية. الشعب الكوبي - وليس السياسيين في واشنطن - هو من يجب أن يقرر قادته ومستقبله".

من جهتها، قالت النائبة ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز (ديمقراطية من نيويورك): "هذا ما شهدناه في غزة، عهد جديد من الانحطاط. لم تعد هناك ضمانات لحماية المدنيين الأبرياء؛ فقد بات من المقبول أن يغض العالم الغربي الطرف عن معاناة الناس، لمجرد أن الفاعلين السياسيين أو الأنظمة في تلك البلدان غير مقبولة".


كما دعت النائبة إلهان عمر (من مينيسوتا) إلى رفع الحصار "القاسي" و"الاستبدادي"، وقال النائب تشوي غارسيا (من إلينوي) إن الحصار "يتعمد تجويع المدنيين" في كوبا.

وغرّد السيناتور كريس فان هولين (ديمقراطي من ماريلاند) قائلاً: "الولايات المتحدة تخلق أزمة إنسانية في كوبا. حصار ترامب وروبيو يعاقب الشعب الكوبي، لا النظام. يجب أن نتعلم من ستة عقود من السياسة الفاشلة تجاه كوبا وأن نغيّر مسارنا".


استهتار إدارة ترامب بالأرواح

من المفارقات أن الانتكاسة الوحيدة لهجوم ترامب على كوبا جاءت من المحكمة العليا، فقرارها الصادر في 20 فبراير/شباط، والذي أبطل استخدامه لقانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية لعام 1977 (IEEPA) لفرض الرسوم الجمركية، يبدو أنه يُبطل أيضاً الرسوم الجمركية المفروضة على الدول المصدرة للنفط إلى كوبا.

وأعرب مايكل غالانت، عضو أمانة منظمة التقدم الدولية، لجوليا كونلي في موقع "كومون دريمز" عن أمله في أن يكون هذا القرار "متنفساً. يجب كسر الحصار".

يقول موقع "كومون دريمز" إن استهتار إدارة ترامب بالأرواح التي تزهق في كوبا لا يختلف عن افتقارها للرحمة في تعاملها مع سكان الولايات المتحدة، بمن فيهم المهاجرون والمواطنون، سواءً بترويع المجتمعات أو بتقليص البرامج الاجتماعية.

5 ملايين مريض يواجهون خطر الموت

بعد أن كان يُوصف بـ"جوهرة تاج كوبا"، وصل نظام الرعاية الصحية المتأزم في البلاد إلى حافة الانهيار نتيجة حصار الولايات المتحدة الذي أثر على إمدادات النفط، حتى بات 5 ملايين مريض يواجهون خطر الموت بسبب أزمة الطاقة.

وفي مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس، قال وزير الصحة الكوبي خوسيه أنخيل بورتال ميراندا إن العقوبات الأمريكية لم تعد تشل اقتصاد الجزيرة فحسب، بل إنها تهدد سلامة الإنسان الأساسية، مضيفاً: "لا يمكنك الإضرار باقتصاد دولة ما دون التأثير على سكانها".

ووفقاً لبورتال، فإن 5 ملايين شخص في كوبا ممن يعانون من أمراض مزمنة سيتأثرون في أدويتهم أو علاجاتهم، ويشمل ذلك 16,000 مريض بالسرطان يحتاجون إلى العلاج الإشعاعي، و12,400 آخرين يخضعون للعلاج الكيميائي.

كما أشار إلى أن رعاية القلب والأوعية الدموية، وجراحة العظام، والأورام، وعلاج المرضى ذوي الحالات الحرجة الذين يحتاجون إلى كهرباء احتياطية لتشغيل أجهزتهم الطبية، هي من بين أكثر المجالات تضررًا. كما أُضيفت علاجات أمراض الكلى وحالات الطوارئ إلى قائمة الخدمات المتأثرة.

نظام صحي تحت رحمة الجيوسياسة

قال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غبرييسوس، يوم الأربعاء، إن الوضع الصحي في كوبا مثير للقلق، وكتب على منصة "إكس" قائلاً: "يجب حماية الصحة بأي ثمن وعدم تركها تحت رحمة الجيوسياسة، وحصار الطاقة، وانقطاع التيار الكهربائي".

وبسبب الحصار الأمريكي، تُحرم كوبا من الحصول على الأدوية والموارد المنقذة للحياة التي تنتجها الولايات المتحدة، على الرغم من قربها الجغرافي من الجزيرة، وخلال مؤتمر صحفي في هافانا، أفاد الدكتور كارلوس مارتينيز بأن السرطان هو السبب الرئيسي لوفاة الأطفال الكوبيين دون سن الخامسة.


وقالت الممرضات في وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة بالمستشفى إنهن لديهن بالفعل خطط لمستشفى بلا كهرباء على الإطلاق: لفّ الأطفال حديثي الولادة بالبطانيات وإعادتهم إلى الحاضنات المعطلة، على أمل أن يبقوا دافئين بما يكفي للبقاء على قيد الحياة.


كوبا تغرق في "الظلام والموت"

أكد ستة أطباء كوبيين لصحيفة "نيويورك تايمز" أن تدهور الأوضاع في المستشفيات يتسبب في "وفيات كان يمكن منعها".

ويقول الدكتور أليوث فرنانديز، رئيس أطباء التخدير في أكبر مستشفى للأطفال في هافانا: "لا أستطيع تحديد عدد الوفيات بدقة، لكنني متأكد أنها أكثر من العام الماضي؛ أرى ذلك في عيون زملائي وفي الأطفال الذين أجريت لهم عمليات جراحية".

مستشفيات بلا وقود.. ومخازن أدوية خاوية

رسم تقرير الصحيفة الأمريكية صورة قاتمة للواقع الميداني في كوبا، جاء فيه: "جراحات ملغاة، والمستشفيات تُعيد المرضى لبيوتهم لعدم قدرة الأطباء على الوصول للعمل بسبب أزمة النقل، أما سيارات الإسعاف فمعظمها متوقفة لعدم وجود البنزين لتشغيلها.

وبالنسبة لمخازن الأدوية، فهي خاوية بعد أن توقف إنتاجها نظراً لكون المصانع تعمل بالديزل، أما ما هو مخزون من لقاحات فإنه مهدد بالتلف بسبب غياب التبريد المستمر، كما أن رفوف الصيدليات هي الأخرى باتت خالية تماماً".

إحصائيات وفيات صادمة

كما كشف تقرير الـ "نيويورك تايمز" أيضاً عن تراجع مخيف في المؤشرات الصحية الكوبية التي كانت تُضاهي الدول المتقدمة، حيث ارتفع معدل وفيات الرضع من 4 حالات لكل 1000 ولادة في 2018 إلى 10 حالات في 2025 (ضعف المعدل في أمريكا).

وبلغ عدد المرضى في قوائم الانتظار لإجراء العمليات نحو 96,400 مريض، وأكثر من 30,000 طفل تأخرت لقاحاتهم، وبلغ عدد مرضى الفشل الكلوي والسرطان حوالي 20,000 مريض معظمهم يعانون من عدم انتظام جلسات الغسيل الكلوي والعلاج الإشعاعي.

المفاضلة ما بين الموت والحياة

يصف خبير الصحة العامة في جامعة "جونز هوبكنز"، بول شبيجل، الوضع بأنه "متطرف وليس مجرد أزمة عابرة"، حيث يضطر الأطباء للمفاضلة بين المرضى (نظام الترياج) تماماً كما يحدث في مناطق الحروب مثل "غزة وأوكرانيا".


وفي غرف العناية المركزة، يضطر الممرضون لاستخدام "المضخات اليدوية" لإبقاء الأطفال حديثي الولادة على قيد الحياة عند انقطاع الكهرباء، بانتظار حتى تبدأ المولدات بالعمل، ومع نفاد الوقود، قد لا تكون مولدات الغاز سوى حل مؤقت.

وتصنف بيانات الصحة العامة حاليًا أكثر من 32 ألف امرأة حامل ضمن فئة "الأكثر عرضة للخطر" بسبب نقص الوقود اللازم للمتابعة الطبية أثناء الحمل والنقل الطبي الطارئ.