لا
تتردد الكثير من المحافل السياسية والأمنية الاسرائيلية في الاعتراف بأن دولة
الاحتلال تشهد حاليًا عملياتٍ تنزلق به نحو الهاوية، وهناك الكثير من المؤشرات على
ذلك، وآخرها الهجوم على عدد من القضاة، مصحوباً بوابل من الشتائم والسباب، لكن الأمر
الأكثر دهشة أن مواقع التواصل الاجتماعي شهدت ابتهاجا من نشطاء
اليمين المتطرف على
هذا التطور.
عيران
شاليف، المؤرخ الأمريكي بقسم التاريخ في جامعة حيفا، ذكر أن "قيام ناشط يميني
ذي سجل جنائي بعرقلة سيارة رئيس المحكمة العليا السابق، البروفيسور أهارون باراك،
بالشتائم والسباب، يُعد لحظة سياسية ذات دلالة خطيرة، وتُشير إلى لحظة تاريخية
تُهمل فيها لغة الإقناع السياسي، وتُفسح المجال للغة الترهيب والتهديد لرموز
السلطة في مناخ سياسي يتسم بانقسام حاد".
وأضاف شاليف في
مقال نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت، وترجمته "عربي21"، أن "مثل هذه الأحداث التي تشهدها إسرائيل المعاصرة، تتزامن مع انقسام
معسكراتها السياسية ومجتمعها ككل انقساما حادًا لا يُمكن التوفيق بينه بسبب هذا الاعتداء
الذي كشف عن عمق الاستقطاب فيها، ويعبر عن انقسام عميق، ويشير إلى هوة سياسية
وعاطفية تفصل بين المعسكرات السياسية، رغم صدمة الكثيرين في الرأي العام
الإسرائيلي لرؤية منع سيارة القاضي باراك، مصحوبًا بوابل من الشتائم واللعنات".
وأشار شاليف إلى أنه "لم يكن الأمر أقل صدمةً على مواقع التواصل الاجتماعي حيث ابتهج نشطاء اليمين
المتطرف بهذا الهجوم اللفظي على أحد رموز النظام السياسي، وازداد الشعور بالصدمة
حين استمر السياسيون في تبني الحادث، كما لم يُدن أي عضو في الائتلاف اليميني هذا
الهجوم، مما يعني أننا نشهد حاليًا عملياتٍ ينحدر فيها المجتمع الاسرائيلي نحو
الهاوية، وتتمثل أساسًا في تآكل الاتفاق الأساسي على قواعد اللعبة".
وحذر من أن "الحروب الأهلية لا تبدأ بين عشية وضحاها بمعارك مسلحة بين معسكرات
متشددة، بل عندما تتوقف فئات كبيرة في المجتمع عن الاعتراف بشرعية مؤسسات الدولة
وخصومها السياسيين، ولذلك لا يستطيع المجتمع الإسرائيلي استيعاب نقاش حاد حول
تخصيص الميزانية، أو الحدود أو السياسة الأمنية؛ بل يواجه صعوبة بالغة في استيعاب
وضع ينظر فيه أحد الأطراف لمؤسسات مركزية كالمحكمة على أنها هيئة غير شرعية، أو
يكون فيه رؤساء الأجهزة الأمنية جزءًا من "الدولة العميقة".
وأضاف شاليف أنه "طالما ارتبط وجود دولة إسرائيل الصغيرة في بيئة معادية من الخارج بالتضامن
الداخلي، والإيمان بأنه رغم اختلاف الآراء والمناهج، لكن هناك وحدة هدف بين
الاسرائيليين ويتمثل باستمرار وجود الدولة، وازدهارها، وعندما أعلن وزير القضاء
ياريف ليفين عن الانقلاب القانوني أوائل يناير 2023، لم يكتفِ بإطلاق مبادرة تشريعية
جذرية لتغيير وجه النظام، بل سرّع أيضًا من وتيرة عمليات تدميرية قد تؤدي لانهيار
الشراكة الإسرائيلية الهشة".
تكشف
المخاوف الإسرائيلية أن الاكتفاء باتهام اليسار، والهجوم على رئيس المحكمة العليا،
والصحفيين والشخصيات العامة الأخرى، يُعدّ مؤشرًا صارخًا على عملية تفكيك المجتمع
الإسرائيلي إلى معسكرات متشددة، الأمر الذي يستدعي توجيه المسئولية نحو القيادة الحالية،
لضمان عدم انزلاق الدولة إلى هاوية
حرب أهلية.