أكد الكاتب الأمريكي نيكولاس كريستوف، أن الحرب على
إيران تثير مخاوف متزايدة من تراجع القواعد الدولية التي وُضعت بعد الحرب العالمية الثانية لحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.
وأوضح كريستوف في مقال نشرته صحيفة "
نيويورك تايمز" أنه "لو أرسلت إيران عناصر إلى المكسيك وأطلقت من قرب الحدود مع ولاية تكساس صاروخًا على قاعدة عسكرية أمريكية، لكنه دمّر مدرسة قريبة وقتل 175 شخصًا، فإن الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب ومعه الأمريكيون كانوا سيستنكرون بشدة ما يعدّ اعتداءً صارخًا على المدنيين الأبرياء".
وأضاف الكاتب أنه "لو تسببت تلك الهجمات في تدمير مستودعات وقود ونشر مواد كيميائية فوق السكان، ثم استهدفت المنازل والمدارس والعيادات مع تهديدات بتدمير البلاد، فإن رد الفعل الأمريكي سيكون صاخبًا وغاضبًا، معتبرًا ذلك أمرًا مفهومًا".
وأشار كريستوف إلى أن الحروب بلغت مستوى غير مسبوق من الوحشية خلال الحرب العالمية الثانية، حين أدى قصف طوكيو بالقنابل الحارقة إلى مقتل عشرات الآلاف خلال ساعات. وبعد انتهاء الحرب، شاركت
الولايات المتحدة في قيادة جهد دولي للحد من هذه الوحشية عبر ترسيخ قواعد القانون الدولي الإنساني، ومن بينها البروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف التي تحظر استهداف البنية التحتية التي يعتمد عليها المدنيون مثل منشآت المياه.
لكن الكاتب يرى أن هذه القواعد بدأت تتآكل في السنوات الأخيرة. فروسيا، بحسب قوله، استهدفت البنية التحتية المدنية في أوكرانيا بعد غزوها، بينما اتهمت لجنة تابعة للأمم المتحدة إسرائيل بتجويع الفلسطينيين واستهداف الأطفال وتدمير أنظمة الصحة والتعليم في قطاع غزة. كما أشار إلى اتهامات بدعم الإمارات ميليشيات في السودان متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين.
ولفت كريستوف إلى أن الولايات المتحدة زودت إسرائيل بأسلحة استخدمت في غزة، ولم تنتقد أبوظبي علنًا، لكنها ظلت تعلن التزامها بقوانين الحرب، وإن بصورة غير متسقة. إلا أنه أعرب عن خشيته من أن تؤدي الحرب في إيران إلى تراجع واشنطن أكثر عن المبادئ التي كانت تدافع عنها.
ونقل الكاتب عن الباحثة القانونية أونا هاثاواي قولها إن الهجوم على إيران قد يكون مخالفًا للقانون الدولي، لأنه لم يحصل على تفويض من الأمم المتحدة ولم يكن دفاعًا فوريًا عن النفس. وأضافت أن بعض الضربات الأمريكية والإسرائيلية قد تثير تساؤلات بشأن احتمال وقوع جرائم حرب.
وأشار إلى تقارير تحدثت عن قصف مدرسة للبنات أدى إلى مقتل نحو 175 شخصًا، موضحًا أن مثل هذا الحادث قد لا يعد جريمة حرب إذا كان نتيجة خطأ غير مقصود، لكنه قد يندرج ضمن ذلك إذا كان نتيجة إهمال جسيم في اختيار الأهداف.
كما تحدث عن تقارير إيرانية تفيد باستهداف محطة لتحلية المياه تخدم ثلاثين قرية، إضافة إلى أضرار لحقت بآلاف المنازل وعشرات المدارس والمراكز الطبية. وذكرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن أكثر من 1100 طفل قتلوا أو أصيبوا منذ اندلاع الحرب في عدة دول.
وقال المدعي السابق لجرائم الحرب ديفيد كرين إن استهداف منشآت مدنية مثل محطات المياه قد يرقى إلى جريمة حرب إذا كانت تُستخدم أساسًا لخدمة المدنيين، محذرًا من أن العالم يدخل مرحلة من "النزاعات الخارجة عن القانون".
ويرى كريستوف أن بعض تصريحات المسؤولين الأمريكيين تعزز هذه المخاوف، إذ حذر ترامب من أن الولايات المتحدة قد تجعل إعادة بناء إيران شبه مستحيلة إذا أقدمت طهران على خطوات تصعيدية، وهو ما اعتبره بعض الخبراء تهديدًا قد يرقى إلى التلويح بارتكاب جرائم حرب.
وأشار الكاتب إلى أن عددا من القادة الدوليين انتقدوا الهجوم على إيران، إذ وصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الحرب الأمريكية الإسرائيلية بأنها متهورة وغير قانونية، بينما اعتبر وزير الدفاع السويسري أنها تنتهك القانون الدولي. كما وصف رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق دومينيك دو فيلبان الحرب بأنها غير شرعية وغير فعالة وخطيرة، داعيًا إلى فرض عقوبات.
وعلى الصعيد العملي، يرى كريستوف أن الحرب لم تُسقط النظام في إيران، وربما أسهمت في تقويته، كما حذر من أن إغلاق مضيق هرمز قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتهديد إمدادات الأسمدة عالميًا.
وختم الكاتب مقاله بالتحذير من أن العالم قد يكون أمام مرحلة تتآكل فيها القواعد التي حاولت البشرية ترسيخها للحد من فظائع الحروب، معتبرا أن هذه الحرب قد تُذكر مستقبلاً كجزء من تراجع الجهود الدولية للحد من وحشية النزاعات، وهو ما يعني في نهاية المطاف أن الخاسر الأكبر سيكون الإنسانية جمعاء.