رغم القوة الجوية الهائلة التي استخدمتها الولايات المتحدة وحليفتها، دولة الاحتلال الإسرائيلي، في حربهما على
إيران، إلا أنه لا بوادر حتى الآن تشي بضعف النظام أو إمكانية حسم المعركة معه من الجو، ما يطرح تساؤلات حول مسارات الحسم المستقبلية.
وتُظهر البيانات التي تنشرها القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) صورة عامة للضربات التي تنفذها القوات الأمريكية في إيران، من حيث عددها ونوعية الأهداف، إلا أنها تفتقر إلى تفاصيل حاسمة تتعلق بطبيعة الأهداف الدقيقة أو نوعية الذخائر المستخدمة أو تقييم أضرار المعركة، ما يثير تساؤلات حول فعالية الحملة العسكرية الجارية. بحسب تقرير لـ"
هآرتس".
ورغم أن هذا الغموض يُعدّ أمرًا معتادًا في العمليات العسكرية، يرى خبراء أن محدودية المعلومات تعكس أيضًا قيودًا جوهرية في قدرة القوة الجوية على تحقيق حسم ميداني. وفي هذا السياق، أوضحت الباحثة في الحرب الجوية كيلي غريكو من مركز ستيمسون أن طبيعة الأهداف التي تعلنها "سنتكوم" تشير إلى حدود القوة الجوية، وهو ما يفسر استمرار اللجوء إلى خيار نشر قوات برية.
بالتوازي مع الحديث عن اتصالات بين إدارة دونالد ترامب وطهران وتعليق بعض الضربات، بدأت الولايات المتحدة فعليًا في تعزيز وجودها العسكري في المنطقة. وتشير تقارير إلى نشر وحدتين من مشاة البحرية، إلى جانب نحو ألفي جندي مظلي ضمن قوات الرد السريع، ما يرفع عدد القوات المشاركة في العمليات إلى نحو 50 ألف جندي.
هذا التصعيد يثير مخاوف متزايدة داخل الأوساط الأمريكية من الانزلاق إلى "مستنقع إيراني"، خاصة في ظل الإرث الثقيل لحربي العراق وأفغانستان، والرفض الشعبي الواسع لأي تدخل بري جديد في الشرق الأوسط.
من جانبه، حذر الباحث في معهد كوينسي ويليام هارتونغ من أن أي تدخل بري محتمل قد يكون أكثر كلفة وتعقيدًا من حرب العراق، مؤكدًا أن الرأي العام الأمريكي لا يُبدي استعدادًا لتحمل تبعات حرب طويلة جديدة.
ويرى محللون أن أي عملية برية محتملة قد تستهدف مواقع استراتيجية مثل جزيرة خارك، مركز تصدير النفط الإيراني، أو المنشآت النووية. غير أن هذه الأهداف تنطوي على مخاطر كبيرة، إذ إن إيران أعدّت منذ سنوات لسيناريوهات مشابهة، عبر تعزيز قدراتها الدفاعية باستخدام الطائرات المسيّرة والوسائل البحرية.
كما يشير خبراء إلى أن
الضربات الجوية، رغم قدرتها على إلحاق أضرار بالبنية التحتية، لا تستطيع القضاء على المعرفة التقنية أو منع إعادة بناء القدرات النووية، ما يجعل الحسم العسكري الكامل أمرًا معقدًا.
في المقابل، تعتمد إيران على استراتيجية "الاستنزاف طويل الأمد"، حيث لا تسعى لتحقيق نصر عسكري مباشر، بل إلى إطالة أمد الصراع ورفع كلفته على خصومها. ويبرز هنا مفهوم "الحرمان الجوي الهجين"، الذي يهدف إلى جعل المجال الجوي ساحة مكلفة ومتنازعًا عليها، دون الحاجة إلى تحقيق تفوق جوي كامل.
وتتجلى هذه الاستراتيجية في الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، التي تقابلها أنظمة اعتراض باهظة الثمن، ما يخلق فجوة كبيرة في ميزان التكاليف لصالح طهران.
وفي ظل هذه المعطيات، يحذر خبراء من أن استمرار الحرب دون رؤية واضحة لمرحلة ما بعدها قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ قد تخرج إيران من الصراع أكثر تشددًا، وأكثر اقتناعًا بضرورة امتلاك سلاح نووي كضمانة أمنية.
وفي الوقت الذي تواصل فيه واشنطن و"تل أبيب" عملياتها، يظل السؤال الأهم معلقًا: هل يمكن للحسم العسكري أن يتحقق عبر الجو وحده، أم أن المنطقة تتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدًا من الصراع المفتوح؟