إبداع تحت المراقبة.. الحرية البشرية في زمن الخوارزميات

لا تمارس الخوارزميات رقابة مباشرة، بل تفرض نوعاً من "التوجيه الناعم" الذي يعيد تشكيل الذوق العام، ويؤثّر في اختيارات المبدعين دون أن يشعروا بذلك.. عربي21
لقد اهتزّ العالم الثقافي والفكري مع صدور كتاب فلسفي من إنتاج الذكاء الاصطناعي بعنوان "حكم التنويم المغناطيسي: ترامب، ماسك، وهندسة معمارية للواقع". لم يكن الحدث مجرّد تجربة تقنية عابرة، بل مثّل علامة دالّة على تحوّل عميق في علاقة الإنسان بالآلة  التي ابتكرها.

لقد بدا وكأنّ هذا "العقل الموازي" لم يعد يكتفي بالمحاكاة، بل يسير تدريجياً نحو التأثير في أنماط التفكير ذاتها، بما يهدّد بإعادة تشكيل وظيفة الإنسان الأساسية: التفكير الحر. هنا تحديداً، يصبح سؤال الحرية والإبداع أكثر إلحاحاً: هل ما يزال المبدع يمتلك زمام اختياراته، أم أنّه يتحرّك داخل فضاء موجّه سلفاً؟

تقليدياً، طُرحت مسألة حرية الإبداع ضمن ثنائية الرقابة العامة والرقابة الذاتية. فالرقابة العامة تتمثّل في القوانين وأخلاقيات الممارسة الفنية والفكرية، في حين تعبّر الرقابة الذاتية عن القيم الاجتماعية التي يستبطنها المبدع، وعن الحدود التي يرسمها لنفسه، أحياناً دون وعي. وقد ظلّ المبدع، في هذا الإطار، يتأرجح بين هذين القيدين، شاكياً من التضييق الذي يحدّ من طاقته التعبيرية. غير أنّ هذه الثنائية لم تعد كافية اليوم، إذ ظهرت سلطة ثالثة أكثر تعقيداً وخفاء: سلطة الخوارزميات.

فماذا نعني بالخوارزميات؟

علمياً، يمكن تعريف الخوارزميات باعتبارها مجموعة من الخطوات المنطقية والرياضية المصمّمة لحلّ مشكلات محدّدة أو لمعالجة معطيات معيّنة. وقد تطوّرت هذه الخوارزميات ضمن ما يُعرف بالشبكات العصبية الاصطناعية، المستوحاة من طريقة عمل الدماغ البشري.

 ويُعدّ "البيرسبترون" من أوائل نماذج هذه الشبكات، قبل أن تتطوّر لاحقاً مع تقنيات التعلم العميق والبيانات الضخمة، لتصبح أكثر قدرة على التحليل والتوقّع واتخاذ القرار.

علمياً، يمكن تعريف الخوارزميات باعتبارها مجموعة من الخطوات المنطقية والرياضية المصمّمة لحلّ مشكلات محدّدة أو لمعالجة معطيات معيّنة. وقد تطوّرت هذه الخوارزميات ضمن ما يُعرف بالشبكات العصبية الاصطناعية، المستوحاة من طريقة عمل الدماغ البشري.
غير أنّ الخوارزميات لم تعد مجرّد أدوات حسابية، بل تحوّلت إلى منظومات توجيهية تتحكّم في تدفّق المعلومات وفي ترتيب الأولويات داخل الفضاء الرقمي. وهنا تبدأ علاقتها المباشرة بالإبداع. فهي، على سبيل المثال، تحدّد ما الذي يظهر للمبدع من محتوى وما الذي يُحجب عنه، وهو ما يؤثّر في مخزونه المعرفي ومصادر إلهامه. كما أنّها  حيث يُدفع المبدعون، بشكل واعٍ أو غير واعٍ، إلى إنتاج محتوى يتماشى مع ما تفضّله هذه الخوارزميات أي ما يضمن التفاعل والمشاهدات.

الخوارزميات.. الرقيب الخفي للمبدع

تظهر إذن الخوارزميات كرقيب خفي وسلطة مسيطرة على الممارسات الإبداعية ونرى ذلك في عدة أمثلة.

في منصّات الفيديو القصير، يُفضَّل المحتوى السريع والمكثّف، ممّا يدفع المبدعين إلى اختزال أفكارهم وتبسيطها حدّ المساس بالقيمة الفكرية للمضمون ، فقط لضمان الظهور.

أما في  مجال الكتابة، تروّج الخوارزميات للنصوص المثيرة للجدل أو العاطفية أكثر من النصوص العميقة، وهو ما قد يدفع الكتّاب إلى تعديل أساليبهم ومواضيعهم لتتناسب مع هذا المنطق.

 وبالنسبة للفنون البصرية، فقد أصبحت بعض الأنماط الجمالية "مهيمنة" لأنّها تحظى بانتشار أكبر، ممّا يخلق نوعاً من التنميط غير المعلن للإبداع.

مفهوم غرف الصدى

هكذا، لا تمارس الخوارزميات رقابة مباشرة، بل تفرض نوعاً من "التوجيه الناعم" الذي يعيد تشكيل الذوق العام، ويؤثّر في اختيارات المبدعين دون أن يشعروا بذلك. ومن خلال تحليل البيانات وتتبّع السلوكيات، تقوم هذه الأنظمة بإعادة إنتاج عالم يشبه المستخدم، فيجد نفسه محاطاً بمحتوى يعزّز قناعاته ويؤكّد ميوله.

لقد أصبح الإبداع اليوم مجالاً للصراع بين منطقين: منطق الخوارزمية القائم على التوقّع والتكرار، ومنطق الإنسان القائم على الاختلاف والابتكار. وبين هذين المنطقين، تتحدّد ملامح الحرية في زمننا الرّاهن.
هنا نستحضر مفهوم "غرف الصدى"، حيث يُحاط الفرد بآراء متشابهة، وتُحجب عنه وجهات النظر المختلفة. هذه الظاهرة لا تؤدّي فقط إلى الانغلاق الفكري، بل تؤثّر أيضاً في العملية الإبداعية، إذ يفقد المبدع احتكاكه بالتنوّع والاختلاف، وهما عنصران أساسيان في إنتاج المعنى. وبذلك، يتحوّل الإبداع من فعل انفتاح إلى إعادة إنتاج لما هو سائد داخل هذه الدوائر المغلقة.

المقاربة النقدية

تكمن  خطورة هذه التحوّلات في أنّها تُوهمنا بالحرية. فنحن نعتقد أنّنا نختار ما نشاهده ونقرأه، بينما في الواقع نحن نتحرّك داخل فضاء مُعاد تشكيله مسبقاً. وهنا تصبح الحرية مسألة إشكالية: هل هي حرية فعلية، أم مجرّد إحساس بالحرية داخل منظومة مبرمجة؟

في هذا السياق، تعود بنا المسألة إلى فلسفة العقل. فقد أكّد الفيلسوف جون سيرل أنّ الحاسوب، مهما بلغ من التعقيد، يظلّ مجرّد نظام لمعالجة الرموز، في حين أنّ العقل البشري هو الذي يمنح هذه الرموز معناها. وهو بذلك ينفي إمكانية أن يمتلك الذكاء الاصطناعي وعياً حقيقياً. غير أنّ هذا الطرح، رغم أهميته، لا ينفي قدرة هذه الأنظمة على التأثير في وعينا نحن، من خلال إعادة توجيه انتباهنا وتشكيل بيئتنا المعرفية.

من جهته، دعا الفيلسوف توماس نيغل إلى ضرورة إحداث "ثورة كوبرنيكية" جديدة في فهمنا للعقل والوعي، بما يتجاوز الاختزال المادي والتقني. كما حذّرت الباحثة كاثي أونيل في كتابها "أسلحة التدمير الرياضي" من الثقة العمياء في الخوارزميات، مبيّنة كيف يمكن لهذه النماذج أن تعمّق اللامساواة وتؤثّر في مصائر الأفراد دون مساءلة حقيقية.

بناءً على ذلك، يبدو أنّ سؤال الحرية والإبداع لم يعد مرتبطاً فقط بإزالة القيود، بل بفهم البنى الخفية التي تشكّل وعينا. ولم يعد التحدّي هو مقاومة الرقابة المباشرة، بل إدراك آليات التوجيه غير المرئي التي تمارسها الخوارزميات.

إنّ إعادة تعريف الحرية في هذا السياق تقتضي الانتقال من مفهوم الحرية كغياب للقيود، إلى مفهوم أكثر تعقيداً يقوم على الوعي بالشروط التي تُنتج اختياراتنا. فالمبدع اليوم مدعوّ إلى أن يكون واعياً ليس فقط بما يبدعه، بل أيضاً بالبيئة الرقمية التي تحتضن هذا الإبداع وتعيد تشكيله.

 يمكن القول إنّ الخوارزميات لم تُلغِ حرية الإبداع، لكنها أعادت صياغتها ضمن شروط جديدة.

لقد أصبح الإبداع اليوم مجالاً للصراع بين منطقين: منطق الخوارزمية القائم على التوقّع والتكرار، ومنطق الإنسان القائم على الاختلاف والابتكار. وبين هذين المنطقين، تتحدّد ملامح الحرية في زمننا الرّاهن.