حذر الخبير الاقتصادي
الدولي في مجال النفط والطاقة ممدوح سلامة من تداعيات الحرب على إيران وإغلاق مضيق
هرمز على الاقتصاد العالمي، معتبرا أن الأزمة الحالية تعد الأكبر التي يواجهها الاقتصاد
العالمي منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، لما يحمله المضيق من أهمية استراتيجية
في حركة تجارة النفط العالمية.
وفي مقابلة مع "عربي21"،
قال سلامة إن استمرار إغلاق المضيق لفترة طويلة سيؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة،
موضحًا أن نحو 20 مليون برميل من النفط تمر يوميا عبر
مضيق هرمز، وهو ما يعادل خمس
الاستهلاك العالمي من النفط، الأمر الذي يجعل أي تعطل في حركة الملاحة عبره مؤثرا بشكل
مباشر على إمدادات الطاقة العالمية.
وأضاف سلامة أن إيران
ترى في إغلاق المضيق أقوى ورقة ضغط تمتلكها في مواجهة الهجوم الأمريكي الإسرائيلي عليها،
مؤكدا أن طهران لن تقدم على إعادة فتحه إلا في حال توقف العمليات العسكرية ضدها.
تأثير مباشر على الولايات
المتحدة
وأشار سلامة إلى أن
التداعيات الاقتصادية للأزمة لن تكون متساوية بين الدول، موضحا أن الولايات المتحدة
والاتحاد الأوروبي سيكونان الأكثر تأثرًا.
وبين سلامة أن الولايات
المتحدة تستورد يوميا ما بين 7.5 و8 ملايين برميل من النفط، وهو ما يجعلها شديدة الحساسية
تجاه أي ارتفاع كبير في الأسعار العالمية.
وأوضح الخبير
الاقتصادي أن ارتفاع
أسعار النفط من نحو 65 دولارًا إلى 91 دولارًا للبرميل سيؤدي إلى
اتساع العجز في الميزانية الأمريكية، الأمر الذي قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى طباعة
المزيد من الدولارات لتغطية هذا العجز، وهو ما سينعكس بدوره على ارتفاع الدين العام
الأمريكي وزيادة معدلات التضخم.
وأضاف أن الدين الأمريكي
قد يصل إلى نحو 40.8 تريليون دولار، بزيادة تفوق 2.8 تريليون دولار مقارنة بعام
2025، مشيرا إلى أن خدمة هذه الديون وحدها قد تصل إلى 1.5 تريليون دولار سنويًا.
تصريحات ترامب
"كلام فارغ"
وعلّق سلامة على تصريحات
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي قال فيها إن ارتفاع أسعار النفط لن يكون مؤثرا بشكل
كبير وسيعود إلى الانخفاض لاحقا، معتبرًا أن هذه التصريحات لا تعكس واقع السوق النفطية
قائلا أنه "كلام فارغ".
وقال إن عدم مرور أي
ناقلة نفط عبر مضيق هرمز يعني فعليا أن إيران تسيطر على المضيق بشكل كامل، وهو ما يفسر
الارتفاع السريع في الأسعار.
كما استبعد سلامة إمكانية
نجاح أي خطة أمريكية لمرافقة ناقلات النفط عبر المضيق، مشيرا إلى أن مثل هذه السفن
قد تصبح أهدافا مباشرة للصواريخ الإيرانية.
اظهار أخبار متعلقة
دول الخليج قد تضطر
إلى خفض الإنتاج
وحول تأثير الأزمة
على الدول الخليجية المنتجة للنفط، قال سلامة إن إعلان الكويت التوجه إلى التركيز على
الإنتاج المحلي فقط نتيجة صعوبة التصدير يعد أمرا طبيعيا في ظل الظروف الحالية.
وأضاف أن دول الخليج،
بما فيها العراق والسعودية والإمارات والكويت، قد تجد نفسها مضطرة إلى خفض الإنتاج،
ليس بسبب نقص القدرة الإنتاجية، بل بسبب عدم قدرتها على تصدير الكميات المنتجة في ظل
إغلاق المضيق.
وأوضح أن هذه الدول
لا تمتلك القدرة على تخزين كميات كبيرة من النفط لفترات طويلة، ما يجعل خفض الإنتاج
خيارا شبه حتمي إلى حين إعادة فتح المضيق أمام حركة السفن.
قفزة كبيرة في أسعار
النفط
وحذر سلامة من أن استمرار
الأزمة لأسابيع وحتى شهرين قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، متوقعًا أن يقفز
سعر خام برنت إلى نحو 120 دولارًا للبرميل.
وأشار إلى أن هذا الارتفاع
سيؤدي إلى نقص كبير في المعروض العالمي من النفط، ما سينعكس مباشرة على معدلات النمو
الاقتصادي العالمي.
وتوقع أن يتراجع النمو
الاقتصادي العالمي من نحو 3.3 بالمئة هذا العام إلى 1.3 بالمئة فقط، بالإضافة إلى زيادة
كلفة الاقتصاد العالمي بنحو خمسة تريليونات دولار نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والنقل
والإنتاج.
الصين والهند وتأثير
الأزمة
وتحدث سلامة عن انعكاسات
الأزمة على الاقتصادين الصيني والهندي، مشيرًا إلى أن البلدين سيشعران بالتأثير بسبب
اعتمادهما الكبير على واردات الطاقة.
لكنه أوضح أن روسيا
قد تخفف من حدة الأزمة عليهما عبر زيادة صادراتها النفطية، حيث يمكنها رفع صادراتها
إلى الصين بنحو 4 ملايين برميل يوميًا، وإلى الهند بما يتراوح بين 2.5 و3 ملايين برميل
يوميًا.
وأضاف أن هذا التعاون
قد يخفف من الضغوط الاقتصادية على البلدين رغم استمرار ارتفاع الأسعار عالميًا.
اظهار أخبار متعلقة
روسيا والصين ودعم
إيران عسكريًا
وفي السياق العسكري
المرتبط بالأزمة، قال سلامة إن روسيا والصين لن تقبلا بهزيمة إيران في هذا الصراع،
مشيرًا إلى أنهما قدمتا دعمًا عسكريًا لطهران قبل بدء الهجوم الأمريكي.
وأوضح أن هذا الدعم
شمل رادارات متطورة وأنظمة دفاع جوي متقدمة، وهو ما ساعد إيران على توجيه ضربات صاروخية
ناجحة ضد قواعد أمريكية في الشرق الأوسط وضد أهداف داخل الاحتلال الإسرائيلي.
أوروبا بين أزمة الطاقة
وهروب الشركات
ورأى سلامة أن الاتحاد
الأوروبي سيكون ثاني أكبر المتضررين من الأزمة بعد الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن
اقتصاده يعاني بالأساس من ارتفاع تكاليف الطاقة منذ وقف استيراد الغاز الروسي.
وأوضح أن العديد من
الشركات الأوروبية الكبرى نقلت بالفعل جزءًا من عملياتها الصناعية إلى دول أخرى مثل
الصين والولايات المتحدة حيث تكاليف الطاقة أقل.
وأضاف أن الارتفاع
الجديد في أسعار النفط والغاز قد يدفع الاقتصاد الأوروبي إلى أسوأ أداء اقتصادي له
منذ سنوات طويلة.
القطاعات الأكثر تأثرًا
بالأزمة
ولفت سلامة إلى أن
الأزمة ستؤثر على عدد من القطاعات الاقتصادية الرئيسية، أبرزها: "قطاع الطاقة، والقطاع الصناعي، وإنتاج المواد الغذائية، وقطاع النقل البحري".
وأوضح أن نحو 90
بالمئة من تجارة السلع في العالم تتم عبر البحر، ما يعني أن أي ارتفاع في أسعار الوقود
والنقل سيؤدي إلى ارتفاع أسعار معظم السلع عالميًا.
تأثير الأزمة على المستهلكين
وعن تأثير الأزمة على
حياة المواطنين، قال سلامة إن المستهلكين قد لا يشعرون بارتفاع الأسعار فورًا، لكن
مع مرور الوقت سيظهر التأثير من خلال ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل.
اظهار أخبار متعلقة
وأضاف أن ذلك سينعكس
في النهاية على ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية وتكاليف المعيشة في مختلف
دول العالم.
وأكد الخبير
الاقتصادي أن الأزمة لن تميز بين الدول الغنية والفقيرة، لكنها قد تكون أشد تأثيرًا
على الدول الصناعية التي تعتمد بشكل أكبر على الطاقة في عمليات الإنتاج.
تعافي الأسواق بعد
فتح المضيق
وفي حال التوصل إلى
وقف لإطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز، توقع سلامة أن يستغرق تعافي الأسواق بعض الوقت،
موضحا أن ناقلات النفط المتوقفة ستبدأ فورا في نقل الإمدادات، لكن الدول المنتجة ستحتاج
إلى أسابيع وربما بضعة أشهر لإعادة الإنتاج إلى مستوياته الطبيعية.
وأشار إلى أن دولا
مثل قطر والكويت والعراق والإمارات والسعودية ستحتاج إلى فترة لإعادة تشغيل عمليات
الإنتاج والتصدير بالكامل.
الدول العربية الأكثر
تأثرًا
وعن الدول العربية
الأكثر تأثرًا بالأزمة، قال سلامة إن جميع دول الخليج المنتجة للنفط ستتأثر بدرجات
متفاوتة، ولكنه أشار إلى أن العراق والكويت وقطر قد تكون الأكثر تأثرًا لأنها تعتمد
بشكل شبه كامل على مضيق هرمز في تصدير النفط والغاز.
في المقابل، تمتلك
السعودية والإمارات وإيران خطوط أنابيب تسمح لها بتصدير جزء من إنتاجها بعيدًا عن المضيق،
حيث يمكنها مجتمعة تصدير ما بين 4 و5 ملايين برميل يوميًا عبر هذه الخطوط.
توصيات للمستثمرين
والشركات
وفي ختام حديثه، قدم
سلامة مجموعة من التوصيات للمستثمرين والشركات الكبرى للتعامل مع الأزمة الحالية، قائلا
إن المخاطر المتوقعة مؤقتة نسبيًا، وقد لا تستمر أكثر من شهرين أو ثلاثة أشهر، لذلك
لا يرى ضرورة لإقدام الشركات على خفض العمالة أو تقليص الإنتاج.
وأوضح أن العديد من
السلع غير النفطية يمكن تسويقها داخل الأسواق العربية، وهو ما يوفر بدائل للشركات لتجنب
الخسائر خلال فترة الأزمة.
وأكد أن مستقبل الأزمة
مرتبط بشكل أساسي بالقرارات السياسية والعسكرية في واشنطن وتل أبيب، مشيرًا إلى أن
أي وقف لإطلاق النار قد يؤدي سريعًا إلى إعادة فتح المضيق وعودة الأسواق إلى الاستقرار
تدريجيًا.