نيويورك تايمز: سوريا تعبر عتبة فاصلة وتنهي حلم الأكراد بحكم ذاتي

عينت دمشق مسؤولاً سابقاً في قوات سوريا الديمقراطية محافظاً للحسكة في محاولة لكسب ثقة الأكراد - الإخبارية السورية
نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرا مصورا للصحفيين كارلوتا غال وحسام حمود، والصور للصحفية نانا هيتمان، حيث أمضى الفريق أسبوعين في شمال شرق سوريا، زاروا خلالهما طرفي النزاع الأخير.

وجاء في التقرير أن تقدم الجيش السوري إلى المناطق الكردية قد يؤدي إلى وضع معظم أنحاء البلاد تحت سلطة واحدة، لكنه في الوقت نفسه ينهي حلم الحكم الذاتي للأكراد.

فقد ساد التوتر مع دخول القوات الحكومية مدينة الحسكة شمال شرق سوريا هذا الشهر. حلقت طائرات التحالف بقيادة الولايات المتحدة فوق المدينة، وراقبت وحدة من الجيش السوري تقدم القوات عبر مسيرات، تحسبًا لأي كمين قد تنصبه الجماعات الكردية.

كانت هذه المرة الأولى التي تتوغل فيها القوات الحكومية في الحسكة، معقل الأكراد لأكثر من عقد، ولم يلقَ وجودها ترحيبًا من الجميع. بقي الجنود الأكراد، الذين يُجبرون على التخلي عن طموحهم في إقامة منطقة حكم ذاتي، متشبثين بموقفهم، واستعرضوا بأعلام كردية وأسلحة أمام قاعدة حكومية.

تحديات تنتظر الرئيس الشرع

أظهر الاستعراض التحديات التي تنتظر الرئيس أحمد الشرع. فبعد أن استفاد من تحول الدعم الأمريكي بعيدًا عن الأكراد، استخدم مزيجًا من القوة والتفاوض في الأسابيع الأخيرة للسيطرة على ثلاث محافظات في شرق سوريا.

كانت هذه المنطقة الشاسعة الغنية بالموارد بعيدة عن متناول الشرع منذ أن أطاحت قواته المعارضة بدكتاتورية بشار الأسد قبل ما يزيد قليلاً عن عام. وتعمل حكومته الجديدة الآن على توسيع سلطتها، متقدمة نحو هدفها المتمثل في توحيد سوريا لأول مرة منذ 15 عامًا.

المهمة التي تنتظره شاقة. فبالإضافة إلى معاناتها في تحقيق الاستقرار في البلاد التي مزقتها الحرب وانتشال شعبها من الفقر، تواجه الحكومة السورية الآن منطقة شاسعة جديدة من الأراضي لتأمينها وإعادة بنائها.

الأكراد.. ما بين الحذر والمقاومة والاستسلام

يشكل الأكراد، وهم أقلية في سوريا، الأغلبية السكانية في أجزاء من شمال شرق سوريا، وقد تباينت مشاعرهم بين الحذر والمقاومة والاستسلام أمام احتمال الحكم من دمشق.

احتفل السكان العرب، الذين ضاقوا ذرعًا بحكم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بقيادة الأكراد. وسارع بعضهم للعودة إلى منازلهم، بينما كانت وحدات الجيش تُزيل الألغام والفخاخ المتفجرة التي خلّفتها القوات الكردية المنسحبة.

قال أحمد الأحمد، 40 عامًا، الذي عاد من لبنان وكان يُرمِّم منزله في قرية البلاشا، في المناطق التي أصبحت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية حديثًا في محافظة حلب: "نزحت القرية بأكملها عام 2013. لم يعد بإمكان طائر أن يُحلِّق هنا".

أوضح تقرير الصحيفة أنّ احتياجات البنية التحتية هائلة. فالسدود الكهرومائية وحقول النفط والأراضي الزراعية الخصبة في المنطقة مُتهالكة. ويغرق جزء كبير من الريف في الظلام. وتنتشر القمامة في المدن. والكهرباء مُتقطّعة لدرجة أن الأحياء تُسمع فيها أصوات المولدات الكهربائية.

وفي الرقة، كانت السيارات تصطدم بالحفر المليئة بمياه الأمطار الموحلة. اصطف آخرون لعبور منحدر مكسور للوصول إلى الجسر الرئيسي فوق نهر الفرات، والذي فجّرته قوات سوريا الديمقراطية المنسحبة.

وقال أحمد عادل، القائم بأعمال رئيس قوات الأمن الداخلي الحكومية في الرقة، إن قوات الأمن لا تزال تُفتّش الأنفاق تحت الأرض بحثًا عن متفجرات وعناصر من قوات سوريا الديمقراطية، وأضاف عادل: "بمجرد أن نستعيد الأمن، سنتمكن من حلّ أي مشكلة أخرى".

وقال مسؤولون حكوميون إنهم استفادوا من تجربة توليهم زمام الأمور في بقية أنحاء البلاد بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024.

سجّل ضباط الأمن طوابير طويلة من عناصر قوات سوريا الديمقراطية في مركز المصالحة. وعملت لجنة مؤلفة من 11 قاضيًا من دمشق طوال عطلة نهاية الأسبوع لمراجعة ملفات 1600 معتقل في سجن الرقة الرئيسي.

آلاف ارتبطوا بقسد باتوا بلا عمل

وتتوافد وفود حكومية من دمشق لتقييم احتياجات المنطقة، لكن السكان يشكون بالفعل من ارتفاع أسعار الوقود. مع رحيل قوات سوريا الديمقراطية، أصبح آلاف ممن بنوا اقتصاداً مرتبطاً بها وبإدارتها بلا عمل.

في شمال شرق سوريا، لم تكن قوات سوريا الديمقراطية مجرد قوة قتالية، بل كانت بمثابة حكومة مستقلة. فقد كانت الحليف الرئيسي الذي عمل مع القوات الأمريكية في المنطقة لأكثر من عقد من الزمن في محاربة تنظيم الدولة واحتجاز آلاف من سجناء التنظيم.

لطالما سعى الأكراد إلى إقامة منطقة حكم ذاتي خاصة بهم هناك، لكن في الأسابيع الأخيرة، سحبت إدارة ترامب دعمها للأكراد ووجهته نحو  الشرع  لتوحيد سوريا تحت حكمه. ما اعتبره بعض الأكراد خيانة.

بدون الدعم الأمريكي، لم تتمكن القوات الكردية من السيطرة على أحيائها في مدينة حلب، ولم يكن لديها أمل يُذكر في السيطرة على محافظتي الرقة ودير الزور ذواتي الأغلبية العربية.

اختار بعض المقاتلين الأكراد في حلب خوض معركة أخيرة. بعد أيام من القتال، انسحب معظم المقاتلين وقادتهم السياسيين إلى الحسكة، وهي منطقة ذات أغلبية كردية. وقد دخلت الحكومة إليها الآن أيضا.

قسد أدارت "دولة بوليسية قمعية"

اشتكى سكان المحافظات ذات الأغلبية العربية التي انتُزعت من قوات سوريا الديمقراطية من أن القوات التي يقودها الأكراد تُدير دولة بوليسية قمعية.

قال بلال برغش، 32 عاما، واقفا أمام متجره للهواتف المحمولة في جزء من محافظة دير الزور كان خاضعا لسيطرة القوات الكردية: "كنا نعيش في خوف دائم من مداهمة متجرنا. كنا نعلم أن أي شخص قد يتهمنا بالانتماء إلى داعش".

وأضاف، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة: "نشعر بارتياح كبير"، كما أفاد بعض الأكراد في المنطقة أنهم شعروا هم أيضا بالاضطهاد من قبل إدارة قوات سوريا الديمقراطية.

وقال أيمن لولاك، 43 عاما، وهو رجل أعمال كردي من حي الشيخ مقصود في حلب، الذي خسرته قوات سوريا الديمقراطية، إنه سعيد أخيراً بعودة التواصل مع بقية المدينة ومع الحكومة المركزية.

وأوضح أن الإدارة الكردية صادرت سلسلة متاجره وممتلكاته الأخرى قرب خط المواجهة، ولم تسمح له إلا باستخدام متجر واحد ومنزل واحد.

وقال: "كنا تحت الحصار طوال العام الماضي. الآن أصبح كل شيء مفتوحاً، ويمكننا استيراد وتصدير البضائع".