مع دخول الحرب أسبوعها الثاني، انتقلت الهجمات الأمريكية الإسرائيلية إلى مرحلة نوعية جديدة بدا التركيز فيها واضحًا تجاه ضرب منشآت الطاقة
الإيرانية لقطع الشريان المغذي للماكينة العسكرية للجيش والحرس الثوري من مصانع الصواريخ إلى الآليات المتحركة.
مع بحث واشنطن عن أوراق ضغط تدفع بطهران لإعلان استسلام سريع غير مشروط، ظهرت جزيرة "خرج" كواحدة من الأهداف الأولى في حال تنفيذ أي عملية برية أمريكية محتملة، نظرًا لأهميتها الاقتصادية والاستراتيجية وفق تقرير لموقع "
إكسيوس" الأمريكي.
وفي واشنطن، قال مستشار البيت الأبيض جارود آغن إن الولايات المتحدة "تسعى إلى إخراج احتياطيات النفط الإيرانية من أيدي الإرهابيين"، في إشارة إلى إمكانية السيطرة على موارد الطاقة الإيرانية كوسيلة للضغط على الحكومة في طهران.
واستشهدت وكالة
رويترز بأزمات سابقة، إلا أن الجزيرة تمكنت من الصمود وواصلت عملها، فخلال أزمة الرهائن الإيرانية عام 1979، فرض الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر عقوبات على إيران، لكنه امتنع عن إصدار أوامر بشن ضربات على الجزيرة.
وأعطى خلفه، رونالد ريجان، خلال حرب ناقلات النفط الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، الأولوية لحماية الملاحة البحرية واستهداف السفن الإيرانية وبطاريات الصواريخ، تاركًا ميناء خرج بمنأى عن الهجمات.
يُصدَّر عبر
جزيرة خرج نحو 90% من صادرات النفط الخام الإيرانية، وتبلغ القدرة التصديرية للجزيرة نحو 7 ملايين برميل يومياً، وتُموّل عائدات المبيعات نحو 40% من ميزانية الحكومة، بما في ذلك رواتب الحرس الثوري، وفقاً للمعلق الجيوسياسي "شانكا أنسلم بيرير".
ويضيف الباحث بيرير أن إدارة الرئيس كارتر وضعت عام 1979
خطط طوارئ للاستيلاء على خُرَّج، ونظرًا لصعوبة العملية ومخاطرها الكبيرة، رُفضت الخطة التي تبناها الأدميرال جيمس "إيس" ليونز لإجبار إيران على إنهاء الأزمة التي دارت رحاها بين عامي 1979 و1981، وإطلاق سراح 52 رهينة أمريكيًا.
إلا أن عام 2026 تغيرت الحسابات العسكرية بعد تدمير أمريكا و"إسرائيل" نحو 80 بالمئة من الدفاعات الجوية الإيرانية خلال حرب الـ12 يوما، ومع تراجع قوة البحرية الإيرانية، عادت إلى الواجهة مخططات السيطرة على خرج، والذي سيؤدي الاستيلاء عليها إلى انهيار إيرادات طهران بين عشية وضحاها، وسيخل بتدفقات الطاقة العالمية، بحسب COMDTY AI وKharg Island Export Terminal Analysis.
استفزاز التنين الصيني
بحسب
دراسة مطولة للمعلق الجيوسياسي "شانكا أنسلم بيرير"، فإن الاستيلاء على جزيرة "خرج" سيُخرج النفط الخام الإيراني من الأسواق العالمية لسنوات، لا لأسابيع، لأن إعادة بناء البنية التحتية لتحميل النفط في عرض البحر في ظل ظروف الحرب يتطلب إعادة بناء كاملة.
وبالتالي سيشعل ذلك فتيل الركود الاقتصادي الذي تسعى أمريكا لتجنبه، ويمنح الصين مبررًا للتصعيد تفتقر إليه بكين حاليًا. ويتطلب الأمر إبقاء جزيرة صغيرة تحت وطأة هجمات مستمرة بالطائرات المسيرة والصواريخ، مع وجود خطوط إمداد عبر مضيق أثبتت إيران قدرتها على تهديده.
بدوره، دعا كيث كيلوج، الممثل السابق لترامب في أوكرانيا، للاستيلاء على جزيرة خرج لخنق اقتصاد إيران، فضلاً عن منع دعم الصين (10% من نفطها من إيران).
الباحث الإسرائيلي جاي لارون في الجامعة العبرية، قال إنه "في حال سيطرت الولايات المتحدة على جزيرة خرج، فلن تكون هناك حاجة إلى تغيير النظام في طهران، ومن الواضح أن القصف الأمريكي العنيف لجنوب إيران لم يكن عملاً عشوائياً، بل هو تمهيد لسيطرة بحرية على الجزيرة".
وأضاف: "عسكرياً، جزيرة خرج ليست محصنة بشكل كبير، بل تقع في عزلة كافية بحيث يمكن للمدمرات الأمريكية إنشاء محيط دفاعي بعيد عن الشاطئ، والاستيلاء عليها سيضمن لواشنطن السيطرة على الخليج العربي الذي تستورد منه الصين ما يقارب نصف نفطها، وثلث غازها ويمثل كارثة استراتيجية لبكين".
قطع شريان الحياة النفطي لإيران
تحولها لهدف محوري لأي تصعيد عسكري محتمل، دفع بـ"بنك جي.بي مورجان" للتحذير من أن استيلاء الولايات المتحدة وإسرائيل على الميناء بجزيرة خرج، سيوقف صادرات النفط الإيرانية وسيتراجع الإنتاج إلى النصف، ما سيدفع بطهران لتكثيف هجماتها على البنية التحتية النفطية الإقليمية.
يرى بيتراس كاتينس، الباحث في شؤون المناخ والطاقة والدفاع في معهد "RUSI"، وهو مركز أبحاث دفاعي مقره لندن، أن الاستيلاء على الجزيرة سيقطع شريان الحياة النفطي لإيران، وهو شريان حيوي للنظام.
وأضاف كاتينس في رسالة بريد إلكتروني إلى شبكة "CNBC": "مع توقف الملاحة عبر مضيق هرمز، لا يمكنهم بيع النفط على أي حال، ولكن بالنظر إلى المستقبل، فإن الاستيلاء سيمنح الولايات المتحدة نفوذًا خلال المفاوضات، بغض النظر عن النظام الذي سيتولى السلطة بعد انتهاء العملية العسكرية".
أما تاماس فارغا، محلل النفط في شركة الوساطة "PVM"، فقال: "إذا قرر ترامب الاستيلاء على هذا المركز المحوري، فسيوجه ضربة قوية للنظام الإيراني، إذ سيحرمه من مصدر دخل حيوي. وستُذكّر هذه الخطوة بالتدخل الأمريكي في فنزويلا مطلع العام، حين سيطر فعليًا على قطاع النفط في البلاد".
ووفقًا لمارك غوستافسون، الرئيس السابق لغرفة العمليات في البيت الأبيض، فإن الاستيلاء على جزيرة خرج سيمنح ترامب فرصة لتحقيق "انتصار دعائي كبير"، وفرصة توفير حاجز طبيعي للقوات الأمريكية من إيران، وتوافقها مع مساعي الرئيس لتعزيز نفوذه على النظام الإيراني.
مركز لمعالجة النفط البحري وتصديره
تضم الجزيرة أرصفة تحميل متعددة، منها أرصفة "TEE" للسفن العملاقة بسرعة تحميل تصل إلى 15,000 طن/ساعة، ورصيف "Sea Island" لناقلات النفط فائقة الحجم حتى 500,000 طن.
بالإضافة إلى "Darius Sea" الذي يتيح تحميل النفط عبر أنبوب بحري تحت الماء، إلى جانب رصيف الكبريت والغاز المسال الذي يستوعب السفن حتى 40,000 طن.
تشكل الجزيرة إضافة لدورها في التصدير، كمركز رئيسي لمعالجة النفط الخام القادم من ثلاثة حقول بحرية رئيسية هي: حقل أبوذر، حقل فروزان، وحقل دورود، ويتم نقل النفط من هذه الحقول إلى الجزيرة عبر شبكة من خطوط الأنابيب البحرية قبل معالجته وتخزينه تمهيداً لتصديره.
موقع جغرافي يمنح ميزة لوجستية
تتميز جزيرة خرج بموقع جغرافي استراتيجي في الخليج العربي، إضافة إلى مياه عميقة تسمح لناقلات النفط العملاقة بالرسو بسهولة، وهو ما يمنحها ميزة لوجستية مهمة في عمليات تحميل وشحن النفط، وفق تقرير لشبكة "سي أن أن" الاقتصادية.