كيف حوّلت إيران الصراع من حرب شرق أوسطية إلى أزمة عالمية؟

غلق مضيق هرمز والتهديد باستهداف الناقلات مخاطر أضافت 15 دولاراً إلى أسعار النفط
تحولت الحرب ضد إيران في لحظة من كونها شرق أوسطية، إلى صدمة اقتصادية عالمية باتت تختبر قدرة الأسواق المبنية على ضمانات الأمن الأمريكية على الصمود، بعد إعلان الحرس الثوري إغلاق مضيق هرمز، وتهديده بإحراق أي سفينة تحاول العبور منه.

لم يكد العالم يتعافى بعد من تداعيات تعطل إمدادات الطاقة من روسيا بسبب حرب أوكرانيا، حتى بدأت طهران ممارسة الضغط على أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، حيث يمر عبر هذا الممر الضيق ما يقرب من خُمس إمدادات النفط العالمية.


توقع الأمريكيون أن يؤدي اغتيال المرشد علي خامنئي إلى زعزعة استقرار القيادة الإيرانية وشلّ هيكلها القيادي. لكن بدلاً من ذلك، ويبدو أن طهران قد استوعبت هول الصدمة، وعززت سلطتها، وانتقلت على الفور إلى رد فعل منسق.

توقف الإمدادات هو الأكبر منذ حرب الخليج

حذّرت مؤسسة "إس آند بي جلوبال إنرجي" من أن الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإيران قد تتحول إلى أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ، ففي الـ2 من آذار/مارس عبرت خمس ناقلات فقط مقارنة بمتوسط يومي حديث يبلغ نحو 60 ناقلة.


وأضافت أن توقف الناقلات عن العبور عرّض نحو 15 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات للخطر، وهي كميات تعتبر أكبر من تلك التي كانت مهددة في بداية الغزو الروسي لأوكرانيا أو خلال حرب الخليج عام 1990.


وتوقعت الوكالة أنه في حال فقدان نحو 7 ملايين برميل يوميًا لعدة أشهر، فقد ترتفع الأسعار إلى 100 دولار للبرميل أو أكثر، مع اتجاه السوق إلى ترشيد الإمدادات وتراجع الطلب تحت وطأة الأسعار المرتفعة.

تزايد الأسعار مع غياب أفق زمني للحرب

أضافت الحرب نحو 15 دولاراً إلى أسعار خام برنت، وفقاً لـ "بلومبرغ إيكونوميكس"، وثمة عوامل قد تدفع الأسعار نحو مستويات أعلى، ومنها شنّ ضربات إضافية على البنية التحتية للطاقة في منطقة الخليج التي تمدّ العالم بثلث احتياجاته من النفط وخُمس إمدادات الغاز.

كما أن استمرار الصراع لفترة طويلة سيكرّس حالة من الاضطراب في الإمدادات، خاصة وأن واشنطن ما زالت ترسل إشارات متضاربة بشأن المدى الزمني لانتهاء العمليات العسكرية، إذ تعلن رفضها الانزلاق نحو حربٍ لا نهاية لها، لكنها لا تقدم جدولاً زمنياً محدداً.

لم تكتفِ إيران بتعطيل مرور ناقلات النفط إلى العالم، بل عمدت إلى مهاجمة البنية التحتية للطاقة في دول الخليج التي تمتلك بعضها سبل تصدير بديلة بعيداً عن مضيق هرمز، حيث أوقفت شركة "أرامكو" العمليات في كبرى مصافي التكرير السعودية، إثر هجوم أسفر عن اندلاع حريق.


كما علقت قطر الإنتاج في أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، ما تسبب بارتفاع الأجرة اليومية لناقلات الغاز الطبيعي المسال في حوض الأطلسي إلى أكثر من 200 ألف دولار بعد أن أشعل اتساع نطاق الحرب طلباً حاداً على السفن.

ارتفاع المخاطر ينهي مظلة التأمين البحري

اتخذت شركات تأمين بحري كبرى قراراً بإلغاء تغطية مخاطر الحرب للسفن العاملة في المنطقة، وأصدرت شركات منها "جراد"، و"سكولد"، و"نادي لندن بي أند آي"، و"النادي الأمريكي"، إشعارات مؤرخة في الأول من آذار/مارس نصت على سريان إلغاء التغطية اعتباراً من الخامس من الشهر ذاته.

وأكدت شركة "سكولد" أنها تعمل على توفير تغطية جديدة بشروط مختلفة، بينما أوقفت مجموعة "إم.إس اند إيه.دي" اليابانية للتأمين إصدار وثائق تغطي مخاطر الحرب في المياه المحيطة بإيران والدول المجاورة، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع حاد إضافي في أسعار شحن النفط.

أوروبا والصين.. اقتصاديات يلوحها الخطر

رغم تحديد الرئيس ترامب "بضعة أسابيع" كسقف زمني لاستمرار الضربات على إيران، إلا أن إطالة أمد العمليات العسكرية تجعل اقتصاديات دول منطقة اليورو أكثر عرضة لتداعيات حرب إيران، نظراً لاعتماد أوروبا على واردات النفط والغاز من المنطقة، مما يجعلها كذلك، حسب كارستن برزيسكي، من بنك "آي إن جي".


كما يعد هجوم ترامب على إيران توجيعًا لضربة اقتصادية كبيرة لأحد أبرز خصوم أمريكا، وهي الصين، التي تعد إيران ثاني أكبر مورد نفط لها بعد السعودية العام الماضي، وفقًا لتحليل أجرته بوليتيكو لبيانات شركة أبحاث السوق "كيبلر".

ما البدائل لمضيق هرمز؟

دفع تصاعد حدة التوتر القوى الدولية للبحث عن "مخارج طوارئ" تؤمّن تدفق النفط الخام والمنتجات المكررة والغاز الطبيعي المسال في الشرق الأوسط، والتي كانت تُشحن عبر مضيق هرمز، إلا أن الواقع الجغرافي يبدو معقدًا، على حد تعبير فهمي.


إبراهيم فهمي، زميل المعهد البريطاني للهندسة البحرية، قال إن البدائل المتاحة حاليًا، مثل خط أنابيب "شرق-غرب" في السعودية أو خط "الفجيرة" في الإمارات، لا يمكنها مجتمعة استيعاب أكثر من 20-25% من إجمالي التدفقات التي تمر عبر المضيق.


وأضاف في تصريحات للـ"بي بي سي"، إن اللجوء إلى "طريق رأس الرجاء الصالح" سيعني إضافة حوالي 15 يومًا من الإبحار، وزيادة هائلة في استهلاك الوقود، مما يجعل هذا البديل خيارًا "مُرًّا" لا يحل الأزمة بل يؤجل انفجارها، كما يرى المحلل الاقتصادي فراس شعبو.

ويتوقع فهمي أن تستمر الحرب لوقت طويل في الشرق الأوسط، وأن يكون لها تبعات مدمرة على الاقتصاد العالمي وعلى أمن وسلامة عمليات الشحن البحري، ليس فقط داخل مضيق هرمز، ولكنها ستمتد إلى البحر الأحمر.