كيف تمهد "لغة الإهانة" الطريق إلى حرب أهلية أمريكية ثانية؟

ذكر تقرير أن الهدف من هذه اللغة لا يقتصر على الإهانة بل تغذية "دورة استثارة الغضب"- جيتي
نشرت مجلة "كاونتر بانش" تقريرًا يسلط الضوء على تصاعد الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة مع اقتراب الانتخابات النصفية لعام 2026، نتيجة انزلاق الخطاب العام نحو شيطنة مجموعات عرقية واجتماعية كاملة.

وقالت المجلة، في هذا التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إن استطلاعًا أجرته مؤسسة غالوب في كانون الثاني/ يناير 2026 أظهر أن 89 بالمئة من الأمريكيين يتوقعون مستويات عالية من الصراع السياسي هذا العام، مع توجه البلاد نحو واحدة من أكثر الانتخابات النصفية حسمًا على الإطلاق. لكن الاستطلاع يوضّح واقعًا بديهيًا بالنظر إلى الخطاب الفظ والعنصري الصريح، الذي يجري تطبيعه حاليًا من قبل كبار المسؤولين الأمريكيين. يسمي البعض هذا الخطاب الجديد بـ"لغة الإهانة" حيث يشير المسؤولون إلى مجموعات اجتماعية وعرقية كاملة باعتبارها "حشرات" "قمامة" أو "غزاة".

وأوضحت المجلة أن الهدف من هذه اللغة لا يقتصر على الإهانة، بل تغذية "دورة استثارة الغضب" حيث يهاجم مسؤول رفيع مجتمعًا كاملًا وينتظر الرد، ثم يصعّد الهجمات ويقدم نفسه كحامي للتقاليد والقيم ولأمريكا نفسها. هذا ليس مجرد "تفريغ" للديمقراطية، حسب ما أشار إليه تقرير هيومن رايتس ووتش في كانون الأول/ يناير الماضي، بل يهيئ البلاد لـ"الاستقطاب العاطفي" الذي لا يختلف الناس فيه فقط حول القضايا السياسية، بل يكرهون بعضهم البعض فعليًا بسبب هويتهم.

كيف يمكن تفسير تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في كانون الأول/ ديسمبر الماضي عندما قال عن الصومال: "دولتهم قذرة ولا نريدهم في بلدنا.. إلهان عمر قمامة وأصدقاؤها قمامة". هذا ليس مجرد رئيس غاضب، بل خطاب سياسي متطرف يدعم ملايين الأمريكيين الذين ما زالوا يرون في ترامب مدافعًا عنهم ومنقذًا لهم.



بلغ هذا الاستقطاب ذروته في المباراة النهائية السنوية لبطولة دوري كرة القدم الأمريكية للمحترفين 2026، حين أثار اختيار الفنان البورتوريكي باد باني لأداء فقرة الاستراحة جدلًا واسعًا حول الهوية الوطنية. وبينما احتفل الملايين بالأداء، أطلق ترامب والمعلقون المحافظون حملة مقاطعة، واصفين العرض باللغة الإسبانية بأنه "غير أمريكي بما فيه الكفاية" وغير مناسب. وتصاعد الخطاب أكثر عندما أشارت وزيرة الأمن الداخلي كريستي نوم أن عملاء وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية سيكونون "في كل مكان" خلال الحدث، مما أدى فعليًا إلى إقصاء عدد لا يحصى من الناس من حقهم في الانتماء إلى ثقافة مميزة داخل المجتمع الأمريكي.

لم يقتصر تسليح الثقافة واللغة على المسرح فقط وإنما قسّم المشاهدين الأمريكيين إلى معسكرين متباينين: أولئك الذين شاهدوا العرض الرسمي، وأولئك الذين لجأوا إلى بث بديل "أمريكي بالكامل" استضافته منظمة "تيرنينغ بوينت". إن هذا "الرد" هو جوهر الصراع الأمريكي الذي تنبأ كثيرون بأنه سيصل في النهاية إلى نقطة انفجار شبيهة بالحرب الأهلية.

يبدو أن هذا الاستنتاج بات حتميًا مع اقتران الحرب الثقافية بثلاثة اتجاهات مقلقة: نزع الإنسانية عن الهوية، والتناظر الحزبي - أي النظر إلى الطرف الآخر كتهديد وجودي، والصراع المؤسسي - حيث تُعتبر الوكالات الفيدرالية "خارجة عن القانون"، وتُوصَف عضوات في الكونغرس بأنهن "قمامة"، وتُوسَم الآراء المعارضة بالخيانة.

يقودنا هذا إلى السؤال الجوهري حول الشرعية. ففي الديمقراطية السليمة، تعترف جميع الأطراف بشرعية النظام نفسه بغض النظر عن الخلافات الداخلية، لكن الولايات المتحدة تدخل حالة من الانقسام المؤسسي الذي لم يعد الصراع السياسي فيه معنيًا بالفوز في الانتخابات، بل باختلاف المجموعات المهيمنة حول هوية الأمة نفسها.



أكدت المجلة أن الأزمة الحالية ليست ظاهرة جديدة بل تعود إلى التوتر التاريخي بين "الاندماج" في بوتقة الانصهار الأمريكية مقابل "التعددية الثقافية". فمبدأ بوتقة الانصهار يشكل ضغطًا فعليًا على المجتمعات المهاجرة والأقليات لتذوب في بنية اجتماعية يهيمن عليها البيض المسيحيون، بينما يسمح نموذج التعددية الثقافية للأقليات بالشعور بالانتماء لأمريكا مع الحفاظ على لغاتها وعاداتها وأولوياتها الاجتماعية المميزة، دون فقدان هويتها الفريدة.

وبينما استمر هذا النقاش لعقود في الفضاء الأكاديمي الفكري، تحوّل اليوم إلى صراع يومي ملموس. وقد أدت عدة عوامل إلى وصول الولايات المتحدة إلى هذا المنحدر: اقتصاد متعثر، تزايد عدم المساواة الاجتماعية، وفجوة ديموغرافية تتقلص بسرعة حيث لم تعد المجموعات الاجتماعية المهيمنة تشعر بـ"الأمان". على الرغم من أن التهديد المزعوم لـ"أسلوب حياتهم" يُصاغ غالبًا كشكوى ثقافية أو اجتماعية، فإنه في جوهره صراع على الامتياز الاقتصادي والهيمنة السياسية.

وأضافت المجلة أن هناك أيضًا تفاوتًا كبيرًا في التركيز السياسي. ففي حين يمتلك اليمين وضوحًا في "الرؤية وتماسكًا سياسيًا نسبيًا"، يبقى "الطرف الآخر" غارقًا في الغموض. كما تفتقر المؤسسة الديمقراطية إلى ثقة الشباب الأمريكي، خصوصًا أبناء الجيل "زد" . ووفقًا لاستطلاع حديث أجراه مركز "سيركل"، فقد انهارت الثقة في المؤسسات السياسية التقليدية بين الناخبين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عامًا إلى مستويات تاريخية متدنية، حيث أعرب أكثر من 65 بالمئة عن عدم رضاهم عن الحزبين الرئيسيين.

يتفاقم الاستقطاب المجتمعي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وبينما يتمسك اليمين بأمل إعادة البلاد إلى عظمتها، يُهيمن على اليسار سياسات شيطنة الطرف الآخر وردود الفعل على المظالم. ولكن بغض النظر عن نتائج انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر، فإنّ الكثير من النتائج محسومة مسبقًا: صراع اجتماعي أوسع في الولايات المتحدة، ونقطة انفجار تقترب بسرعة لا مفر منها.