كشف مسؤولون أمريكيون بارزون خلال الأيام الأخيرة عن تصريحات لافتة وغير مسبوقة بشأن توجهات السياسة الخارجية لواشنطن، وما وصفوه بـ"حروب المستقبل"، وذلك وفق ما رصدته الصحفية والكاتبة السياسية كايتلين جونستون في قراءة
تحليلية لتصريحات أدلى بها كل من السيناتور الجمهوري ليندسي
غراهام ووزير الخارجية الأمريكي ماركو
روبيو.
وقال السيناتور ليندسي غراهام، خلال مؤتمر صحفي عقده الإثنين في تل أبيب عقب اجتماع جمعه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن “حروب المستقبل تخطط هنا في إسرائيل”، مشيرا إلى أنه يزور المنطقة بشكل متكرر “كل أسبوعين”.
وأضاف غراهام في حديثه أن تل أبيب تضم، وفق وصفه، “أكثر القوات العسكرية ذكاء وإبداعا على هذا الكوكب”، معتبرا أن التقدم على الخصوم في ساحات الصراع هو شرط أساسي لتجنب الخسائر.
وقال: “إذا لم تكن خطوة واحدة أمام العدوّ، ستعاني”، قبل أن يضيف: “أكثر القوات العسكرية ذكاء وإبداعا على هذا الكوكب موجودة هنا”.
تحذير من حرب مع إيران
وفي سياق حديثه، أقر غراهام بإمكانية اندلاع مواجهة عسكرية أمريكية مع إيران، معترفا في الوقت نفسه بأن أي حرب قد تعرض الجنود الأمريكيين لصواريخ إيرانية.
وقال: “هل يمكن أن يصاب جنودنا في المنطقة؟ بالتأكيد. هل يمكن لإيران الرد إذا شننا هجوما شاملا؟ بالتأكيد، يمكنهم”.
غير أنه شدد على ضرورة المضي في خيار الحرب وعدم التردد، قائلا: “لكن المخاطرة أقل بكثير من المخاطرة بالتردد وعدم الوفاء بوعودنا للشعوب التي وعدناها”.
بالتزامن مع تصريحات غراهام في تل أبيب، ألقى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خطابا في مؤتمر ميونيخ للأمن، تضمن دعوات صريحة لما وصفته جونستون بأنه “عودة إلى أيام
الهيمنة الغربية على الجنوب العالمي بدون مواربة أو اعتذار”.
وأشار روبيو إلى أن الغرب، على مدى خمسة قرون، كان يوسع إمبراطورياته عبر “المستكشفين والمبشرين والجنود”، لكنه قال إن هذا المسار بدأ بالانحدار بعد الحرب العالمية الثانية.
وأضاف: “الإمبراطوريات الغربية الكبرى دخلت في مرحلة الانحدار، متسارعة بالثورات الشيوعية والإنتفاضات المضادة للاستعمار التي غيرت العالم”.
ولفتت جونستون إلى أن روبيو، المعروف بمواقفه المناهضة للشيوعية، قدم اعترافا ضمنيا بالدور الذي لعبته الاشتراكية في مقاومة الاستعمار الغربي، لكنه تعامل مع ذلك بوصفه تطورا سلبيا، داعيا الأوروبيين إلى الانضمام إلى الولايات المتحدة لاستعادة السيطرة على مناطق الجنوب العالمي.
وقال روبيو: “تحت قيادة الرئيس ترامب، ستتولى الولايات المتحدة مرة أخرى مهمة التجديد والاستعادة، ونحن نفضل القيام بذلك معكم، أصدقاؤنا في أوروبا”.
هوية غربية مسيحية مشتركة
وفي جزء آخر من خطابه، شدد وزير الخارجية الأمريكي على ما وصفه بـ"الهوية الغربية المشتركة"، مؤكدا أن الولايات المتحدة وأوروبا تنتميان إلى “حضارة واحدة”.
وقال روبيو: “نحن جزء من حضارة واحدة، الحضارة الغربية”، مضيفا: “تربطنا أعمق الروابط التي يمكن أن تتشاركها الأمم، صاغتها قرون من التاريخ المشترك، الإيمان المسيحي، الثقافة، التراث، اللغة، النسب، وتضحيات أسلافنا من أجل الحضارة المشتركة التي ورثناها”.
عودة صريحة لحب الإمبراطورية الغربية
ورأت الصحفية كايتلين جونستون أن تصريحات روبيو وغراهام تمثل “استعادة صريحة لحب الإمبراطورية الغربية الكلاسيكية”، معتبرة أن هذه الإمبراطورية قامت تاريخيا على “إبادة جماعية في قارات كاملة”، و”تجارة العبيد الأفارقة”، و”استعباد الشعوب بالقوة”.
وأضافت جونستون أن هذه المنظومة ذاتها ما تزال تمارس سياسات وصفتها بـ"الوحشية" في العصر الحديث، بدءا من مجازر غزة، وصولا إلى خنق كوبا، والتحضير لمواجهة عسكرية مع إيران، واستغلال دول الجنوب العالمي، فضلا عن “فضائح أخلاقية كبرى” مثل قضية إبستين.
وختمت جونستون قراءتها بالتأكيد على أن “الحضارة الغربية” ليست بحاجة للعودة إلى مجدها الإمبراطوري، بل إلى وقفة حازمة لإيقاف سياساتها الاستغلالية وإجراء إصلاح جذري، مشيرة إلى أن طبيعة المسؤولين الذين أوصلتهم هذه الحضارة إلى مواقع القيادة تكشف بوضوح، وفق قولها، طبيعة الأزمة الأخلاقية والسياسية التي تعيشها.